واشنطن ـ «القدس العربي»: تصاعدت جهود إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمواجهة الصين وروسيا في أفريقيا بشكل ملحوظ منذ العام الماضي، كما تعهد بايدن بالقدوم إلى القارة السوداء في 2023 ولكن «الدبلوماسية» الأمريكية لم تحقق أي نجاح كبير حتى الآن في الأزمات الجديدة في المنطقة بما في ذلك السودان والنيجر.
وقال العديد من المحللين الأمريكيين إن خيارات إدارة بايدن في أفريقيا لا تزال محدودة إلى درجة أنها لم تتمكن من وصف الأزمة في النيجر بالانقلاب، كما لم تتمكن في السابق من ممارسة أي نفوذ حقيقي في الصراع السوداني بين الجيش وقوات الدعم السريع، ولكنهم أشاروا في نفس الوقت إلى أن إدارة بايدن تحاول اللحاق بالركب.
وقبل أيام، سافر النائب الرئيسي لمستشار الأمن القومي جون فينر إلى الغابون ونيجيريا، وأكدت الرحلة التزام إدارة بايدن بتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية لمواجهة التحديات العالمية وتعزيز المصالح المشتركة، وفقا لبيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية.
وفي الغابون، التقى فينر بالرئيس علي بونغو أونديمبا، ووزير الخارجية هيرمان إيمونغولت، ووزير البيئة لي وايت. وشدد فينر على أهمية الغابون كشريك للولايات المتحدة، بما في ذلك التعاون بشأن الأمن في خليج غينيا ومنطقة وسط أفريقيا. كما ناقشا الالتزامات المشتركة مثل الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ.
وفي نيجيريا، التقى فينر مع الرئيس تينوبو وغيره من كبار المسؤولين النيجيريين لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك التطورات الأخيرة في النيجر، والمشاركة بشكل بناء في الخطوات التالية للحفاظ على الديمقراطية في النيجر بشق الأنفس.
وتأتي هذه الجولة الدبلوماسية ضمن «فورة» من الزيارات، التي أجرتها إدارة بايدن في عامي 2022 و2023 في أعقاب الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصيني تشين جانغ إلى الغابون وإثيوبيا وبنين ومصر وأنغولا، حيث أطلقت إدارة بايدن موجة من التواصل مع الدول الأفريقية – في محاولة واضحة للرد على نفوذ بكين المتزايد في المنطقة.
وعلى سبيل المثال، قامت وزيرة الخزانة جانيت يلين بجولة لمدة 12 يومًا عبر السنغال وزامبيا وجنوب أفريقيا والتقت الممثلة التجارية الأمريكية كاثرين تاي بوزير التجارة والصناعة في جنوب أفريقيا إبراهيم باتيل على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وهاتف وزير الخارجية أنتوني بلينكن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد لمناقشة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية في منطقة تيغراي المضطربة في البلاد، وزارت ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا غرينفيلد، كينيا وموزمبيق وغانا «لتأكيد وتعزيز الشراكة» مع أعضاء مجلس الأمن السابقين والحاليين.
وقال لويس مازل، المدير السابق لمكتب الشؤون الإقليمية والأمنية في وزارة الخارجية في مكتب أفريقيا التابع لوزارة الخارجية الأمريكية إن إدارة بايدن «مشحونة للغاية للتواصل مع أفريقيا».
فخ الديون الصينية
وقال محللون أمريكيون إن كثافة التواصل الدبلوماسي الأمريكي مع أفريقيا تشير إلى عزم الرئيس جو بايدن على متابعة إعلانه في قمة القادة الأمريكيين الأفارقة بأنه «يشارك الجميع في أفريقيا والجميع مع أفريقيا». كما يسلط الضوء على التحدي الضمني لإدارته للأولوية الاقتصادية والدبلوماسية للصين في القارة.
وقال تيبور ناجي، المساعد السابق لوزيرة الخارجية للشؤون الأفريقية: «هناك عدد غير مسبوق إلى حد كبير من المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى، الذين يذهبون فجأة الآن إلى أفريقيا» مشيراً إلى أن «الأمر يتعلق بالصين بالتأكيد».
وجعلت يلين ممارسات الإقراض الصينية في أفريقيا نقطة نقاش رئيسية، وبحثت ضمنيًا في دبلوماسية فخ الديون الصينية في خطاب ألقته في داكار بالسنغال، وقالت يلين: «يحتاج المجتمع الدولي، بما في ذلك الصين، إلى تقديم إعفاء ذي مغزى من الديون لمساعدة البلدان (الأفريقية) على استعادة موطئ قدمها».
وأوضح ديفيد شين، السفير الأمريكي السابق في إثيوبيا، أن المحليات الاقتصادية ستكون المفتاح مشيراً إلى أن الصين هي الشريك التجاري الأول لدول أفريقيا جنوب الصحراء.
وقال: «إنهم يستوردون سلعًا صينية تتراوح من المنسوجات إلى الهواتف الذكية، وتشتري الصين كميات هائلة من المنتجات والسلع الزراعية الأفريقية بما في ذلك النحاس والنفط. كما أنفقت بكين أيضًا المليارات في إقراض البنية التحتية والمساعدات الأجنبية عبر أفريقيا على مدار العقدين الماضيين».
وقال محللون أمريكيون إن قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا عادت إلى واشنطن وسط تصاعد التوتر الجيوسياسي العالمي وعدم اليقين الاقتصادي لأن صوت أفريقيا وامكاناتها الاقتصادية وموقفها الجغرافي السياسي أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. والولايات المتحدة تعرف ذلك.
الأولويات الأمنية
ولاحظ محللون أن الولايات المتحدة ركزت تقليديًا على الأولويات الأمنية في مشاركتها الأفريقية، وأوضحوا أن رؤية الحرب الباردة لا تهيمن على التصورات في المجالين العام والخاص فحسب، بل تشتت الانتباه أيضًا عن الفرص الاقتصادية والاستراتيجية الحقيقية التي توفرها القارة للمستثمرين في القرن الحادي والعشرين.
وأضافوا أن تأثير هجمات الحادي عشر من سبتمبر عزز هذا النهج على مدى العقدين الماضيين. وفي الآونة الأخيرة نظرت الولايات المتحدة إلى أفريقيا على أنها ساحة معركة للتنافس مع الصين، متجاهلة أن دول القارة لديها مصالحها الاستراتيجية الخاصة.
وفي وقت سابق، كشف بلينكن عن استراتيجية أمريكية جديدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء أكدت أن الولايات المتحدة سوف تبحث عن شراكات مع الدول الأفريقية بدلاً من إملاء شروط عليها.
وتُظهر رحلات بلينكن ويلين المتعددة في أفريقيا، من السنغال إلى جنوب أفريقيا وكينيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ العام الماضي أن إدارة بايدن تتخذ ظهور أفريقيا كقوة عالمية مؤثرة.
وتشير استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية إلى التحول في النهج تجاه أفريقيا كشريك وليس كمنطقة يمكن للولايات المتحدة أن تملي عليها، وقد حددت وثيقة الإستراتيجية هذه سياسة جديدة للعمل من خلال الشركاء في المسائل الأمنية.
وفي عام 2021 وصلت الاستثمارات المتدفقة إلى أفريقيا إلى مستوى قياسي بلغ ثلاثة وثمانين مليار دولار، وقال خبراء إنه يجب على القطاع الخاص أن يعزز دعم صانعي السياسات لمعالجة التحول الاقتصادي والأخضر في أفريقيا.
وفي عام 2022 اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتركيز علاقتها حول شراكات مفيدة للطرفين، وعززت القمة الأمريكية-الأفريقية هذا النهج، لكن الولايات المتحدة ستحتاج إلى وضع الأقوال موضع التنفيذ لتحقيق النجاح، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين.