خواطر جزائرية

حجم الخط
0

وأنا أطالع جرائد اليوم، اسوقفني خبران، أحدهما يتعلق بتحقق العدالة في قضية عمرها أكثر من 18 سنة، والثاني إعلان الموافقة على فتح مكتب إتصال مع حركة طالبان في العاصمة القطرية الدوحة.

تعود أحداث الخبر الأول إلى قضية قتل عنصري تعرض له شاب أسود على يد عصابة من الشبان البيض سنة 1993 عند موقف الباصات في منطقة من الناحية الجنوبية الشرقية للندن. ورغم العراقيل والمثبطات التي واجهتها عائلة وأصدقاء المطعون لورانس في سبيل جلب قتلته للقصاص، حيث لزم الأمر الاستعانة بملاحقة قضائية خاصة بعد فشل الشرطة في إحقاق الحق وانصاف الضحية، فقد تحققت العدالة أخيرا بعد معارك قضائية وإعلامية دامت قرابة 19 سنة، بإثبات الجريمة على شابين ممن شاركا في عملية القتل. لقد أخذت العدالة مجراها في بريطانيا ونال الضحية حقه من قتلته رغم طول المدة وتعاقب الأزمان والأحوال، فهل يحق عندنا لضحايا عشرية الدم والدموع التي أدخلت فيها الجزائر بعد ايقاف تشريعيات 1992 أن تتحقق عدالتهم، بعد أن أوقف ميثاق السلم والمصالحة آلة الموت الأعمى التي أتت على الأخضر واليابس، وكادت تعصف بأركان دولة ضحى من أجلها أحرار وحرائرالجزائر الثائرة. هذا الحق الإنساني يمكن أن يتجسد في ظل مكاشفة ومصارحة بعيدة عن روح التشفي أو الإنتقام، تفضي إلى استعادة الثقة في نظام قضائي مستقل، وبالتالي الإنطلاق من جديد في عملية بناء دولة العدل والقانون والمؤسسات الدستورية.

الخبر الثاني مفاده أن حركة طالبان التي بسبها أعلن الحلف الأطلسي بقيادة بوش الإبن حربه على الإرهاب، حيث قادت أمريكا حربها الاستباقية سنة 2001 على أفغانستان، خلفت آلاف الضحايا من الطرفين، وبلغت تكلفة هذه الحرب على أفغانستان والعراق 4.4 ترليون دولار. ولأن القوة العظمى أمريكا قد تورطت وورطت حلفاءها معها في حرب خاسرة، ها هي الآن تبحث عن أي مخرج يحفظ ماء وجهها، فهي قد دعت حكومة كرزاي لمحاورة حركة طالبان التي كانت توصف بالإرهاب وفق التصنيف الأمريكي. وبالفعل فقد وافقت طالبان اليوم على مبدأ الحوارمع أعداء الأمس بالموافقة على افتتاح مكتب اتصال لها في دولة قطر.

وإذا كنا نرحب بمثل هكذا خطوة في أفغانستان أو في أي مكان يشهد حروبا أو توترات، فإنه من باب أولى أن ندعو وبإلحاح كل أطراف الأزمة الجزائرية التي نشأت جراء توقيف مسار انتخابات 1992 إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، من أجل الوقوف أرضية صلبة والبحث عن أفضل السبل لأستعادة اللحمة الوطنية ومباشرة العملية الديمقراطية النزيهة التي تكفل لكل الجزائريين حقوققهم المدنية والسياسية، في ظل تنافس حر يحتكم فيه الجميع لأرادة الجماهير من خلال الصندوق الإنتخابي.

هذه بعض الخواطر التي قد يراها البعض أضغاث أحلام، أما أنا، فلأني أؤمن بأنه إذا صدقت النوايا، فإنه بإستطاعة العقلاء عندنا استخلاص دروس الماضي والحاضر، وبالتالي استشراف المستقبل الذي يجب أن يصنعه أحرار الجزائر بأيديهم قبل أن يفرض عليهم من خلال لاعبين من خارج الحدود. عبد الحميد فطوش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية