«خيال الموج» للتونسية هيام الفرشيشي: ركائز الخيال وحشر الواقع

حجم الخط
0

عن دار الثقافية للطباعة والنشر صدرت المجموعة القصصية «خيال الموج» للقاصة والناقدة التونسية هيام الفرشيشي، وتضم بين دفتيها تسع قصص قصيرة متنوعة في مضامينها، ذات معان تنهض على طروحات مقتبسة من الحياة ومتشظية في لوحات تغوص في غياهب التجريد والواقع.
ويستوقفنا ملمح مهم في تفضيلها لعنصر حيوي في أغلب قصصها، حيث يطغى البحر على مجمل الأماكن الضاجة بصياغة نص سردي متحيز للحركة، خاصة في ظل غلبة الموج، الكفيل بكسر الصمت، وفي موضع ثان تم توظيفه كشكل غير ثابت ليتكئ على الدلالة المركزية لهذا العنصر الطبيعي، ما جعل أغلب قصصها متحيزة لبيئتها، كانفعالات تشكيلية، معززة بظلال نورانية تارة، وأخرى قاتمة تارة أخرى، يتبعها مغزاها الأبعد بين الخير والشر، وصياغة نصوص متباينة في مضامينها ومكتنزة بلغة سلسة، مع انسيابية في الوصف، مرورا بعتبات الدهشة والحيز السحري من الاستكشاف كركيزة للخيال.
ويعد عنوان المجموعة، أول عتبة لتأويل مضمونها، عبر الكشف لقيمته الفنية على مستوى جملة النصوص المنضوية تحته، وقد استأثرت القصة الأولى «خيال الموج» بالعنوان، فكان بمثابة بوصلة في تجوالنا داخل هذا الكون المخيالي للقاصة.
في هذا السياق يقول أمبرتو أيكو «إن العوالم التخييلية هي بالتأكيد طفيليات داخل العالم الواقعي، إلا أنها تضع جانبا مجموعة من الأشياء نعرفها عن هذا العالم لكي يسمح لنا بالانغماس في عالم منته ومغلق، شبيه بعالمنا لكن أفقر منه». أما في قصة «طائر السماء» فتستحضر القاصة الأسطورة القديمة عن «طيور تعشش وتعيش في السماء ولا تموت» كمعطى أنثروبولوجي تضمنه بلوحة تشكيلية وتشيعه بألوان منحدرة من الحلم، دون تململ عن سيرة البحر وإيقاعه المتخبط في السرد» في ذلك البرج الأثري المتصدع، وجدنا فريقا مختصا في دراسة الآثار يتقدمهم أستاذ فرنسي وهو يتحدث عن تاريخ نشأته وعن تصميمه وعن أسباب بنائه في هذا المكان المرتفع قبالة البحر». لقد فرضت ذاكرة المكان وأوكلتها مهمة جوهرية في صياغة نصها السردي، بلغة مكثفة وشاعرية أحيانا. كما ابتكرت لكنة متجذرة من الذات المتفرسة في خرائط الكون ومطباته بين الماضي والحاضر. إنها المفارقة التي تتبناها القاصة، دون أن تغيب الخصائص المتلازمة للقصة وتحقيق شرطها الفني بين الوحدة وتكثيف الأحداث بطاقة إيحائية للثنائيات المتشابكة بين الإطروحات الأساسية، وواقع الحياةن ورؤية العالم من منظور مختلف.. كما تتكئ النصوص على ضمير الراوي العليم. وتطوف الأسطورة في لحمة قصة «غافية على ركبة الزمن» لتسبغ عنصر التشويق على الأحداث، وتثير الأسئلة في هدأة «الفج» ورؤيتها المزدوجة لصراع أيديولوجي بكل أطواره الفكرية المأزومة بين السقوط والضياع. ثم يتراءى لنا هاجس الكتابة في قصتها «كوابيس مبقعة بماء المطر» في حضرة الترميز والفعل التخيلي، بينما نتعقب روح المكان المأهول بمؤثرات الطبيعة، كالمطر والموج والغابة، لكنها لا تنأى عن خلق نسق مكابر في تحويل الوحدة والتخبط بين الذات والوجود، كمقتضيات لمرحلة الإبداع. «يتساءل الرجل المهوس بمراودة الأسرار الخفية، أنظر إليه ببرود، وهو يعود لجهاز «الآيباد» منشغلا بالكتابة».
ومن قصة إلى أخرى تنفتح المقاطع السردية على دلالات متعددة، لتفضي بنا إلى قدرة القاصة على تجاوز الكتابة النمطية، بل تدفعنا إلى الانغماس في عوالمها الفسيحة، واستجلاء كوابيسها وكائناتها الغريبة، المنحدرة من الخيال والعوالم السحرية، مثل الخفاش، حيث قذفت به في قصة «أثر الخفاش» وحكاية «رافاييل يسرد قصة قديمة» بعد أن غفت صورته بين صفحات الماضي البعيد، كمصاص للدماء مع دمامته، لكن روحه الشريرة عادت بقوة في مدينة وهان الصينية، لينتقم من الأذى البشري، وتحديدا من صخب المدن وشراستها. في خضم كل هذا تشير إلى طقوس الكتابة بعلامات نصية مثل الآتي: «كنت أبحث عن فضاء لقصة جديدة. ولم آت لهذه المدينة النائمة إلا باحثة عن سرّ غامض».
ثمة رمزيّة متشابكة مع السرد، في نص ومضي يشي بعدة تساؤلات، ويومئ إلى امتداد الرؤى الوجودية للقاصة، والمتمركزة حول الإنسان عبر بيئته المفتوحة، ومطعمة بحسّ ثائر، تجلّى في سياقات ضاجّة بالمشاهد، ومتفاوتة في اقتناص فضاءات غامضة وملغمة بإشارات عديدة، تقودنا إلى الحفر في متاهات السرد، كضرب من المسايرة للواقع، وإمعان في معالجات درامية مناهضة لتشوهات المجتمع.

كاتبة وقاصة من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية