إبان فترة الأحكام العرفية في الأردن،كنت تتعرض ربما للاستجواب، التحقيق أوربما:الاعتقال، ولكنك أبدا لا تشعر أن إنسانيتك وكرامتك هما المستهدفان بل إنك حتى كنت تنتهزها فرصة للترويج لمبادئك ومعتقداتك حتى في حوارك مع خصمك الرسمي وهكذا انتهى الأمر بمعظم السياسيين أو المثقفين والكتاب إلى الإستمرار في الحياة والعمل، مفضلين ذلك على الهجرة أو اللجوء السياسي، أو خيارات الخروج الأخرى،لا بل انتقل كثيرٌ منهم إلى مقاعد البرلمان، وحتى كراسي الوزارات، عقب النقلة الديمقراطية، إسلاميين ويساريين ومستقلين. حيث لا تمتهن كرامتك: يمكنك دفع أي ثمنٍ دون ذلك! في أول زيارة لي لسوريا، إبان حكم الاسد الأب وبعد سنوات من إمساكه بالسلطة وعند أول حاجز تفتيش شعرت للتو أن الهدف ليس التحقق الأمني، وإنما ممارسة الإستعلاء والسلطة، واستهداف الكرامة الإنسانية بالتحقير والتصغير! ولم أدر إن كان ذلك منهجا موحى به لرجال الدولة أم هو سلوكٌ جمعي تواطؤوا عليه على نحوٍ ما؟! يومها قفز إلى مقعد السيارة دون استئذان أحد عساكر الحاجز الأمني وطلب إلى السائق أن يمكث في انتظاره حتى يحضر أشياءه ويعود ليقوم بإيصاله بعد ذلك حيث يريد! يومها اعتذر السائق قائلا لي:’معلش يا أستاذ لا نستطيع أن نرفض لهم طلبا حتى نستر حالنا في الروحة والجية، احنا سواقين خط إنت عارف’!هذا العسكري لم يوفر شتيمة طوال الطريق، شتم السعوديين والأردنيين، والفلسطينيين من أتباع عرفات، ونسم علينا بريح الطائفية النتنة فشتم الإخوان المسلمين وعائلاتهم وسلالاتهم كلها! ما إن ترجل وذهب لحال سبيله، حتى اعتذر السائق مرة أخرى، مقدرا ما اعتمل في داخلي وسكوتي احتراما لرغبته وحتى لا أتسبب في قطيعة رزقه قال: هذا علوي! تخيل أنك مواطنٌ في بلد كهذا، وتحت حكم كهذا، هل ستفكر في تحرير فلسطين، أم في تحرير نفسك من براثن هذا الظلم المتطاول؟! من خلال هذه التجربة، والتي لا بد أنه تعرض لها كثيرون غيري وربما بدرجة أسوأ، رأيت في الثورة السورية نتيجة طبيعية، لا بل حتمية من الحتميات، وليس مؤامرة لإسقاط حكم ممانع لإسرائيل، كما رآها كثيرون، ممن يضعون نظارات التحزب السياسي الثقيلة أو التعصب الطائفي الأكثر سماكة والأقل نفاذا للضوء حتى أنهم لم يتكلفوا عناء خلعها وتحرير أبصارهم من حاجز الممانعة هذا! وبمناسبة النظارات، فلا أدري كيف يرى الجنرال الطامع في السلطة الأشياء من خلف نظاراته السوداء، عجيبة تلك النظارات، التي تقلب الحق باطلاٌ والباطل حقا، ولا ترى في الناس إلا شرذمة مارقة، مجردة من أي حقوق، مواطنة أو إنسانية أومدنية أوغيرها! ألم ينعت القذافي الشعب الليبي بالجرذان، حتى مات ميتة الجرذان مختبئا في مجاري الصرف الصحي! هذا الذي يطلق النار على الناس ويجرف جثثهم بالجرافات أو ذاك الذي يقتلهم جوعا أو يلقي فوق رؤوسهم بالبراميل المتفجرة كيف ستكون نهاياتهم يا ترى؟! أليس هناك سننا لله وعدالة إلهية؟ بالأمس فقط فقد أحد ضباط الشرطة المصريين الذين شاركوا في قتل المتظاهرين، ابناءه الأربعة اختناقا بالغاز، ولاحظ ان قنابل الغاز الكثيفة القيت في عربة ترحيل مغلقة، وقتلت ثلاثين إنسانا بريئا! أوليس الجزاء من جنس العمل؟! أوليس البلاء مدعاة لإعادة النظر والعودة عن الكبْر،لمن كان له قلبٌ أوألقى السمع وهو شهيد؟! لا بل انقلبت العربة بالذاهبين لتعزيته، وأليس في ذلك تذكيرا إلهيا؟! أليس من الغريب أن تتحالف ميليشيات طائفية دينية، مع يسار ملحد وشيوعيين وعلمانيين؟! اليست هذه طبخة غريبة؟! وإذا فالطاهي الذي حضر مكوناتها، وفق وصفته، لم يجعل فيها لله ورسوله والمؤمنين أي شيء! وكأنها وصفةٌ موجهة ضد سواد الناس، وضد لحمتهم! أوليس ذلك هدفا غريبا للمقاومة والممانعة: هدم الوحدة وتفكيك النسيج الإجتماعي؟! ألا تتطلب المقاومة بنيانا مرصوصا؟! أم هم عن آياته غافلون؟! ألا يفسر هذا: التلكؤ الأمريكي الروسي،المتفق عليه، تجاهنا نحن بالذات؟ أولا يفضح ما جرى في أوكرانيا هذا التواطؤ الخبيث؟! وإذا فالخيار واضح لمن لا يضع نظارة سوداءعلى عينيه؟! نزار حسين راشد