جعفر العقيليكان قد عزمَ على مغادرة المقهى حين استوقفه عنوانٌ وهو يلملم الصحيفةَ المتناثرة صفحاتُها فوق الطاولة. فألغى مخططه وقرّبَ مقعدَ القشّ مستعيداً جلسته التي تُظْهِرُه منكبّاً على أمرٍ جلل. شابٌّ مربوعٌ حنطيّ البشرة، بتجاعيد حديثة العهد فوق الوجه، وعينين حادّتين لا تَشيان بما ينطوي عليه قلبه من طيبة. هكذا يبدو ‘حمدان’ الذي يجيء كل يوم إلى هنا، حاملاً صحيفةً يبتاعها من كشكٍ على ناصية الشارع، ويخرج متأبطاً إياها يعوزها الترتيب، وغالباً ما يتركها لدى سائقي السرفيس يتسلّون بحل الكلمات المتقاطعة، أو يقرأون الأبراج وما على منوالها.مما يأسف له ابنُ الحادية والثلاثين، أن هذا ما تناهتْ إليه حالُه. هو الذي اقترحَ لحياته مساراً مغايراً، والقرْشُ يجري بين يديه مدراراً. أمَا وقد خسر الذي فوقه وتحته، فما وجدَ سوى المقاهي يلوذ بها. ومنذ اهتدى إلى هذه تحديداً، فضّلها واصطفاها، لكونها قريبة من السرفيس الذي يقود إلى بيته، ولاعتدال أسعارها، فضلاً عن أن مرتاديها يتناقصون وتَقلُّ جلبتُهم، إلى درجة أنه يكتفي أحياناً بمؤانسةٍ من نارجيلة وكأس شايٍ، بين العاشرة والنصف صباحاً والواحدة ظهراً، فترة انخراط الناس في أعمالهم وانكبابهم على شؤونهم. كان قبل أن هَمّ بالخروج، قد أنهى مطالعة أخبار الرياضة، الجزء الذي يستهويه من الصحيفة؛ يبدأ أولاً بالمونديال ونتائج البطولات الكروية، وينتهي بما يعثر عليه من فضائح اللاعبين؛ فلان خان عشيقته، وعلاّن باعوه بكذا مليون، وثالث تعاطى المنشّطات، ورابع يتهجم على حَكَم المباراة.هو لا يأبه كثيراً للصفحات الأولى، بل إنه يتعمّد أن يتركها نهباً، يستعيرها أحدُ مرتادي المقهى من دون أن يشترطَ ‘حمدان’ عليه إرجاعها، أو ربما يستعينُ بها ‘الجرسون’ لمسح الطاولة.ولأن الأمر كذلك، فإن ‘حمدان’ يبدو غيرَ مهموم بالسياسة، إلا ما اتّصلَ منها بلقمة الخبز، لذا لم يتردد في التظاهر ضد الحكومة، بعدما سرت شائعات بأن لها ضلعاً في عملية النَّصْب التي وقعوا في شرْكِها، هو وآلافٌ غيره، في ما يُسمّى ‘قضية البورصات’. هذا ما سمعه بأمّ أذنه من مرشّح للنيابة حلفَ أغلظَ الأيمان أن ‘الحكومة شريكة فيها’. فمَن يُقنعه أن الشركات المرخّصة من الجهات الرسمية وفق الأصول، ‘طلعتْ وهميّة’!رغم ذلك، يقتضيه الإنصافُ أن يلقي باللائمة على نفسه، وعلى الذين تورطوا مثله، قبل أن يحمّل الحكومة أيَّ مسؤولية. فالقانون كما يردد والده ‘لا يحمي المغفّلين’. فمَن الذي أجبره على بيع محلّ ‘الستلايت’ الذي يحقق له دخلاً منتظماً، ليسلّم رأسه للمحتالين، منفقاً ماله على تجارةٍ يجهلها، فما جنى منها سوى ‘خراب الديار’؟أكله الندم، فأشاحَ عن الصحيفة على أهمية ما قد ينطوي عليه العنوان الذي حالَ دون خروجه، وانبعثتْ من صمتهِ تنهيدةٌ ونظرهُ معلَّقٌ صوب الباب، كأنما يترجّى أن يجالسه أحد، يبثّه شكواه. يحدث هذا كلّما ضاقت به الدنيا، أو عَنَّ على باله احتساب خسارته التي بلغت حداً كاد يضعه في السجن، فقد استدان ‘مِمّن يسوى وممّن لا يسوى’. أيُّ مغامرةٍ أقدمَ عليها! لم يكن يفهم شيئاً في البورصة، ليُلقي نقودَهُ عبر ‘الإنترنت’ لقمةً سائغة لأشخاصٍ ‘وراء البحار!’. تذكّر مشهدَ رصيدِه يتناقَص أمام ناظرَيه وهو يتخبط في الكبْس على الأزرار. ضربَ على جبهته بباطن كفّه: ‘وااااال ما أغباني!’.مما حَزَّ في نفسه، أنه لم يقْلِع عمّا أوقعَ نفسه فيه، متذرّعاً بأن ‘الغريق يتعلّق بقشّة’، فأودعَ ما تبقّى في حوزته، في شركة بورصة محلية، بتشجيع من شخصٍ يرتاد المساجد ويحظى بسمعة طيبة في المنطقة، إضافة إلى فتوى نسبوها إلى أحد المشايخ تقول إن هذه الشركة تعمل ‘في الحلال’.انشغلت أصابعه في تقليب الصفحات، وبين لحظةٍ وأخرى يجيل بصره أرجاء المقهى بانتظار أن يلمحَ ‘جرسوناً’ يطلب منه كأس شاي أخرى، ‘يُمَخْمِخ’ عليها ويَعْدِلَ بها مزاجَه. وصل إلى مبتغاه. كان الموضوع محشوراً في أسفل يمين الصفحة، وبخط صغير مضغوط. ألقى نظرة خاطفة على العنوان، وهو يشعل سيجارة ‘مالبورو’، التبغ الذي تعوّد عليه أيام يُسْر الحال، وما استطاع منه فكاكاً حين انقلب الزمان عليه.راقَ له مشهد هبوطه درجات الطائرة بالدشداش والغترة، في يمناه حقيبة ‘سامسونايت’ متخمة بالعملات، وفي يسراه أخرى محمّلة بما خفّ وزنه وغلا ثمنه.استتبعَ ذلك بمشهد الدائنين يصطفّون، يدفع لهم حقوقهم وزيادة! سيعود التاجرَ الذي كانَه! هذا ما قرره في حلم يقظته.حضرت الطلبيةُ أخيراً. رفعَ الكأس حتى لمست شفته ليختبر سخونةَ الشاي. وخلال رشفته الأولى عبّر عن رضاه عن الوضع بـ’تبويز’ شفتيه وهَزِّ رأسه مرتين.’يا أخي صحافتنا لا تفهم. موضوعٌ كهذا مكانُه على الأولى’، قالها لنفسه وما قرأ التفاصيل بعد! أخذته هموم الدنيا من جديد، وبردت كأس الشاي أمامه، واستحالت السيجارة التي أشعلها رماداً على طرف المنفضة. كأنما أصابه الزهايمر!لا عجب في ذلك، فما قرأه ‘حمدان’ عن الانضمام لـ’مجلس التعاون’ ليس سوى مقالة مشبعة بالأمنيات كتبها قارئٌ نكِرَة يبدو أنه محاصَر بـ’الطَّفَر’ مثله.كاتب من الأردن