محمد باهيمند حوالي عقدين من الزمن شهد العالم انتشار أوبئة فتاكة غير مسبوقة في تاريخ البشرية بالنظر إلى تعقيداتها ‘الجيومورفولوجية’ وتشابك دواعيها ومسبباتها التي تبقى في الأصل مرتبطة بما يشهده العالم من تحولات ومتغيرات على صعيد المنظومة الغذائية، هذه الطوارئ الخارجة عن المألوف، تطلبت استنفار فرق العلماء والباحثين والدارسين على مستوى الدول الكبرى، ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التغذية والزراعة، كلما اجتاحت لعنة وباء منطقة ما، وبرزت إحدى بؤرها بدولة غربية ما، بدءا من وباء ‘الديوكسين’ الذي تسبب في نفوق ملايين الأطنان من الدجاج، مرورا بأنفلونزا الطيور والخنازير وجنون البقر والحمى القلاعية، وهي أوبئة ذات منشأ ‘فيروسي’ قاتل اجتاحت في المجمل فصيلة المواشي والطيور على حد سواء.
الآن وبعد استنفاد الوباء الفيروسي لغالبية الكائنات اللحمية، يأتي الدور على الخضراوات حيث شكل الخيار بألمانيا اندلاع الشرارة الأولى ‘لبكتيريا آي كولاي’ بإحدى المزارع لتنطلق العدوى بسرعة مذهلة إلى باقي دول أوروبا، إذ تسببت إلى حدود الآن في مصرع ما يزيد عن العشرين شخصا وإصابة المئات من المستهلكين لحالة إسهال معوي مصحوب بنزيف دموي، وتجرى الاتصالات والتعبئة من أجل تطويق الداء، مخافة اجتياح عارم لمختلف أنحاء المعمور، وتطور المضاعفات التي قد تشكل مصدر استعصاء أمام الخبراء وتعجل برحيل أجيال وشعوب، وتعرض قارات بكاملها للانقراض، وتبقى حكومات بفضل ما تمتلكه من ممانعة في وجه ‘الرحيل’ بدون طبقات مقهورة وكادحين ومشردين ومتسولين وعاهرات على الرصيف، ومنتخبين يتنطعون ذات اليمين وذات الشمال، ومفاسد تثير غضب ‘الفايسبوكيين’. فدول حلف ‘النيتو’ منشغلة حاليا بالبحث عن كل الخيارات الممكنة لإسقاط العقيد الأسطوري، الذي حول شعبه إلى بؤرة للتصحر الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وتعمل جادة بناء على قرارات المنتظم الدولي على محاولة ترسيخ ‘خيار’ الديمقراطية الذي يستمد مرتكزاته ومقوماته من ‘خيارات ‘نسائم الربيع العربي الديمقراطي، وعمق الثورات الشبابية التي لم تخطر ذات يوم ببال منظري البحث الاستراتيجي لحالة الركون والانتظارية والانبطاح، التي أدخلت الشعوب العربية إلى غرفة انتظار طال أمدها.
ومن باب المصادفات التاريخية، أن يشهد العالم العربي مسلسل حراك تحكمت في دواعيه ‘خيارات’ التسلط والاستبداد والقهر والفساد، التي شكلت في المحصلة النهائية ‘تسونامي’ من الثورات العارمة التي أفضت إلى سقوط نظامي مبارك وبن علي، فيما ينتظر التحاق صالح والقذافي بزمرة الحكام ممن امتنعوا عن ‘خيار’ الإصغاء إلى الشعوب والتعاطي مع قضاياها وهمومها بمنطق المتغيرات الدولية، وفضلوا ‘خيارات’ التفقير والعبث بمدخراتها وثرواتها وتحجيم قدراتها وإمكاناتها، من المصادفة أن تتزامن ‘الخيارات’ العربية وتشتعل بؤرها في أكثر من بلد مع اندلاع ‘بكتيريا آي كولاي’ التي اجتاحت ‘الخيار’ الأوروبي وتسببت في نزيف دموي معوي يبقى عرضيا خارج الإرادة البشرية، وتسعى المنظمات الدولية إلى وقف امتداده، فيما نزيف الدماء العربية أضحى مستباحا مند أزيد من أربعة أشهر باليمن وسورية وليبيا في تضارب مكشوف ‘لخيار’ شعبي تواق إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والإصلاح ومحاربة الفساد، ‘وخيار’ أنظمة استبدادية تكرس الفساد والتقتيل والمناورة وترفض الرحيل، هذه المفارقات وغيرها قد لا تشكل في النهاية مصادفة بمنطق مكر التاريخ، بقدر ماهي نتاج لسياسات لا تتجاوب مع طموحات الجماهير الشعبية وتسعى إلى حد كبير للإجهاز على الحقوق والمكتسبات، فشتان بين ‘الخيارين’، دول مازالت تتعثر وتستبق الزمن لتنميق واجهاتها وإعطاء انطباع لتكريس ‘خيار’ الديمقراطية ودول استنفدت كل ‘الخيارات’ وكرست كل رهانات وانتظارات شعوبها، وجسدتها ميدانيا على مختلف الأصعدة والواجهات، وتفرغت لخوض حرب ضروس ضد ‘الخيار’ وفول الصويا، وتطوير مناهج البحث العلمي وتحصين الشعوب ضد كل ‘الخيارات’ الفتاكة والمدمرة، فالمقاربة لا تدعو إلى الاستغراب حين يتعلق الأمر بخيار الربيع العربي الديمقراطي وخيار ‘بكتيريا آي كولاي’ الأوروبي.’ كاتب من المغرب