ترتبط طفولة الكثيرين منا بشجرة التوت، فثمارها متنوعة المذاقات وتمتاز بألوان مدهشة من الحمراء والصفراء حتى الموشحّة وغيرها، وهي خضراء وارفة الظلال توفّر الأفياء في محيط البيت في أيار/مايو وحزيران/يونيو. ومثلما ساهمت الشجرة البيتوتية بتبديد ملل الأطفال وترفيههم فهي عنوان أرجوحتهم المحمولة على حبال ثبتتّ في أغصانها علاوة على تمكينهم من مزاولة شقاوتهم في صيد العصافير وهي تقبل عليها بحثا عن ثمار تسد جوعها.
لعبت التوتة دورا تاريخيا منذ البدايات فلم يجد سيدنا آدم وزوجته حواء ما يغطيان فيه عورتيهما بعدما تورطا بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عنها فوجدا نفسيهما عاريين فأخذا يغطيان عورتيهما بورق من أوراق أشجار الجنة حيث رسخ في ذهن البشر أن هذه الأوراق هي أوراق التوت ومن وقتها توظف الورقة في السياسة حيث يقال: «ورقة توت» وأحيانا يقال «ورقة تين» في محاولة لتغطية الممنوع أو الفاسد.
في فلسطين تلعب التوتة دورا سياسيا ليس فقط لأنها من ملامحها الخضراء وجزء من هويتها الوطنية تحرس الذاكرة والهوية أمام مشاريع تغيير هوية المكان وتهويده كالزيتون والصبار والتين، فهي رمز للعودة منذ أن خاطبها حادي الثورة أبو عرب وكأنها ابنته المدللّة الساكنة في وجدانه والمسكون فيها بعدما اختزل معاني البيت والحنين له والوطن والعودة له في قصيدة قوتها ومفعولها الكبير في بساطتها، قصيدة «يا توتة الدار» وفيها أنشد من أعماق أعماقه بصوته الشجي الملتهب: يا توتة الدار صبرك على الزمان ان جار… لا بد ما نعود مهما طول المشوار يا يابا……. يا توتة الدار حلفتك برب الكون…… لا بد ما نعود مهما طول المشوار يا يابا..». لكن ورغم هذه الرمزية وهذا الدلال دخلت أنواع جديدة مستوردة من التوت تنافس التوتة الفلسطينية البلدية أبرزها شجرة التوت الباكستانية التي تنمو بسرعة كبيرة جدا وتثمر بعد عامين من زرعها غرسة صغيرة وتتميز بحلاوة ثمارها وطولها، فالثمرة الواحدة تتجاوز بطولها إصبع اليد ولونها أحمر داكن يميل إلى السواد.
خواصها الطبية
ويوضح المهندس الزراعي الفلسطيني نبيل غنايم من مدينة باقة الغربية أن هناك مئات من أنواع التوت في العالم وفي فلسطين عدة أنواع تختلف أشكالها وألوانها وأطعمتها. منوها أن التوت يساعد على محاربة سرطان القولون، سرطان المريء، وسرطان الجلد ويحتوي على كمية كبيرة من الأملاح المعدنية مثل الفوسفور، الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، الحديد، النحاس، المنغنيز، الكبريت، وبذلك فهو مصدر ممتاز للأملاح المعدنية. كما يشير أن ثمرة التوت تحتوي على فيتامينات مثل أ، ب، ج بالإضافة إلى البروتين والمواد الدهنية والسكرية وحمض الليمون وتبلغ القيمة الحرارية لكل 100غم من التوت حوالي 7.5سعرة حرارية. كما يعتبر تناول التوت مفيداً جداً في حالات فقر الدم، ويستخدم عصير التوت في المجال الطبي لإضافته مع الأدوية بغرض التلوين وتحسين الطعم. والتوت فاكهة طيبة الطعم وشرابها من أكثر العصائر تداولاً في بعض الدول العربية. في فلسطين لا تخلو البيوت وحدائقها في الأرياف من شجرة التوت بل هناك قرية في محيط مدينة جنين اسمها «أم التوت» لوفرة هذه الأشجار في ربوعها.
زينة أشجار الحاكورة
ويوضح غنايم أن شجرة التوت البلدي طالما كانت جزءا مهما من مرافق البيت الفلسطيني لكنها كانت تزرع في حاكورة البيت بعيدا عن جدرانه، وذلك لتجنب خطر جذورها الممتدة عميقا وعرضيا. ويشير غنايم لاستخدامات اجتماعية لشجرة التوت وفي غير مواسمها، إذ يستظل في فيّها الوارف أفراد العائلة بكافة فئاتهم أيام الصيف والحّر الشديد وتشكل متسعا للعمل المنزلي لربات البيوت كأعمال عصر البندورة ورب الخروب، أو عصر اليقطين، وتتجمع الصبايا للتطريز واللقاء وكذلك العجائز والجارات والزائرات حول فنجان القهوة في الصباح أو في ساعات العصر، حيث يقول المثل المحلي «فوّت نصر ولا تفوّت قهوة العصر». وفي الأرياف الفلسطينية اعتاد فلاحون في مواسم الصيف الحارة لمدّ الفراش والبسط والحصر والمساند تحت توتة الدار للسهر والخلود للنوم هناك مستفيدين من نسائم الغرب. وطبقا لمركز العمل التنموي «معا»(في القدس) هناك أشجار توت برية طالما استظل في أفيائها الرعاة في الصيف والحر القائظ هم ومواشيهم، وهي شجرة تحتمل الظروف الجوية غير الملائمة بدرجة كبيرة، حيث تقاوم ارتفاع درجات الحرارة فيما تصلح أخشابها لصناعة الأثاث وأعمال الزخرفة والحفر. منوها أن أوراق شجرة التوت كانت تستخدم لتغذية دودة القز أيام كانت فلسطين وبلاد الشام تصنع الحرير من خيوط شرنقة دودة القز. ويقول «معا» في هذا المضمار إن شجرة التوت ورد ذكرها في كثير من القصص الشعبية والحكايات وكذلك الأغاني الرجالية والنسائية.
في الطب العربي الإسلامي
منبّها إلى أن قدماء الأطباء تحدثوا عن فوائد التوت الطبية، فقال عنه الرازي: «أما الحلو فيسخن قليلا، وينفخ ويلطخ المعدة، ويصدع المحرورين، أما الشامي الحامض والمز فإنه يقمع الصفراء ويطفئ حدّة الدم». أما داود الأنطاكي فقال إن التوت يسمى الفرصاد، وهو من الأشجار اللبنية، والتوت إما أبيض ويعرف بالنبطي، وعندنا الحلبي، أو أسود عند استوائه أحمر قبل ذلك، ويعرف بالشامي، والكل يدرك أوائل الصيف، والنبطي يولد دما جديدا، ويسمن، ويفتح السدد ويصلح الكبد، ويربي شحم الكلى، ويزيل فساد الطحال … والشامى يطفئ اللهب والعطش. والتوت كله ينفع أورام الحلق واللثة، والجدري، والسعال، والحصبة، وخصوصا شرابه».
التوت في الأمثال والأهازيج الشعبية
وترد شجرة التوت أيضا بالأمثال والأهازيج الشعبية وفي الأغاني الفلسطينية والعربية كالقول «سقطت ورقة التوت» و «اللي بدو مرتو تعيش يوقد لها حطب عريش واللي بدو مرتو تموت يوقدلها حطب توت» و«اللي ما برضى بالتوت برضى ب شرابه» و«بأيار توت ومشمش وخيار» ألخ. وهناك أهازيج شعبية تستخدم في الأعراس ترد فيها شجرة التوت: وقفب على حيلك وخلي اللي بطق يموت… يا شجرة المستكة وحاملة هالتوت…وانت من بنت طيب الأصل وأصلك مثبوت وجدودك بالمقبرة تستاهل التابوت أو الزغروت» و«بفيّ الزتونة وارقصو لتامر بفيّ الزتونة…بدو المزيونة والله تكرم عينه بدو المزيونة…بفيّ التوتة ارقصو للعريس بفيّ الزتونة…رقصة وزغرودة بستاهل هالغالي رقصة وزغرودة» و «الزين على التوتة يا بنات والزين على التوتة يا لا لا…سحجة وزغروتة للعريس يا لا لا». وتناولت بعض الأغاني العربية الحديثة التوت أيضا كما في أغنية ملحم بركات: «لا تهزي كبوش التوتة..أنا يا بنت مجوز..».