واشنطن ـ «القدس العربي»: قال العديد من المحللين الأمريكيين إن «العلاقة الخاصة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتعرض لضغوط بسبب الهجوم المتوقع على رفح.
ووصف الرئيس جو بايدن غزو رفح بأنه «خط أحمر». وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن، خلال رحلة إلى الشرق الأوسط الأسبوع الماضي، إن أي عملية عسكرية كبيرة هناك ستكون «خطأ» من شأنه أن يؤدي إلى مقتل المزيد من المدنيين وتفاقم الأزمة الإنسانية الأليمة بالفعل.
وأشار بلينكن خلال مؤتمر صحافي عُقد في 21 آذار/مارس في مصر: «هناك طريقة أفضل للتعامل مع التهديد المستمر الذي تشكله حماس» على الرغم من أنه لم يوضح كيف ستبدو «الطريقة الأفضل».
وقالت نائبة الرئيس كامالا هاريس لشبكة «إيه بي سي» في مقابلة إن الإدارة لا تستبعد العواقب إذا مضى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدمًا في الهجوم على رفح، كما تعهد بذلك، على الرغم من المخاوف الأمريكية.
مناقشة نهج بديل
وتصاعدت التوترات عندما ألغى نتنياهو فجأة زيارة وفد إسرائيلي إلى واشنطن يوم الإثنين لمناقشة نهج بديل لرفح بعد أن سمحت الولايات المتحدة من خلال الامتناع عن التصويت للأمم المتحدة بتمرير قرار يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة حتى نهاية شهر رمضان. ووافق رئيس الوزراء منذ ذلك الحين على إعادة جدولة الاجتماع حسب البيت الأبيض، لكن لم يتم تحديد موعد. وسيكون هذا الاجتماع مهماً، حيث أن الولايات المتحدة لم تر خطة محددة لكيفية تعامل إسرائيل مع السكان المدنيين في رفح – كما طالبت الإدارة. وفي ظل الجمود، لا تزال هناك أسئلة حول ما يمكن أن يفعله بايدن لممارسة الضغط على نتنياهو، وكيف يمكن للإدارة أن تحمّل إسرائيل مسؤولية غزو رفح.
وقال جاي زيف، المدير المساعد لمركز الدراسات الإسرائيلية بالجامعة الأمريكية، لشبكة «إيه بي سي» إنه محدود فيما يتعلق بما يمكنه القيام به «أي رئيس أمريكي محدود إلى حد ما فيما يتعلق بما يمكنه القيام به، ولن يرضي الجميع».
وكما قال آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية والذي يعمل الآن في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: «بايدن في صندوق وليس هناك مخرج منه».
وتجنب البيت الأبيض مناقشة «الافتراضات» عند الضغط عليه بشأن العواقب أو النفوذ الذي يمكن أن يستخدمه بايدن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وعلى سبيل المثال تجنب المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي هذا السؤال، وكرر الدعم الأمريكي الشامل لإسرائيل وقال إن الولايات المتحدة ستواصل الدعوة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، والمزيد من المساعدات الإنسانية وصفقة رهائن محتملة.
ودعا بعض المشرعين الديمقراطيين، وخاصة أعضاء الجناح التقدمي للحزب، إلى فرض شروط على المساعدات العسكرية والمالية لإسرائيل مع تدهور الوضع الإنساني في غزة. وحذرت منظمات الإغاثة الإنسانية والدولية بشكل شامل من الأزمة غير المسبوقة التي تتكشف في القطاع. وقالت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي «IPC» في وقت سابق من هذا الشهر إن المجاعة «وشيكة» في شمال غزة.
تمويل دفاعي
وأشارت وسائل إعلام أمريكية إلى أن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل مساعدات أكبر من أي «دولة أخرى» منذ قيام الكيان في عام 1947. ويشمل ذلك 158 مليار دولار (غير معدلة حسب التضخم) في شكل مساعدات عسكرية وتمويل دفاعي، وفقاً لخدمة أبحاث الكونغرس.
وتشكل هذه المساعدات من الولايات المتحدة ما يقرب من 16 في المئة من إجمالي ميزانية الدفاع الإسرائيلية، حسبما ذكرت الخدمة العام الماضي.
وقال زيف عن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل «إنها مهمة للغاية. وإن وضع شروط عليها يشكل سابقة خطيرة لإسرائيل لأنها لم تكن واردة حتى الآن».
وأحد أبرز الخلافات فيما يتعلق بالمساعدات بين واشنطن وتل أبيب حدث في أوائل التسعينيات في عهد الرئيس جورج بوش الأب، حيث وافقت الولايات المتحدة على تقديم ضمانات قروض لإسرائيل بقيمة 10 مليارات دولار لمساعدة اليهود السوفييت على التوجه إلى إسرائيل، لكن بوش لم يصدر تلك الضمانات إلا بعد أن وافقت الحكومة الإسرائيلية على الحد من النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة.
ولاحظ المحللون أن هذا الصدع يتعلق بالمساعدات الاقتصادية، وليس المساعدات العسكرية.
واتفق الخبراء في واشنطن على أنه من غير المرجح أن يتم فرض شروط صريحة على المساعدات العسكرية الأمريكية.
وقد استبعد بايدن نفسه بالفعل وقف توريد الأسلحة، مثل تلك التي يستخدمها نظام القبة الحديدية. وفي مقابلة مع شبكة «إم إس إن بي سي» في وقت سابق من هذا الشهر، كرر بايدن أنه على الرغم من أن معبر رفح يمثل «خطًا أحمر» إلا أنه لن يقطع أبدًا جميع الأسلحة عن إسرائيل.
وقال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لشبكة «إيه بي سي» الإخبارية: «إن التحدي الذي تواجهه المشروطية الصريحة هو أنها تخلق صراعاً بين الإرادات».
وقال: «في كثير من الأحيان، يكون وجود عواقب أقل وضوحًا ومنح شركائك فرصًا للامتثال بهدوء أكثر فعالية من الشروط الصريحة».
ومع ذلك، قال ألترمان إنه يعتقد أنه إذا تجاهل نتنياهو مطالب إدارة بايدن بشأن معبر رفح، فقد تكون هناك عواقب محتملة أخرى، مثل إبطاء المساعدات أو تأجيل تسليم الأسلحة الهجومية. لقد حدث ذلك من قبل، مثلما حدث عندما قام الرئيس رونالد ريغان بتأخير تسليم الطائرات العسكرية إلى إسرائيل في الثمانينيات بسبب الصراع المتصاعد بين إسرائيل ولبنان.
إجراء انتخابات جديدة
ومن الممكن أن تستمر الضغوط الدبلوماسية أيضًا. ولم يقم بايدن بعد بدعوة نتنياهو لزيارة واشنطن، ودعا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وهو أعلى مسؤول يهودي في الولايات المتحدة، إلى إجراء انتخابات جديدة ليحل محل رئيس الوزراء، الذي وصفه بأنه عقبة أمام السلام.
وبوسع الولايات المتحدة أن تستمر في الامتناع عن التصويت، أو حتى في دعم قرارات الأمم المتحدة التي ترى إسرائيل أنها غير مواتية لها، كما فعلت هذا الأسبوع. وتبنى مجلس الأمن الدولي قرارا يطالب بوقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن، مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت. وأكد نتنياهو أن تصويت الأمم المتحدة يمثل تغييرا في موقف الولايات المتحدة بشأن الصراع، وهو ما نفاه البيت الأبيض بشدة.
وقال ميلر «إن عملية رفح هي جزء من سؤال أوسع حول ما هي الظروف التي ستمارس فيها إدارة بايدن نفوذاً حقيقياً وتفرض أي تكاليف أو عواقب على هذه الحكومة الإسرائيلية؟ لقد مضى ما يقرب من ستة أشهر على الحرب، وكانت الإدارة على الرغم من إحباطها وغضبها من بعض سياسات حكومة نتنياهو، مترددة في القيام بذلك».
وتأتي نقطة الاشتعال أيضًا في الوقت الذي يواجه فيه بايدن ونتنياهو ضغوطًا سياسية في الداخل، حيث قال أكثر من نصف الأمريكيين إنهم يرفضون الحرب الإسرائيلية على غزة.
وكان بايدن هدفاً لأصوات احتجاجية من مجتمعات عربية أمريكية ومسلمة كبيرة في ولايات متأرجحة مثل ميشيغان ومينيسوتا بسبب رد فعله على الحرب. وقال بايدن إنه يتفهم الإحباط الذي يشعر به منتقدوه، وشدد في خطابه عن حالة الاتحاد على أن الولايات المتحدة تقود الجهود الرامية إلى إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، بما في ذلك بناء رصيف جديد في البحر الأبيض المتوسط حتى تتمكن غزة من استقبال السفن التي تحمل الغذاء والماء وغير ذلك.