خواطري حول الخطاب التاريخي للرئيس مبارك!
سليم عزوزخواطري حول الخطاب التاريخي للرئيس مبارك!من الأمثال المصرية الشائعة، أن من لا تحتاج وجهه اليوم، قد تحتاج (قفاه) غدا، وهو مثل تذكرته عندما كنت استمع لنشرة الأخبار علي قناة (الجزيرة)، يوم الأحد الماضي، وهو يوم (تاريخي) من أيام الله، وستعرفون بعد قليل لماذا هو يوم (تاريخي). المذيع قال ان الرئيس المصري حسني مبارك سيلقي بعد قليل بيانا في افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة للبرلمان، فتذكرت علي الفور أهمية التلفزيون المصري، فلا يوجد تلفزيون علي ظهر البسيطة يمكن ان ينقل لنا الخطاب التاريخي للرئيس غيره. بل وذكرني ما قاله بهذا التلفزيون، وكنت منذ فترة ليست بالقصيرة قد نسيته من باب الحفاظ علي صحتي العامة، حتي نسيت انه موجود، وهذا من كرم الله ولطفه!خبر (الجزيرة) ذكرني بالخطاب (التاريخي) ذاته، وأنا كثير النسيان هذه الأيام، لدرجة انني نسيت في مقال الأسبوع الماضي ان من قرأ نشرة الأخبار التي أذاعت خبر استشهاد مراسل القناة في العراق طارق أيوب، هو التونسي محمد كريشان، ونسبت ذلك الي الفلسطيني جمال ريان، وهي النشرة التي بثها احمد منصور في لقائه مع حشد المؤسسين للقناة القطرية، وهو الأمر الذي كان سببا في هجوم علي شخصي الضعيف من بعض الأشاوس، الذين يمسكون لي علي الواحدة، ويقفون لي علي (الساقطة واللاقطة)، لدرجة أنني أيقنت ان سبب تعاستهم في الحياة أنهم يقرأون لي، لا بأس فأنا (قاعد) علي قلوبكم، ما دام هناك قلب ينبض، ونفس يخرج، كما الرئيس مبارك!احد القراء أرسل لي رسالة غاضبة، ارجع فيها ما جري إلي أنني فعلت ما فعلت مع سبق الإصرار والترصد، وأنني سحبت الامتياز من محمد كريشان لأنه تونسي، وأنا كمصري اكره التونسيين، لأسباب كروية. ولا اعرف لماذا اكره التوانسة او يكرهونني لهذا السبب، فأنا علاقتي بكرة القدم مقطوعة منذ أيام الضيظوي، والخطيب، وشطة، وعلي أبو جريشة، ولم اعد مطلعا علي الأحوال الكروية، فضلا عن انني من عشاق تونس، والتوانسة، ولم يقل إعجابي بها وبهم حتي بعد ان سمحت للقطاع الخاص بتملك القنوات الفضائية، وكانت أول دولة في المنطقة تسمح له بتملك القنوات الأرضية أيضا، ليكون نتاج هذا قناة (جنبعل) التي تعد مشاهدتها دون غيرها كفيلة بأن نؤكد علي ريادة التلفزيون المصري!حسنا، كلمة (التلفزيون المصري) التي اختتمت بها الفقرة السابقة ذكرتني بفكرة هذا المقال، وحالت دون استطرادي خارج الموضوع، وهي عادة سيئة، من يجد من عموم القراء أنها مملة ـ وهي بالفعل كذلك – عليه ان يوفر جهده وينتقل الي كتابات الزملاء الآخرين، وان يوفر تعليقاته الغاضبة، لأنها لن تفيده شيئا، فانا باق هنا، علي قلوبكم، ما دام في الحياة نفس، كما ان الرئيس مبارك باق، مادام هناك قلب ينبض. وكلنا كما يقول المثل المصري: أولاد تسعة. الأب ادم والأم حواء، وهذا هو الشطر الثاني من بيت شعر نسيت شطره الأول!وعلي ذكر النسيان، فقد ذكرني خبر نشرة (الجزيرة) بخطاب الرئيس، وبالتلفزيون المصري، وجعلني أقف علي أهمية هذا التلفزيون، الذي استغنيت عن وجهه ولم اعرف انني سأحتاج الي (قفاه). وقد هرولت إليه.التلفزيون المصري كان في الوضع: استعد، فالسيد عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع (الأخبار) كان ناصبا فرح العمدة، بشكل يوحي ان هذا الخطاب هو خطبة الوداع، او يمثل البيان الأول للثورة (الشر بره وبعيد). عبد اللطيف كان في حالة تأنق ووهج، لدرجة توحي للمشاهد انه بات قاب قوسين او ادني من كرسي وزير الإعلام، وانه لم يبق علي الحب سوي (زقه).. يا مُسهل!لقد كان يقدم برنامجا يحمل عنوان: (ملف خاص) يحتل نصف الشاشة، والنصف الآخر كان نقلا من البرلمان، حيث يجلس النواب في انتظار الخطاب التاريخي، وقد استضاف في النصف الذي يشغله، والذي كان أحيانا يستولي علي الشاشة كلها ثم يعود أدراجه من جديد، حسام بدراوي القيادي بلجنة السياسات، ومني ذو الفقار القيادية بالمجلس القومي للمرأة، وذهب القوم بمن فيهم مقدم البرنامج (يضربون الودع) حول ما سيقوله الرئيس في هذا الخطاب (التاريخي).. لماذا هو تاريخي؟.. الله اعلم، لكن المعني قد يكون في بطن الشاعر كما يقولون، وأكيد ان في الأمور أمورا، فالثلاثة المفروض أنهم عالمون ببواطن الأمور، عبد اللطيف لأنه في المطبخ بحكم وظيفته، وحسام من رجال مبارك الابن، ومني لأنها في لجنة ترأسها السيدة سوزان مبارك!كل من حسام، ومني كانا يتنبأن بما يمكن ان يقوله الرئيس في (خطابه التاريخي) ـ الثلاثة أكدوا علي انه تاريخي ـ وكانوا يتمنون فأتعامل مع أمانيهم، بحكم مواقعهم، علي انها قرارات سيعلنها الرئيس في الخطاب التاريخي الذي سيلقيه بعد قليل، ثم بدأ أسلوب (رمي الكلام) علي الإخوان، الذين يريدون ان يقيموا دولة دينية، وتحدثت (مني) بعدم استعداد، عن ان مصر دولة مدنية، وإنها ضد الدولة الدينية، وساهم حسام بالحوار بدون استعداد أيضا، لكن الثلاثة رأوا في مثل هذا الحديث انه يمثل حلا مريحا، للخروج من نفق (التوقعات)، وبدا ما قالوه باهتا، لان الهدف منه مجرد شغل مساحة، الي ان يصل الرئيس للبرلمان، ليذكروني بذات مرة استضافتني احدي القنوات التلفزيونية، في برنامج علي الهواء، ولما انتهي المذيع من طرح كل أسئلته المكتوبة، وكان واضحا انه لا يزال هناك وقت فراغ انتقل من جواري لتركز الكاميرا علي، وجلس مع طاقم العمل خلف الكاميرا يتسامرون، وأشار إلي ان استمر، وزميلة له قالت لا شأن لك بنا: أكمل. وكانت (حوسة) فلا ادري ماذا قلت لأشغل الفراغ، ولكن من الواضح ان كلامي كان (لتا وفتا)، وإعادة وتكرارا!احتشاد سابق في العام الماضي احتشد إعلام البلاد، الرسمي، وشبه الرسمي، وغير الرسمي، ليحيط عموم المصريين علما بان الرئيس سجل ثلاث حلقات مع عماد أديب، سيبثهم التلفزيون المصري، وانه سيفجر خلالهم مفاجأة، وانطلق كل (يخمن) ويتوقع، ولم انخدع بذلك علي الرغم من حجم الدعاية وكثافتها، وكتبت أقول انه لا مفاجأة هناك ولا يحزنون، فربع قرن من العشرة، صار الرئيس أمامنا كتابا مفتوحا، وكذلك نحن، ومع هذا ـ يا قراء ـ فقد رابطت أمام التلفزيون فترة إذاعة الحوار، فمن يدري فربما تخب توقعاتي، والتي لم تخب للأسف!وعلي الرغم من ذلك فقد قلت في عقل بالي، وما الذي يمنع ان يكون هذا الخطاب تاريخيا، بشكل يبرر (الزفة) التي نصبها عبد اللطيف المناوي، فالجائع ـ يا قوم ـ يحلم بسوق الخبز. ووصل الرئيس للبرلمان، فقلت: هانت، وبعد قليل دخل فتحي سرور رئيس المجلس، بصحبة صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري وما تيسر من مناصب، وجلسا علي المنصة، وبدأ سرور في إجراءات فتح الجلسة، ليختفي عبد اللطيف ومني وحسام. وما هي الا لحظات يا سادة ودخل الرئيس وسط تصفيق من النواب، خشيت ان يتسبب في تصدع البرلمان. فقد خيل لي هذه المرة انه تصفيق اقوي من أي مرة سابقة، وكان شبيها باستقبال النواب للرئيس السادات عقب انتصار الجيش المصري، وتحطيمه لأسطورة الجيش الذي لا يقهر، في عام 1973.