«شهر مارس في نهايته، والشمس تمتلئ تدريجيا بدفء ربيعي». أن تقع على هذه الجملة في رواية، وأنت تعيش الأحداث التي نعيشها جميعا، أمر يشكل حدثا بعينه ينضاف إلى باقي الأحداث.
قرأت هذه الجملة في رواية «الضوء الهارب» للكاتب المغربي محمد برادة، المختص في سبر أغوار متاهات الذاكرة سرديا، في جو مغربي لا يفتأ يمارس أصالته على تقنيات الحكي وتعاريجها الزمانية والمكانية. والحدث لا تعلم هل تنسبه إلى المصادفة البحتة، أو إلى « تقاطع المصادفات » كما يحلو للفيلسوف، أن يختصر، خاصة حينما تتقاطع مصادفة القراءة مع زمن هذه القراءة، وجوها. عوامل تصنع مجتمعة كوكتيل أحاسيس تستعصي على التحديد، إلا في حال جمعتها تحت سقف الاستغراب والترقب. الاستغراب في تناغم مع غرابة زماننا غير المسبوق، والترقب في ظل تراكم المعارف التي تزودنا بها الأخبار، يفتتح عهدا سلوكيا وتفاعليا غير مطروق.
اخترت ان أجعل من كتابات برادة منطلق قراءاتي «من زمن الاحتواء» على أساس أن ترصد مكامن المستقبل وبناء التكهنات على ما يمكن أن يحمله في جعبته عمل بلا جدوى، عكس جدوى استغلال هذه المساحة الاستثنائية، مساحة الانغلاق، رغم ما يبدو من تناقض، فالانغلاق، الذي ليس تقوقعا، يسمح بتقصي حقائق الماضي والتوقف فيه عند لقطات سجلت مراحل، أرخت لمكاسب، شقت طرقا، وأضاءت مسارا لم تنته من إضاءته. «وأنا أراود الضوء الهارب الذي استشعرته من قبل مرئيا حاضرا داخل ما أرسم الآن» يقول الراوي. وأنا أفعل ذلك أيضا أدرك تماما قدر الخلفية التي يسعفني السند الأدبي لوصفها، في مناجاة قوية للفنان التشكيلي «العشيوني»، الشخصية الروائية التي أبدعها برادة فاتحا آفاقا استرجاعية واسعة بموصوف ينسجم تماما مع السياق: «الاستشعار»، فالاستشعار، فعلا، سبر لأغوار ما ارتسم من أشكال وألوان تخللت سيرتك خلال عقد من الزمن. دلالة واضحة على الإفلات التدريجي من قبضة هذا الخط المتقدم دوما إلى أبعد، وأنت في عجز عن تحديد معالم المسافات القاصية التي يرسمها والتي تعقد عليها آمالا عريضة، بدون أن تجد للعرض محتوى، ولا للطول قياسا. ولأن فترة الاحتواء هي فترة الانسجام مع الذات، تنفتح أمامك آفاق لمراودة هذا «الضوء الهارب» الذي استشعرته يوما و لم تستطع منذئذ لمراودته سبيلا. وحده الغطس في طبقات الذكرى المتراكمة قد يمنح لك هذه الفرصة، وهي من أثمن الفرص، لكن هنا، ولأن الذكرى طبقات قد تطفو إلى الوعي، بدون عناء أو بعناء شديد، بل قد لا تطفو أبدا، يغمرك بحر التساؤلات من جديد، فتسأل كما يسأل الكاتب في شقين: هل الذكرى حدث عشناه؟ هل الذكرى مشاهد عشناها بالفعل؟ أم أننا نعيشها بالتذكر عبر ما يخبرنا به الآخرون؟ حدث عشناه، أم شيء يعطينا إحساسا بالفقدان فنبتدعه؟
مهما كانت درجتها من التكليف، وقد تكلف كثيرا، الذكرى إنتاج. فسواء أكنت وفقت بينها وما عشته أو استبدلتها بذكرى أخرى مبتدعة تعوض بها إحساسا بالفقدان، تظل أسير قيود الإبداع الفني، كما سماها أندريه جيد، وأنت تروم تقديم تلك الإضافة الروحية التي نحتاجها كلنا ووسيطها صور حية لواقع مضى، أو تلوينات نضيفها لسد ثغرات ما فاتنا أو فوتنا.
وحين تنطلق تلك الرواية داخل الرواية، حين نستنطق الآخرين أو يستنطقنا الآخرون ليضعونا في الصورة، هنا تتجلى مركزية الذكرى مفسحة المجال أمام طبيعتها الأسمى، إنسانيتها، فأنت لا تتذكر منفردا وإنما تتذكر «مع…».
كل ذكرى علاقة، مثل الذي يحدث عندما يُخضع راوينا ذاكرته لمساءلة عساها تؤطر بحثه عن كينونة الذكرى التي تكشف إنسانيته إذن في بحث يعلن أقوى لحظات الذكرى، ذكرى الحبيبة: «أكانت تذكرني بنكهة الخبز الساخن الخارج توا من الفرن و قد اختلط في مخيلتي برائحة الزعتر والسمسم وزيت الزيتون؟ «.
«ألملم الأشتات، المشاهد، الكلمات، ملامح الشخوص والأمكنة» يضيف راوينا، وأنت لا تستطيع أن تلملم الأشتات والمشاهد والكلمات، بدون أن تكون محملا برغبة الانعتاق عن آنيتك لتتخذ الاسترجاع وسيطا، حتى يترك ماضيك يغمرك فتمتح منه لبنات تؤسس بها صرحا تجدد فأعدك لمجابهة المستقبل.
وداخل خيوط الضوء التي تشدك إلى نقطة لم تبصرها من قبل تتفطن إلى أن هذا هو ما كان يجب ان يكون واقعا، وأنك بدونه ستعود إلى منطقة الأحياء- الأموات،
صدق قول الفنان.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي