ظاهرة متكررة في اعمال الكاتب الدرامي المصري عبدالرحيم كمال:د. نصار عبداللهلا أخفي إعجابي بأعمال الكاتب الدرامي الموهوب عبدالرحيم كمال، لكنني في الوقت ذاته لا أخفي ضيقي بجانب صادم (من وجهة نظري على الأقل)، تنطوي عليه أعماله ولا يكاد يخلو عمل واحد منها بدءا من ‘الرحاية’ وانتهاء إلى ‘الخواجة عبدالقادر’ الذي أتابعه حاليا بشغف رغم ما ينتابني من الضيق بذلك الجانب الذي أشرت إليه والذي يتمثل في أن أعمال كمال تنطوي على إيمان مفرط بالخوارق التي تنتمي إلى عالم الخرافات أكثر مما تنتمي إلى عالم الحقائق فيما أتصور … وعند هذه النقطة أرى من الضروري أن أتوقف لكي أقول إن وجه الصدمة لا يتمثل في أنه يقدم لنا بعض الأحداث والظواهر الخارقة للمألوف، فما أكثر الظواهر الخارقة للمألوف في عالم الواقع، ولكن وجه الصدمة يتمثل في أنه يقدمها لنا على نحو يجعلها أقرب إلى ما يتداوله العامة من الخرافات التي ينسبونها إلى الأولياء تحت مسمى الكرامات والتي تجعل منها غير قابلة للتفسير إلا باعتبارها كسرا لقوانين الطبيعة وناموسها المطرد … قارن ذلك مثلا بما يفعله العبقري نجيب محفوظ عندما ترد في أعماله واقعة خارقة للمألوف… إنه يوردها بحيث يجعلها تظل قابلة للتفسير من خلال أكثر من رؤية وأكثر من منهج … على سبيل المثال .. تحلم الأم بأن بنيها قد سقطوا في بئر، فهلك منهم من هلك، ونجا من نجا ،…بعدها يحل الوباء بالمدينة ويمرض الأبناء ..فيموت من رأته في منامها وقد هلك في البئر، ويكتب الشفاء لمن رأته قد نجا.. إن إيراد الواقعة على هذا النحو يترك الباب مفتوحا لمن أراد أن يفسرها في ضوء المصادفة وحدها، ويتركه مفتوحا لمن أراد أن يفسره بأن غريزة الأم قد أحست بشكل مبكر بالوباء وأنه سوف يهلك من ترى أنه أضعفهم مقاومة، ويترسب الخوف في أعماقها فتراه متجسداعلى هيئة منام، كما أن إيراد الواقعة على هذا النحو عند محفوظ يتركه مفتوحا كذلك لمن أراد أن يفسره بأنه إلهام ممن يمسك بمفاتيح الغيب إلى آخر هذه التفسيرات الممكنة والتي لا يحاول المؤلف العبقري أن يمسك بخناق القارىء فيلزمه إلزاما بواحد منها هو في الحقيقة أقربها إلى التفسير الخرافي كما يفعل عبدالرحيم كمال … وسوف أتخيرهنا أمثلة من عمله الأخير: ‘الخواجة عبدالقادر’ أولها عندما يوصد الحراس عليه وعلى الطفل كمال أبواب حديقة زينب، ويقترب منهما عواء الذئاب، عندئذ يتوجه عبدالقادر إلى الله بأن يفك الكرب .. بعدها يجدان نفسيهما خارج الحديقة بينما الأبواب لا تزال مقفلة بالسلاسل .. لا تدري كيف؟ ولا تملك لهذا تفسيرا إلا بأنها كرامة أو معجزة!!.. ومن هذا المثال أنتقل إلى مثال آخر يتمثل في مدرس اللغة العربية الذي يحاول أن يشرح للخواجة عروض الشعر العربي ويقطع له أبيات المنخل اليشكري تقطيعا عروضيا …(دعنا من أن مدرس العروض يقطع الأبيات بشكل خاطىء بل إنه يقرؤها بشكل خاطىء أيضا فهو يقرؤها وقد سكن قوافيها ..رغم أنها تبدأ بالبيت الشهير: إن كنت عازلتي فسيري/ نحو العراق ولا تحوري !! كما أنها تنطوي على البيت الأكثر شهرة الذي يقول فيه: وأحبها وتحبني / ويحب ناقتها بعيري ..وكلاهما ينتيهيان بالياء المدودة وبالتالي فإن الوقوف على بقية القوافي بالسكون غير جائز بحال من الأحوال إلا إذا كان مدرس العروض جاهلا بالعروض!! بل جاهلا كذلك بأبسط مقتضيات قراءة الشعر) …دعنا من ذلك لأن هذا الخطأ قد يكون المسئول عنه هو مؤدي الدور أو المخرج وليس المؤلف عبدالرحيم كمال، ولننتقل إلى الآن إلى بيت القصيد وهو أن الخواجة عبدالقادر يأتيه في الرؤيا شيخه الصوفي الذي تسمى باسمه ويملي عليه أبياتا موزونة مقفاة مطلعها: إني أحبك زينبٌ / حب الحبيب لروحه، فيطير بها الخواجة فرحا ويهرول إلى مدرس العروض، لكي ينشده الأبيات التي ألهمه إياها شيخه …ويندهش المدرس لأن الأبيات موزونة فعلا تبعا لتفعيلات الخليل …وهذه الكرامة أوالمعجزة (فضلا عن أنها واسعة شوية ) هذه الكرامة تنطوي على عناصر متضاربة وغير متسقة منطقيا، فالخواجة يتلو الشعر بالعربية المعوجة المكسرة وهو ما من شأنه أن ينقل مواضع النبر على الحروف، وما يحعل الشعر بالتالي غير موزون حتى لو تطابق مع تفعيلات الخليل ( مستفعلن/ متفاعلن ) لأن موسيقى الشعر لا تنبع من التفعيلة وحدها (كما تصور الخليل) بل تنبع أيضا من مواضع النبر على الحروف (كما يقول العروضيون المعاصرون )…والسؤال الآن : ما دمنا في معرض المعجزات والكرامات الواسعة، فلماذا لم تكمل الكرامة اتساعها وتبلغ ذروتها بأن يتلو الخواجة أشعاره بلسان عربي فصيح ومبين بدلا من اللسان الأعجمي المكسر، وبذلك يصبح الشعر موزونا فعلا سواء من حيث تفعيلاته الخليلية أو من حيث مواضع النبرعلى حروف كلماته … سؤال نوجهه إلى الأستاذ عبدالرحيم كمال[email protected]