ظهر الرئيس بصحة جيدة، ولم يكن هذا مفاجأة لي، فالذين سافروا معه للصين مؤخرا قالوا هذه المعلومة، اشعر انه يغيظنا بذلك، اقصد يغيظ خصومه، عن نفسي لم يعد الأمر يعنيني، ربما يأسا، فكلما تمنيت ان يذهب مسؤول بقي، وكلما دعوت علي مسؤول بالموت عاش، والحل ان اترك الأمور تجري في أعنتها، كما قال الشاعر والذي أكمل: .. ولا تبتن إلا خالي البالي. وأردف: فما بين غمضة عين وانتباهتها.. يغير الله من حال الي حال. قادر علي كل شئ، وقادر علي ان يجعلني استيقظ من نومي لأسمع خبر وفاة صفوت الشريف، وإقالة وزير الداخلية، لا أتمني أكثر من هذا فانا أحلامي متواضعة، ومع هذا فهي مستحيلة!انتهي سرور من كلمته وقدم الرئيس، والذي بدأ كلمته وسط تصفيق هائل، أسبابه معروفة، فأكثرية نواب الحزب الحاكم حديثي عهد بالمجلس، وبالحزب، ومعظمهم نجحوا في الانتخابات مستقلين، بعد ان قرر الناخبون اسقاط مرشحي هذا الحزب، فاذا بالناجحين يقولون لناخبيهم: بصرة، ويلتحقون بالحزب الحاكم. وهم رأوا في التصفيق الحاد والهتاف الصاخب إثباتا للولاء والطاعة. ليس هناك ما كان يوحي بأن هناك جديدا تحت الشمس، أو حتي فوقها، فالحديث عن التعديلات الدستورية لم يكن جديدا، وكذلك الكلام عن الزيادة السكانية التي تلتهم النمو السريع الحاصل في الاقتصاد المصري!الرئيس مستمر وفجأة يا حضرات قال الرئيس انه باق ما دام في الحياة نفس يخرج وقلب ينبض، واستمتعنا بوصلة تصفيق وبتأييد جارف، يا لله كل هؤلاء يرفضون ما أشيع من ان الرئيس سيستقيل ويسلم السلطة لنجله، كل هؤلاء ضد التوريث، تمنيت ان تظهر الكاميرا جمال مبارك لكي اري وقع القول عليه، وكذلك ووقع رد فعل نواب حزبه، لكن هذا لم يحدث. الرئيس قال انه لن يرضخ للضغوط، ولا اظن ان صخب بعض الحركات الصغيرة مثل (كفاية)، و(جبهة إنقاذ مصر)، و(شباب من اجل التغيير)، يمكن ان يرتقي بهذا الصخب المحدود الي مرتبة الضغوط، التي يعنيها الرئيس، او تستحق ان يعينها، فالمسألة داخلية، ولن أتوسع في هذا الجانب لعلمي انه معروف!منذ فترة كتبت في صحيفة أخري استبعد عملية التوريث ، التي صدع بها البعض رؤوسنا، بحسن نية أحيانا، وسألني اثنين من الأصدقاء، عن سبب استبعادي لذلك، ولن افعل مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل، وأقول ان هذا حدث امام الرئيس عرفات (الله يرحمه)، وعلي صبري (الله يرحمه)، وبريجنيف (الله يرحمه أيضا)، فمن سألني هو الدكتور محمد شرف والدكتور يحيي القزاز من حركة كفاية، وقلت ان السياسة القائمة لا تقيم عمرانا يسهل علي الوريث ان يهنأ بما ورث، فالنظام الحالي في حالة صدام مع كل قوي المجتمع، حتي القضاة، فضلا عن الزيادة (الغاشمة) في الأسعار، وسياسة البيع غير الرشيد للقطاع العام، ولا يعقل ان مبارك بذلك يستعد لتوريث نجله كل هذه المشكلات. وقال لي الدكتور شرف انا أؤكد لك ان التوريث سيحدث وقلت علي راهن، وسار كل في طريق!علي ذكر هيكل ففي بداية هذا العام قال سيادته في قناة (الجزيرة) ان التوريث سيقع في سبتمبر، قالها بثقة المطلع والواثق والمتأكد، وهذه هي عادته، ونصب له حواريوه حلقة ذكر، تحليلا، وتنظيرا، وتفحيصا، وقلت ردا عليه في قناة (المستقلة) انني استبعد هذا، ولست علي استعداد لان اجري وراء معلومات (الأستاذ) وتأكيداته. نحن الان في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، وهرب الأستاذ إلي التاريخ في برنامجه علي ( الجزيرة) الذي أصبح مملا لهذا السبب!.ويا عزيزي تلفزيون الريادة الإعلامية نلتقي في خطاب تاريخي آخر!كاتب وصحافي من مصر[email protected]