خواطر حول مفهوم الأمن القومي المصري

حجم الخط
0

خواطر حول مفهوم الأمن القومي المصري

د. محرز الحسينيخواطر حول مفهوم الأمن القومي المصريان سلسلة التفجيرات التي بدأت من منتجع دهب السياحي الي جانب أمور وتطورات اخري كثيرة تجعل أي مهتم بالشأن المصري يتساءل: الي اين تتجه مصر؟ وما هو التصور الحالي لمفهوم الأمن القومي المصري؟ وما هي الدوائر الأمنية التي لا زالت مصر تحتفظ فيها بقدر معقول من النفوذ والهيبة؟ وما هي طبيعة التقاليد التي تحكم العلاقة بين الوضع في الجبهة الداخلية واساليب التعامل الخارجي؟ وهل هناك فكر متجدد وتنظير حقيقي وتحليل كامل لمفهوم الأمن القومي الذي علي ضوئه تتشكل استراتيجية مصر القومية القادرة علي التعامل والاستجابة لمعطيات الواقع الحالي بكل متغيراته؟وإلي متي ستظل العزلة الفكرية القائمة علي نوع من الثقة المبالغ فيها في الذات والتي من شأنها ان تحول دون تفهم حقيقة المخاطر التي تستتر وراء تطورات داخلية واقليمية وعالمية كثيرة ومتلاحقة؟ وإلي متي ستظل مصر تتقبل موقعها كمجرد موضوع للتعامل ومفعول به دون ان تنطلق لتصبح طرفا فاعلا يمتلك زمام المبادرة وتستطيع فرض الارادة بأي معني من المعاني؟ واخيرا هل هناك قوي خفية مستترة تحول دون انطلاق مصر وتطورها واحتلال موقعها المناسب علي خريطة العالم؟من الطبيعي انني لست في مقام تقييم السياسة الأمنية المصرية أو تقديم اجابات شاملة ومنطقية علي تلك التساؤلات بكونها مسؤولية تتعدي قدرات المراقب للمشهد المصري من الخارج ودون ان تتوافر له معطيات كثيرة، ولكن الهدف هنا هو مجرد تقديم مجموعة من التأملات ذات العلاقة بهذا الشأن. ومن البديهي انه عندما يقترب المراقب من احدي قضايا الأمن القومي فانه لا يتحرك او يفكر من فراغ بل يسترشد بالعديد من الاسس والقوانين العامة التي تحكم مسألة التحليل والتقدير والإستشراف نذكر منها ما يتفق وطبيعة هذا الحديث:أولا: ان السياسة القومية والأمنية لأي دولة من الدول لا تصنعها ارادة فردية او حتي هي نتاج نخبة محدودة من المتخصصين وانما تتشكل علي ضوء تقاليد ثابتة صاغتها التجربة التاريخية وتحافظ عليها قوي وطنية ومؤسسات قد لا تبدو واضحة للعيان ولكنها ذات فاعلية ثابتة تظهر بخبراتها في اللحظات الحرجة لتصحح المسار وإعادة التوازن والاستقرار. وهذه هي القوي التي حافظت علي مصر كوحدة سياسية متكاملة النسيج عبر آلاف السنين.ثانيا: ان مسألة تقييم النجاح والفشل في العمل السياسي لا تقدر من خلال واقعة أو حدث معين بل انها أكثر عمقا من ذلك. ان النجاح والفشل هما نتاج تطور متعدد المراحل ومتتابع الخطي حيث ان الحدث ليس الا بلورة مؤقتة لمجموعة من المتغيرات السابقة ويمهد الطريق لأحداث ومتغيرات لاحقة. ثالثا: ان كل من يتصور او يتوهم ان سياسة داخلية مرتبكة غير واضحة المعالم يمكن ان تقود الي سياسة خارجية فاعلة يرتكب مغالطة حقيقية.