‘خناقة’ وزير الثقافة المصري وخصومه

حجم الخط
0

لم أخرج من مصر إلا هرباً من مثقفيها وأكاذيبهم. من الوسط الثقافي الشائه، الذي تحكمه المصالح وتوجهه التحوُّلات، فحيثما وليت وجهك فثمَّ منحةً أو ناقد يمنحك جائزةً أو مشاركة في مؤتمرٍ (مدفوع) أو منحة تفرُّغ تصبح بفضلها عاطلاً مدفوع الأجر، تسوّد أي صفحاتٍ والسلام لتحصل على مكافأتك الشهرية بانتظام..
والمسألة لا معيار لها سوى علاقتك بالمسؤول، حتى وإن خالفت الشروط التي تظل حبراً على ورق. تربيطات وأجواء غير نظيفة وشللية وادعاء تنوُّرٍ وانفتاح.. بينما الحقيقة عكس ذلك والخاسر الوحيد هو الثقافة والإنسان المصري الذي لم تصل إليه مُخرجات الثقافة وعياً وفنوناً وتجسيراً للهوّة السحيقة التي تفصله عن العالم الذي يتطور وهو لا يعرف عنه شيئاً منذ نحو ثلاثين عاماً. الثقافة في جيوب مثقفيها وحدهم.
وآخر ‘موضة’ الوسط الثقافي حالياً هي المعركة ‘الهزلية’ التي تابعتها كغيري تدور بين وزير الثقافة المصري د.علاء عبد العزيز، الطارئ تماماً على الوسط، ولا يعرفه أحد لا من المثقفين ولا غيرهم، سوى أنه أستاذ بأكاديمية الفنون وعمل مونتيراً سينمائياً لبعض الوقت، ولا يعرف أحد آليات ترشيحه، وبين ‘موظفي الثقافة’ في هيئات الدولة، وعلى رأسهم د. أحمد مجاهد، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب. معركةٌ هزلية من يتأملها يكتشف من الوهلة الأولى مدى فساد لعبة الثقافة في مصر. فالدكتور أحمد مجاهد الذي ظهر في برنامج تلفزيوني( القاهرة اليوم) إثر إقالته من الهيئة وبدا منفعلاً وهو يقول (إن هذا الوزير يترأس التيار الظلامي الذي يريد القضاء على الثقافة)، لم يوضح لنا ماذا فعل (التيار التنويري) الذي كان يتزعّمه هو لتصبح الثقافة في عهد راعيه (فاروق حسني) بمصر على رأس أولويات إنسانها؟ هربت الثقافة من مصر إلى عواصم عربية مجاورة، احتفاليات ومهرجانات سينما ومجلات ثقافية حيوية ومعارض كتاب أكثر تنظيماً وفاعلية، واستمرت الأمية (انعدام التعليم لا الثقافة فحسب) على معدّلاتها لدى الإنسان المصري تقترب من خمسين بالمئة. ألم يلاحظ الدكتور مجاهد أن من عيّنه وزيرٌ أطاحت به الثورة وكان من أعتى من أفسدوا وزارة الثقافة في مصر بتصريحه الشهير عن (الحظيرة التي نجح في إدخال المثقفين إليها)؟ والملايين المنفقة على مشاريع لا تخدم أحداً، ومسارح تحترق بفنانيها، ولوحات لفنانين عالميين تُسرق وتختفي.. لماذا لم يستقل أحمد مجاهد في عهد فاروق حسني احتجاجاً على تشبيه المثقفين بالحيوانات المدجنة التي يستأنسها الوزير في حظيرته بأحكام المنح والمنع؟ ألم يكن مثقفاً أيضاً ينسحب عليه ما قيل عن غيره؟ لماذا لم يُظهر هذه النزعة في الدفاع عن الثقافة حين احترق مسرح بني سويف بمسرحييّه، ليُقتَل 32 مثقفاً من خيرة مثقفي وأساتذة وفناني وكُتّاب المسرح المصري؟ ألم يكن مجاهد في رأس الهرم الثقافي الحكومي آنذاك؟
في هذه المعركة الدائرة بين الطرفين، والتي لا أقف في صف أي منهما بالمناسبة، فأنا خارج مصر أصلاً ولا يعنيني من مثقفيها تناحرهم على المناصب والمكتسبات، رحت أتأمّل بعض النقاط التي توضح سوء الحال الذي وصلنا إليه في هذا الوسط المزيّف: فالدكتور مجاهد، غاضبٌ وساخط على الوزير لأن الأخير قرأ على صفحة مجاهد على (الفيسبوك) تعليقاً يوم توليه الوزارة قال فيه ( أنا باقٍ بمنزلي حتى إشعار آخر) فرأى الوزير أن هذا اعتراضٌ مبطَّن على تعيينه وزيراً فأرسل رسالة بإقالته على مكتبه (أي طلب منه أن يظل في البيت كما أعلن هو بنفسه). راح مجاهد في الحوار الذي أجراه معه محمد شردي يدافع مستميتاً قائلاً: إنه لم يكتب ذلك ولكنه كتب (أنا باقٍ بمكتبي حتى إشعار آخر)، والذي يلقي نظرةً على صفحة الدكتور مجاهد بتاريخ 8 مايو يجد العبارة موجودة بصيغتها الأولى (باقٍ بمنزلي) والغريب أنها موجودة حتى وقت كتابة هذه السطور.. فعمَّ يدافع رئيس هيئة الكتاب؟
ثم عاد الدكتور مجاهد يقول: إن أعراف العمل الحكومي تقتضي بأن تكون هناك إشعارات رسمية عند التعامل بين رئيس أي هيئة ومرؤوسيه، لا أن يعرف الوزير أخبار كبار موظفيه من الفيسبوك، ويأخذ القرارات على أساسها، وقد يكون معه الحق في ذلك، ولكن كان الأحرى بمجاهد نفسه الذي يعدُّ صفحته منبراً دعائياً لأنشطة الوزارة والتعليقات حولها، وحول ما سيقوم هو به شخصياً من نشاطات أن يفعل ذلك قبل أن يأخذه على غيره. والمسألة كلها شكلية، فالوزير طالما قرر إقالته فسيقيله سواء بفيسبوك أو بغيره، والمسألة، في تصوري ليست راجعة للسبب الذي ذكره مجاهد، من أنه أقيل بسبب اعتراضه على تغيير مسمى سلسلة (مكتبة الأسرة) التي تعيد طباعة الكتب الهامة في الثقافة المصرية والعربية طبعات زهيدة الثمن إلى (مكتبة الثورة)، ودفاعه بهذا المنطق عن أن مكتبة الأسرة فكرتها راجعة إلى (توفيق الحكيم) كما هو مكتوب في كل مقدّمات الكتب التي تصدر عنها، غير أن هذا المشروع نفّذه فاروق حسني لسوزان مبارك التي لم يصدر كتابٌ عن هذه السلسلة إلا وصورتها على غلافه الخلفي، وبكلماتٍ تقدّم فيها العمل منوهةً بالمشروع. فهل اكتشف مجاهد الآن أن هذا المشروع يخص توفيق الحكيم وليس سوزان مبارك؟
لا أعرف وزير الثقافة الجديد، ولا أعرف مدى كفاءته وإن كان حتى مؤهلاً وقادراً على إدارة ملف الثقافة المصرية الثقيل أم لا، فلا أحسب أن خبرته كبيرة أو أن لديه مشاركات سابقة في العمل الثقافي الميداني، وأتصور أنه سيتغير كغيره قريباً، بل ومن الواضح أن اختياره لهذا المنصب اعتمد على الولاء للنظام القائم وليس على الكفاءة. لقد نفضت يدي من كل ما يخص الثقافة وكوادرها الزائفة في مصر، وأتوقع هجوماً عنيفاً من حَمَلة المباخر والمنتفعين من سوق الثقافة في بلدي، ولا مشكلة، لكنني فقط أقول للمثقفين ممن ظلوا يعملون في ظل النظام المخلوع واستمروا وقد غيروا خطابهم ما بعد الثورة: لم ينكب هذا البلد سواكم، سوى ازدواجيتكم ونفاقكم وابتعادكم عن الناس من أجل مصالحكم، وعلى كل من عمل في كنف فاروق حسني وسوزان مبارك واستمر خادماً أميناً في بلاط النظام السابق ألا يرينا وجهه بعد الثورة.

* شاعر مصري مقيم في الخارج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية