خيار برائحة العجز
عزت القمحاويخيار برائحة العجزالخيار خضار لطيف، سوقه الزاحفة قصبية مفرغة من الهواء، هشة. وهو نبات ربيعي قصير العمر؛ إذ لاتتجاوز حياة شجيرة الخيار الستين يوماً تنجز نموها في نصف تلك المدة وتؤتي أكلها من ثمار في النصف الآخر. وكانت ثمرة الخيار علي أيام الزراعة الطبيعية فواحة الرائحة وعطرة، فهي في الخضار تقوم مقام الجوافة في الفاكهة. يؤكل الخيار فجاً صغيراً فإذا ما كبرت الثمرة شاخت ولا تعود تصلح إلا رمزاً فالوسياً خائباً ينتهي مخللاً في براميل الطرشي. ومنذ استحداث طرق الزراعة المحمية في الصوب البلاستيكية صار الخيار معروضاً طوال العام، لكن من دون رائحة فيه أو اشتياق فينا، بل علي العكس، هناك الخوف الدائم مما قد تنطوي عليه الثمرة البليدة المهندسة وراثياً من أخطار. هذا التطويرهو تحديداً الذي جعل الثمرة أقرب ما تكون إلي خيار السلام الذي تتمسك به القمم العربية، باعتباره خياراً استراتيجياً. وقد تكون لتسمية الخضار صلة بالأصل اللغوي للكلمة من التفضيل والاصطفاء والاختيار من بين الخضروات جميعاً، لكن ما بال أصحاب الفخامة والجلالة والسمو يسمون لغوهم الباذخ خياراً؟! هم لايقدرون علي الحرب؛ فلماذا لايسمون الأشياء بأسمائها فيقولون إنهم مصممون علي السلام جبراً استراتيجياً لنعرف علي الأقل أنهم يتقنون ويحترمون اللغة، الشيء الوحيد الذي يجمعنا وإياهم؟! ولماذا يتمسك دبلوماسي حصيف مثل عمرو موسي بموقعه أميناً للجامعة العربية بخيار استراتيجي يجبره في كل مرة علي تلاوة بيان استراتيجي يتمسك بالسلام خياراً استراتيجيا من دون أن يتعب أو يقول: عيب، عيب علي الأقل علي الإهانة الإستراتيجية للغة قمة بعد قمة؟! ما معني أن تعيد القمة طرح مبادرة سبق أن طرحتها في قمة بيروت منذ خمـــس سنوات من دون أن يلتفت إليها عدو أو صديق؟ لم يكن في نيتي بأي حال التعرض للقمة الباذخة، لولا الفضائيات سامحها الله، ذلك الوحش فاغر الفم الذي يريد أن يبث أخباراً وتعليقات. ومن باب الخيار الإستراتيجي لتغطية مساحاته الزمنية يعتبر القمة خبراً، فكان أن خضّر أيامي في عطلة نهاية الأسبوع ببساط من الخيار الإستراتيجي. خيار عديم الرائحة بالنسبة لعابر، لكن طول التشمم والتأمل علي مدي أيام متواصلة يقود حتماًُ إلي اكتشاف رائحة العجز. وقد تمت هندسة الخيار الإستراتيجي في صوبة، أقصد قاعة شديدة الزخرف، خالية من البهاء كالكلمات. ثم إن ما تبقي من وقت الفضائيات كان من نصيب المحللين، وقد اعتبر بعضهم أن إنجاز القمة كان في الخروج علي النص الذي لقنته الوزيرة الأمريكية للمجتمعين، الذين ـ علي غير رغبة كوندوليزا ـ تمسكوا بحق العودة للفلسطينيين؟! ما البطولة في قول أي كلام كان إذا كان العرض مقتصراً علي مؤدين غير مرئيين أو مسموعي الكلمة؟ وكنت أتمني علي أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، وإن لم يفعلوا فعلي أصحاب السعادة وزراء الخارجية الذين يعدون مشروعات القرارات الفخيمة ، فإن لم يفعلوا فعلي السادة المحللين أن يشرحوا لنا معني وفلسفة المبادرة، وفي أية ظروف يمكن أن يقدم الإنسان علي طرح مبادرة؟ الأمر لايحتاج إلي فطنة خاصة أو خبرة دبلوماسية كي يدرك الإنسان أن المبادرات لاتكون مقبولة إلا إذا كان الطرف الآخر مأزوماً وينتظرها ليتخلص هو الآخر من مأزقه. أولاد البلد يدركون هذه الحقيقة البسيطة ولايمكن لأحدهم أن يريق ماء وجهه بطلب الصلح بينما رقبته تحت حد سكين خصمه، بل يدع نفسه يموت مكتفياً بخزي الهزيمة من غير أن يضيف إليها عار الاستجداء. وكان لابد للقادة أن يتعظوا من إهمال مبادرتهم خمس سنوات كاملة، وأن يعرفوا أن السكين ازاد تمكناً من رقابنا خلال السنوات الخمس. وهناك أشياء كثيرة أجدي وألطف من التمسك بخيار السلام!القادة في جانب منهم بشر مثلنا، ويمكنهم أن يشغلوا أنفسهم بما يشغل البشر من أشياء لطيفة، بمقدورهم أن يصنعوها فرادي من دون حاجة إلي ركوب الجو والانتقال من مطار إلي مطار. وبصرف النظر عن القراءة والحب باعتبارهما من الهوايات الخطرة في خريف العمر، يمكنهم الاستمتاع بالطعام، والتسوق، واللعب، والصيد وأشياء أخري لطيفة؛ يعلمونها بحكم ثرائهم ولانعلمها.. هناك دائماً ما يمكن فعله بدلاً من التمسك بخيار السلام الإستراتيجي. وإن كان لابد من هذا الخيار حقيقة، فيمكن تحقيقه مع الشعوب بمنحها مزيداً من الحرية وعدم تزوير إرادتها في انتخاب أو استفتاء. وإذا كان لابد من ركوب الخطر، والاجتماع قمة في إثر قمة، فهناك الكثير مما يمكن أن يفعله القادة لبلادهم من دون الحاجة إلي مخاطبة إسرائيل وأمريكا. يمكنهم تحسين شروط التجارة والسياحة وانتقال الأموال والبشر والأفكار بين بلدانهم بدلاً من استمرار التمحك في القضية الفلسطينية، وتسول حل لن تمنحه إسرائيل لأنها ببساطة لاتشعر بأنها مأزومة أو بحاجة إليه. بيريس يطلب من القادة التطبيع أولاً، لتنظر إسرائيل بعد ذلك في أمر التفاوض مع الدول العربية فرادي!! وفي الحقيقة فإن التطبيع يجب أن يكون علي رأس أولويات القادة العرب في هذه المرحلة. ليس مع إسرائيل ولكن مع شعوبهم. ومن دون هذا التطبيع فإن السلام لايمكن أن يأتي، مهما تمسك القادة بخيارهم الاستراتيجي الذي نتمني أن يتحلوا بالشجاعة ويعتذروا عن خطأ التمسك به، لأن الخيار، أي خيار يشيخ إذا ترك علي سوقه أسبوعاً واحداً، فما البال بخمس سنوات؟ وقد شاخ خيار السلام، وأكرم موضع يمكن أن يختفي فيه هو براميل طرشي التاريخ!0