ان أي دارس لتاريخ مصر القديم والوسيط والحديث لا يتردد في القول بأن مصر بحكم عبقرية موضعها الجغرافي ومواردها البشرية والطبيعية وعقول ابنائها النابغين من المفترض ان تكون امبراطورية او دولة عظمي متميزة في الاقليم، وذلك ليس بطبيعة الحال عن طريق التوسع العسكري الافقي واحتلال أرض الغير وسلب موارده، ولكن من خلال توظيف عناصر قوتها الوطنية الذاتية الكامنة وتفعيل نفوذها في مختلف النطاقات الحيوية والأمنية القريبة والبعيدة. غير ان الناظر الي الحال المصري يواجه بمجموعة من الاستفهامات التي لا يستطيع ان يجد لها تفسيرا مقنعا أو التعرف علي تلك القوي الخفية التي تدمر وتستنزف قواها. لقد اصبح الإرتباك والتردد يمثلان احد الملامح الرئيسية للعديد من مظاهر تطور الأمة. يصاحب ذلك عجز واضح في قدرات ممارسة الوظيفة القيادية لمصر وهي مسؤولية تتطلب توافر ثلاثة عناصر اساسية: قناعة وقدرة وفاعلية. ومصر بأوضاعها الحالية لم تعد تملك لا الفاعلية ولا القدرة علي تحمل تلك المسؤولية بعد ان تحولت الي دولة فقيرة تستجدي المعونة رغم الثراء الفاحش لبعض ابنائها. فضلا عن كونها قد قيدت نفسها بمعاهدات ومواقف اختزلت قدرتها علي تأمين حدودها الشرقية والجنوبية بل والداخلية ايضا. ويزيد من عمق المأساة ان الشعب المصري في هذه اللحظة لم يعد يملك تلك القناعة أو الرغبة في ممارسة وظيفته القيادية. وكنتيجة طبيعية لهذا العجز اصبحت هناك مجموعة من الأخطار التي تهدد الوطن بعمليات الإستئصال الداخلي والخارجي. منذ عدة سنوات عندما كان الباحث يطرح رؤيته حول احتمالات الإستئصال وتفجير العالم العربي وتحويله الي العديد من الكيانات الصغيرة الهشة ذات الطابع الطائفي أو الديني كان يواجه بتهمة الإنفصال عن الواقع والإنعزال بفكره في عالم المؤامرات. واليوم اصبحت عملية الإستئصال تطبق في جميع اجزاء الوطن العربي بل وتقترب بسرعة نحو مصر بشكل مريب. لقد علمتنا الخبرة التاريخية أن مراحل الإستئصال لا تتم دفعة واحدة وانما تستكمل من خلال سلسلة متواصلة من الإجراءات التي تبدو في مظهرها متباعدة ومتفرقة ولكنها في واقع الأمر مترابطة ومتصلة بحيث تمهد كل منها للمرحلة التالية. ومن أهم الدروس التي تركها الأجداد الفراعنة العظام ان أول عناصر القوة في السياسة المصرية هو وضوح مفهوم الأمن القومي وتحديد واضح لدوائره الإقليمية الممتدة من أفريقيا جنوبا الي اسيا شرقا والبحر المتوسط شمالا وهو الأمر الذي كون احد عناصر المنطق والادراك القيادي في ذلك الوقت البعيد. وهذه حقيقة ادركها زعماء مصر في العصر الحديث مثل محمد علي باشا واسماعيل باشا والزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وان اختلفت مسميات وحدود تلك الدوائر الأمنية واساليب الحركة داخلها بين زعيم وآخر. اما في عالم اليوم فقد تم اختزال واستئصال معظم النطاقات الجغرافية الأمنية لمصر وهذه حقيقة تكشف عن نفسها من خلال ما حدث ويحدث في السودان ودول منابع نهر النيل وفي سورية ولبنان وفلسطين والعراق وكلها احداث مترابطة تلتصق مباشرة بدوائر الأمن المصرية الحيوية. وما يتصل بهذا الأمر اتصالا مباشرا هو ما يلوح في الأفق الاقليمي من تغييرات اكثر غموضا ولكنها لا تقل خطورة بالنسبة للامن القومي المصري والعربي. في اعتقادي أن السياسة يمكن ان تعرف كأحد أساليب التعامل مع الواقع ومن ثم تصبح الواقعية في الفكر هي عنصر هام في فن العمل السياسي والحسابات الأمنية. هذه الواقعية تفرض علي مصر أن لا تعيش حالة الغيبوبة التي تعيشها معظم دول الأمة العربية التي لا تكترث بكل ما يحيط بها من كوارث وتكتفي بوضع رؤوسها في الرمال والإكتفاء بمجرد الإنتظار حتي يحين موعد قدرها الواحدة تلو الأخري دون أي وعي بظروف الحاضر ومتغيرات المستقبل.