ساد هدوء نسبي بعض احياء مدينة غزة بعد اشتباكات عنيفة استمرت لاكثر من عشرة ايام بين عناصر مسلحة تابعة للفصيلين المتناحرين علي السلطة، اي فتح و حماس في مؤشر علي ان الوساطة التي يبذلها الوفد الامني المصري بدأت تعطي بعض ثمارها المرجوة في تثبيت وقف اطلاق النار، واعادة الجانبين الي مائدة الحوار مجددا.
الصدامات كانت مؤسفة بكل المقاييس، ليس من حيث عدد القتلي الذين سقطوا خلالها، وانما ايضا من انعكاساتها السلبية علي صورة الفلسطينيين وقضيتهم، وبما يصب في مصلــحة الدعايات الاسرائيلية المغرضة التي تتهمهم بالدموية والارهاب وعدم قدرتهم علي ادارة شؤونهم بانفسهم.
ولا يختلف اثنان علي مدي سعادة الحكومة الاسرائيلية بتصاعد الصدامات بين اكبر فصيلين فلسطينيين، ولذلك لم يكن مستغربا ان يتخذ مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر قرارا اثناء اجتماعه امس بتكثيف عمليات الاغتيال لرموز المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية، لان اسرائيل لا تريد اتفاقا يحقن الدم الفلسطيني، ويعزز الوحدة الوطنية، ويحول البنادق في اتجاهها.
سياسة التوغلات والاغتيالات الاسرائيلية لم تتوقف، سواء في الضفة او القطاع، الشيء الجديد ربما يتمثل في توسيع دائرتها بحيث تشمل قيادات في حركة حماس بعد استئناف الجهاز العسكري فيها اطلاق صواريخ القسام علي مدينة سديروت وبعض المستوطنات الاخري شمال قطاع غزة، وهي الخطوة التي جاءت بمثابة اعلان صريح علي انهاء الهدنة المستمرة منذ اكثر من عامين تقريبا.
اولمرت بات محرجا كليا بعد تواصل سقوط الصواريخ علي المستوطنات الاسرائيلية بشكل يومي، واحداثها اضرارا كبيرة مادية ونفسية. فقد بدأ الاسرائيليون يغادرون بلدة سديروت بالآلاف للنجاة بحياتهم، بعد ان سقطت هذه الصواريخ فوق رؤوسهم، ودمرت بعض منازلهم واحدثت بعض الاصابات البشرية.
الخيارات الاسرائيلية محدودة، وصعبة في الوقت نفسه. فاجتياح قطاع غزة ربما يكون ممكنا، ولكنه سيكون مكلفا في الوقت نفسه، لان رجالات المقاومة باتوا يملكون من الاسلحة ما يمكنهم من التصدي للاجتياح والحاق اضرار بالدبابات الاسرائيلية، قد تكون مفاجئة، علي غرار ما حدث اثناء تقدم هذه الدبابات في جنوب لبنان في الصيف الماضي.
صحيح ان المقاومة الفلسطينية ليست علي الدرجة نفسها من التسليح بالمقارنة مع نظيرتها اللبنانية، بسبب الاغلاق المحكم للحدود، وصغر مساحة قطاع غزة، ولكن ما هو صحيح ايضا ان الفلسطينيين يملكون عزيمة قوية لتحقيق انتصار معنوي علي الجيش الاسرائيلي المكسور الهيبة بعد هزيمته في لبنان.
اولمرت ربما يقدم علي مقامرة جديدة في قطاع غزة، استجابة للضغوط المتنامية عليه من قبل سكان سديروت وعسقلان الاكثر تعرضا للصواريخ، الي جانب ضغوط المعارضة بقيادة بنيامين نتنياهو التي تتهمه بالعجز، وهو ان فعل، سيعرض حكومته للانهيار.
اجتياح قطاع غزة، واغتيال بعض قادة اجنحة المقاومة، السياسيين منهم او العسكريين، سيؤديان قطعا الي وقف الاقتتال الداخلي، وتوجيه كل البنادق باتجاه الاسرائيليين، وبعض المتعاونين معهم من رؤوس الفتنة من الفلسطينيين علي وجه التحديد.