ان العالم يمر اليوم بمرحلة مخاض كبري سوف تفرز قوي فتية جديدة علي الساحة الدولية تتضمن دولا عظمي مثل الصين وربما الهند وباكستان، وذلك اذا نجحت كل منهما في عبور ازمات التنظيم والإدارة وتوحيد الإرادة الجماعية وازالة الفواصل اللغوية والعرقية. كما ينتظر ايضا ظهور قوي اخري وسيطة مثل ايران وربما تركيا لو خرجت كل منهما من أحداث اليوم متماسكة ومتكاملة الأطراف، وجميع هذه القوي تتشكل وتنمو علي حدود المنطقة العربية أو مرتبطة بها من حيث المصالح والأهداف. وبغض النظر عن قدرة وحدود تلك القوي في اعادة تشكيل خريطة التوازنات الجيوبوليتيكية في العالم في المستقبل القريب الا انه بلا شك سيكون لها تأثير واضح في علاقات التوازن حول المنطقة العربية. ولا بد أن حالات الضعف والتمزق والتراجع السائدة في المنطقة العربية ستمثل عنصر جذب لتلك القوي لتناور في قلبها وتستقطب أطرافها بأي صورة من الصور. الأمر الذي يفرض علي الإرادة المصرية حركة واعية وان تأخذ بزمام المبادرة حتي لا تربط مستقبلها بمستقبل أمة (مغيبة) تعاني من قصر النظر والأنانية سواء علي مستوي القيادة والشعوب وضعف الارادة واصرارها علي عدم البدء في وضع صياغة متجددة ومتطورة وواقعية لأي مفهوم من مفاهيم الأمن القومي العربي يسمح لتولي مصر مسؤولياتها التاريخية وكذلك دور ومسؤوليات الدول العربية تجاه مصر، بشكل يحقق لهذه الأمة ولو الحد الأدني والمتواضع من قدرات الاستمرار كدول ذات سيادة. اما بالنسبة لمسألة الإستئصال الداخلي لمصر فقد بدأت ملامح خيوطها تتشكل منذ وقت غير قصير وذلك بحدوث سلسلة متواصلة ومترابطة من الأزمات .. أزمة قيم وفكر .. أزمة في العقائد … ازمة في صحة الشعب ..أزمة في الغذاء .. أزمة بطالة .. ازمة في التخطيط والإدارة .. أزمة في البناء الطبقي .. أزمة في حاضر ومستقبل الشباب .. أزمة في مشاعر الإنتماء .. أزمة في بناء ومقومات الشخصية المصرية … أزمة في البيئة … الي غير ذلك من الأزمات التي تشكل كلها عناصر هامة في مصفوفة حسابات الأمن القومي. وعلي الرغم من ان تلك الأزمات في مجملها هي نتيجة تراكم سلسلة من الأخطاء ذات علاقات متبادلة التاثير والتأثر الا ان ما صاحبها من سياسات ثقافية واعلامية كان لها تأثير خاص في تعميق تلك الأزمات وانعكاساتها علي الانسان المصري نظرا لكونها أهم أدوات التعامل المباشر مع العقل والوجدان وتصورات المواطن. لقد عاش المجتمع المصري تحت تأثير ما يمكن ان نطلق عليه ثقافة الضياع والفساد التي ارست عوامل التفكك والخلل الاجتماعي والفكري في المجتمع واسهمت في اختزال العقل المصري وتسطيح معايير حكمه وقياسه وادراكاته وافرزت نوعيات جديدة من البشر غير متوازنة في الفكر والسلوك واوجدت ازمة في الهوية المصرية وقوضت مشاعر الانتماء للوطن عند الكثيرين، تلك المشاعر التي كانت راسخة في وجدان الإنسان المصري قبل وبعد الثورة الناصرية في 23 تموز (يوليو)، واستبدلتها بانساق ثقافية عبثية تلاشت فيها كل المعايير الأخلاقية والسلوكية والوطنية. ومن اخطر نتائج هذا العبث الثقافي هو حدوث خلل في الفكر الديني والعقائدي. لقد توهم البعض في امكانية احتواء ومقاومة جاذبيية الفكرة الدينية وثقافة التطرف لعقول افراد مجتمع محبط ويائس من خلال نشر ثقافة (الإنفتاح الفكري العشوائي) واللجوء لمعالجة التطرف بفكر واساليب هي في جوهرها ومضمونها تعد اكثر تطرفا وتجنيد بعض الأقلاما المستترة تحت شعار مشوش لمفهوم الليبرالية لكي تطرح افكارا استفزازية تهاجم بها (بغباء أو بدهاء) ثوابت الدين واصوله مع تجاهل جوهر الخلاف وأسبابه ودوافعه الحقيقية وترك تلك الظاهرة الطارئة دون معالجة او مواجهة. وما زاد الأمور تعقيدا هو مصاحبة تلك المبادرة الفكرية الهابطة سياسة اعلامية وفنية اكثر هبوطا واستفزازا للمواطن المصري تضمنت افلاما جنسية واباحية وافكارا مشوشة عن مفهوم الحرية أسهمت في خلق انطباع عام، خاصة لمن يعيش في الخارج، يصور مصر وكأنها اصبحت تحت سيطرة تجار المخدرات وعصابات المافيا والراقصات وان السياسة الماكيافيلية والإنتهازية والإنحراف هي دستور وأدوات النجاح لكل من يطمع في الحصول عليه في مصر. وبالتالي عجزت الدولة عن معالجة ظاهرة التطرف الديني وهي لا زالت في المهد والتعامل معها بكونها ظاهرة اجتماعية لها ابعاد اقتصادية وسياسية وثقافية وسيكولوجية وتاريخية، وبدون أي وعي او ادراك لحقيقة تحول تلك الظاهرة الدينية الي احدي ادوات التعامل السياسي في لعبة الامم. وهذا حديث يطول شرحه. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا العبث الثقافي، الي جانب العديد من العوامل الأخري بطبيعة الحال التي تخرج عن حدود هذا الحديث، هي تشرذم المجتمع المصري فكريا وسلوكيا بل وعقائديا ايضا وذلك بعد ان اصبح الانسان المصري يواجه مجموعة من التناقضات الفكرية والسلوكية التي تتراوح امامه بين اقصي اليمين واقصي اليسار وغاب بينها مفهوم الوسطية الذي يمثل احد الاسس الهامة في الفكر الاسلامي. وفي ظل تلك الاوضاع المختلة والمتشابكة اندفعت شريحة من الناس نحو الإنعزال عن المجتمع وكونت لها عالمها الخاص بقيمه ومفاهيمه ومصالحه وعلاقاته وخدماته وقامت طواعية بتسليم عقولها ووجدانها لكل من يبشرهم ويعطيهم الأمل في حياة رغدة في عالم الآخرة، وهي لا شك تكون فكرة جاذبة لإنسان فقد الاحساس بالذات والوجود والمستقبل. وعلي النقيض استجابت شريحة بشرية اخري لثقافة الفساد والضياع السائدة فباعوا انفسهم ووطنهم للشيطان. وبين الفريقين تعيش شريحة ثالثة لا تبالي بهذا او ذاك بل تنشغل بهمومها وسعيها من وراء قوتها ومشاكل اسرها اليومية وكأنها تعيش في كوكب آخر. وبالتالي تحولت مصر الي منطقة كوارث .. فتنة طائفية تلوح في الأفق .. رشوة وفساد وإحساس باللامبالاة .. غلاء فاحش .. ديون داخلية وخارجية بالمليارات .. تنوع اساليب نهب المال العام وتهريبه للخارج .. هروب شريحة من الشباب من هذا الواقع الي عالم الكيف والمخدرات والجنس.. شباب ضائع بل مغترب في وطنه .. تناقض واضح بين مفهوم مصلحة الفرد والمصلحة الوطنية. ومن المؤكد انه لا يختلف احد علي ان مثل تلك الظواهر والأوضاع تؤدي بالضرورة الي جعل الأمة فريسة سهلة وأرضا خصبة ممهدة لعمليات الاستئصال والتمزق. وبالتالي يصح القول بان أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري قد أصبحت اليوم لا تقتصر فقط علي عوامل التهديد الخارجية بل ان الجبهة الداخلية قد تحولت لتمثل اخطر التحديات ان لم تكن أعظمها. ان أي طرف يريد الإضرار بمصر سوف يتسلل الي مواضع ضعف الأمة ويحاول استغلال مراكزها وتوظيفها لصالحه بأقصي فاعلية حيث يضخم التناقضات ويعمق عناصر الفرقة والخلافات ويستقطب أطرافها. ان الوضع الحالي يفرض ضرورة التعامل مع الجبهة الداخلية بكونها تمثل حالة مرضية والتخلص منها يتطلب سلسلة طويلة من اساليب المعالجة السياسية والتنموية الإقتصادية والاجتماعية والايديولوجية والثقافية وغيرها الكثير، الا ان البعد الانساني سيظل يتصدر موقع الأولوية في قائمة المعالجة. ان اهم متغيرات العصر ان رجل الشارع اصبح يمثل أهم العناصر المتحكمة ولو بطريقة غير مباشرة في أي حركة سياسية أو تنموية أو أمنية. ومن ثم اصبحت عملية بناء أي حضارة تتطلب أولا ادراك صانعها الانسان بذاته وهويته ثم بوظيفته وموقعه ومصالحه في هذا البناء ثانيا. بمعني ان الانسان لا يشارك في اي مشروع حضاري بحماس وانتماء الا اذا شعر بكونه جزءا متصلا منه دون انعزال أو انفصال. إن ما تحتاجه مصر اليوم هو ثورة ثقافية واعلامية تعيد بناء الإدراك القومي في المجتمع وتعالج عوامل الإنفصال والتباعد والخلاف وتحل موضعها مبدأ التماسك الذي يعني التكتل حول المفهوم الجماعي والصالح القومي الذي يفوق ويتعدي المصالح الفردية والعصبية الأنانية. ويحق الذكر في هذا الصدد موقف معاوية بن ابي سفيان خلال صراعه السياسي مع علي بن ابي طالب عندما حاول امبراطور الروم استغلال هذا الخلاف وارسل الي معاوية حاكم الشام يعرض عليه استعداده لإرسال جيش يساعده في مواجهة زوج ابنة الرسول الكريم فكانت اجابة معاوية .. اصمت والا ارسلت لك جيشا ينتهي عند بيزنطة ويقوده علي بن ابي طالب. ولا يمكن التعرض لمفهوم الأمن القومي المصري دون الإشارة بالتحديد الي احداث منتجع دهب السياحي وما اعقبها من انفجارات ارهابية واعتبارها تمثل دقات ناقوس الخطر نظرا لارتباطها بصحراء سيناء، الخنجر المصوب الي قلب مصر. ولا ريب ان الغموض الذي يحيط بتلك الاحداث وخطورة تداعياتها تفرض مجموعة من الاهداف التي يجب ان تسيطر علي اسلوب التعامل مع هذه الازمة:اولا: اتباع سياسة الحكمة والحذر وبعد النظر عند اجراء التحقيقات ومحاولة اكتشاف ابعاد هذا المخطط والعناصر المشاركة فيه من البدو وعدم التوسع في حملات الإعتقال والتنكيل أو فرض عقوبات جماعية أو الإعتداء علي حرمات المنازل والخروج عن التقاليد العربية والبدوية وذلك حتي تتم المحافظة علي الروابط بين مصر وبدو سيناء وحتي لا يتم عزلهم وجدانيا عن نسيج المجتمع المصري الذي ينتمون اليه ويشكلون جزءا حيويا منه خاصة ومعظمهم ينتمون الي قبائل بدوية كبري تضم 12 قبيلة وربما اكثر تنتشر في المناطق الساحلية شمالا وفي المناطق الواقعة في الشرق من القناة وخليج السويس وفي وسط وجنوب سيناء وتمتد بطونها وعشائرها لقبائل الشام وشبه الجزيرة العربية بل والي بدو منطقة بئر السبع في جنوب فلسطين. يضاف الي ذلك الدور المشرف الذي قام به ابناء بعض تلك القبائل خلال معارك سيناء خاصة اثناء حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر 1973. وكلها امور يجب ان توضع في الاعتبار لأي حسابات أمنية تتعلق بالمستقبل القريب والبعيد.ثانيا: البدء في المطالبة بعودة سيناء الي كامل السيادة المصرية واعادة انتشار القوات المسلحة علي اراضيها لممارسة مسؤولياتها وتأمين حدود مصر وشعبها واستقرارها دون التقيد بأي خطوط حمراء أو خضراء أو صفراء وعدم الاكتفاء بالاعتماد علي رموز بوليسية لا تكفي بل وغير مؤهلة لتأمين حدود مصر الشرقية. وتحقيق هذا الهدف الحيوي لا يعني بالضرورة طلب انسحاب قوات الفصل الدولية بين مصر واسرائيل أو عدم الالتزام بالمعاهدة المتفق عليها بعد حرب 1973 واتفاقية الفصل الثانية.ثالثا: ضرورة ملء الفراغ المكاني والأمني في الوطن وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية المصرية خاصة في هذا النطاق الجغرافي الحيوي لمصر.وربما ان الولايات المتحدة لن تعترض علي طلب مصر اذا ما نجحت الدبلوماسية المصرية في توضيح خطورة ترك هذا الفراغ الأمني في شبة جزيرة سيناء دون تواجد القوات المسلحة المصرية والحيلولة دون أن يتحول هذا النطاق الصحراوي الي بؤرة ارهابية جديدة تهدد امن واستقرارالمنطقة بالكامل. ومن ناحية اخري باعتبار ان مصر شريك استراتيجي للولايات المتحدة في منطقة القلب الحيوية علي خريطة العالم يصبح من المنطق ان يكون هذا الشريك علي قدر من القوة الاقتصادية والنفوذ والاستقرار. كما وان تلك الشراكة لن تصبح ذات فاعلية في وقت الأزمات الا اذا شعر المواطن في الشارع المصري بنتائجها وآثارها علي حياته اليومية واحساسه بمدي اسهام الولايات المتحدة في تحقيق آماله وطموحاته الوطنية والحياتية. وبدون نجاح الولايات المتحدة في الوصول الي وجدان الانسان في الشارع المصري بطريقة أو بأخري ستظل شراكتها الاستراتيجية مع مصر مجرد اتفاق بين نظم وحكومات دون أي شرعية شعبية.وفي النهاية يحق القول، وان كان يخرج قليلا عن حدود الحديث ولكنه ذو صلة به، انه ربما ينحذب البعض، بخطأ في التقدير، والاسترشاد بنتائج بعض حروب ومعارك فراعية مصر الكبار مثل تحتمس ورمسيس عندما كانت الأوضاع الإستراتيجية لمصر والمنطقة تسمح لها باحتواء أي قوة غير مصرية تحتل موقعا مؤثرا في النطاق الأمني الشرقي، الممتد حتي منطقة الأناضول، وما يجاورها من شعوب تجاه الشرق، وذلك من اجل الحفاظ علي حرية الحركة والارادة والانفراد بالسيطرة الاقليمية دون منافس. غير ان ظروف اليوم تختلف كثيرا عن الأمس البعيد واصبحت الحسابات الجيوبوليتيكية وتوازنات القوي في الاقليم اكثر تعقيدا وتتطلب رؤية متطورة وتقديرات مختلفة. مع ضرورة الوضع في الاعتبار ان الاندفاع من وراء تلك العقيدة، علي الرغم من حساسيتها وخصوصيتها، في ظل الأوضاع المعاصرة، المحلية والاقليمية والعالمية، وفي هذه اللحظة التي نعيشها بالتحديد، تجعلها مسألة لها محاذيرها وقيودها وقد تكون لها نتائج كارثية.ہ مدير مركز الحوار والدراساتورئيس تحرير صحيفة المنصة العربية التي تصدر في الولايات المتحدةEmail:[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية