خيل الحكومة عندما تعجز..
فيصل عبد الحسنخيل الحكومة عندما تعجز..لم تكن المرأة تعرفه في هذا السوق المزدحم بالناس والبضائع والسيارات، اعتقدت أنها تعرفه أو أنها رأته منذ زمن بعيد، ربما رأت رجلا غيره واعتقدته هو.. ربما… يا لهذه الذاكرة المضطربة، لا تستطيع أن تتيقن من أي وجه أو من أي شيء بعد اليوم، ألم يقولوا لها إنها مصابة بمرض…… وحاولت أن تتذكر اسمه لكنها نسيت أسم المرض أيضا، تريد الآن أن تتذكر عنوان بيت أهلها فقط ولا تستطيع:وحاولت أن تختبر ذاكرتها بقراءة قصيدة هنري ميشو التي أعجبت بها منذ فرضها عليهم الأستاذ في درس الترجمة عن الفرنسية حين كانت طالبة في الجامعة، وحفظتها عن ظهر قلب وكانت ترددها بين الحين والآخر خصوصا حين تتفاعل داخلها مشاعر غريبة تمتزج بين الواقع والخيال، محاولة طيلة الوقت أن تفرق بين الحلم والواقع، حاولت أن تتذكر لكنها لم تنجح، كانت فيما مضي تردد بصوتها الأبح المحبوب من قبل السامعين مقاطع القصيدة وهي تحرك رأسها يمنة ويسرة لتنال جدائلها كسبائك الذهب الإعجاب من زملائها وترسم علي شفتيها أجمل ابتسامة ممكنة تدربت عليها طويلا أمام مرآة دولاب غرفة نومها، وكانت فيما بعد تعزوها إلي شقاوة الشباب وتطلعاته البريئة لنيل إعجاب الآخرين في الكلية والمحلة، هي الآن لا تستطيع أن تتذكر تلك القصيدة الهائلة التي يقول فيها الشاعر: (كنت أحلم أني نائموبالطبع لم تنطل علي الخدعة،إذ كنت أعرف أنني مستيقظإلي أن حلت اللحظة التي استيقظت فيهافأدركت أنني كنت نائما.) كنت أحلم أني نائم، هذه القصيدة التي حفظتها ونلت في ترجمتها أعلي درجة بين أقراني من الطلاب وكنت أرددها منذ سنوات نسيتها أيضا، يا إلهي لقد انتهيت حقا، وكل الذي حدث لي بسبب ذلك الحب المريض الذي ربطني بعجيب، هذا الرجل العجيب حقا، الغيور حد العجب ما أن تزوجني حتي حجبني عن الناس جميعا، حتي أنه كان يتوسل لي أن لا أذهب إلي المحلات التجارية لشراء حاجات البيت وكان يذهب بنفسه ليقضي لي أي حاجة أطلبها وكنت أعجب لصبره العجيب وهو يلبي جميع طلباتي الصغيرة والكبيرة دون كلل أو ملل، وحين كنت اسأله، لماذا لا يتركني أساعده في بعض الأمور، كان يخبرني وهو يقبلني، أني حبه الوحيد ووعده الأخير، وأنه لا يطيق أن يراني أحد، وهو حريص علي سعادتي وإرضائي مهما كانت الصعوبات والشدائد التي تواجهنا معا ( لم أكن جميلة للحد الذي أيقظ جنون غيرة عجيب بهذا الشكل المريض ولم أكن امرأة طائشة لا تؤتمن علي شرفها وشرف زوجها فتمنع من الخروج إلي الحياة والناس كما فعل معي عجيب، فقد ترعرعت في عائلة متوسطة الحال متدينة تحاسب أولادها وبناتها حين يبدو عليهم أنهم علي وشك خرق تقاليد الأسرة أو الخروج علي ما أمر به الدين.) كان خطأي الوحيد القاتل أني أطعت عجيب وغفرت له حبسي في البيت وصدقت كلام أمي الجاهلة وأنا الفتاة الجامعية، والتي كانت تخرق لي طبلة أذني وأنا اتصل بها هاتفيا معبرة لها عن ضيقي بهذا السجن الذي حبسني فيه عجيب، قائلة دوما بنبرة الأم الصالحة المحبة لابنتها والتي لا تتعب من كيل النصائح:ـ الزوج المحب هو الذي يقضي جميع حاجات زوجته..ـ الزوج الغيور علي زوجته هو الزوج المخلص إلي الأبد…ـ الزوج الصالح هو الزوج الذي يمنع زوجته من أن يراها الناس.. وتتابعت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات وأنا في سجني وعجيب مندوبي الوحيد إلي الحياة والناس والعالم وبسبب عدم خروجي إلي خارج البيت وعدم تنفسي هواء نقيا وبقائي لفترة طويلة بين جدران أربعة بدأت تسوء صحتي ويظهر الشيب في رأسي وبدأ القلق والتوتر يسيطران علي تصرفاتي، وفي بداية محنتي أخذت كل صديقة تزورني ولا أبادلها الزيارة بسبب زوجي عجيب تفتر علاقتها بي وتتوقف عن زيارتي، فالعلاقات بين الناس مثل الزرع الذي لا يحصل علي العناية والسقي المستمرين فإنه يصفر شيئا فشيئا ويذبل ويموت…وأخذت صاحباتي يغادرن مكانهن في قلبي واحدة بعد الأخري فلكل واحدة منهن مشاغلها ومشاكلها، وقد شاء الله أن لا نرزق أنا وعجيب بأطفال، والحمد لله لما فعل بنا ربنا فهو العارف بالغيب وعارف بما سيحل بزيجتنا، فلماذا يؤذي طفلا أو طفلين ويجعلهما ضحية زواج فاشل وعلاقة زوجية مرضية ؟ ورزقت صديقاتي بأولاد وبنات وانشغلن بما رزقهن الله عن صاحبتهن المحبوسة في دارها، حيث عجيب الذي يقول: ( شبيك لبيك عبدك بين يديك)، بعضهن كن يحسدنني ويذكرنني بأزواجهن غير المبالين بهن وأولادهن يمضون وقتهم هنا وهناك، وهن يتحملن كامل مسؤولية الأبناء، ابتداء من توصيلهم إلي المدرسة وحتي انتظارهم عند باب المدرسة ومراجعة الأطباء حين يمرضون والبحث عنهم في بيوت الجيران عندما يتأخرون في الرجوع إلي البيت ومصاحبتهم في الأعياد والمناسبات المدرسية، ليس هذا وحده بل ومشاركتهم شجونهم ومشاكلهم ومشاجراتهم مع أبناء الجيران، هذا غير قضاء حاجات البيت من تسوق وشراء ملابس للأبناء وتسديد أجور الهاتف والماء والكهرباء وتسديد فواتير الديون وبعضهن موظفات يؤدين كل هذه الواجبات إضافة إلي واجباتهن في الوظيفة وكل واحدة منهن تقول لها:ـ ما أحلي وحدتك، ما أعذب سجنك الدافيء الجميل، يا ليتني كنت مثلك لأخلص من كل هذا العذاب وهذه الهرولة التي لا تنتهي.. وهنيئا لك بكل هذا النعيم فقد كنت خير فتاة فينا وجازاك الله بهذا الزوج المحب، المقيم علي خدمتك ليلا ونهارا لا يكل ولا يمل كأنه عفريت مصباح علاء الدين المطيع…هنيئا لك علي هذه الجنة التي تعيشين فيها.. وليت لنا مثل ما وهبك الله تعالي..كانت تتحير في أن تجد الجمل المناسبة التي ترد بها علي هذا السيل من كلمات الابتهاج والفرح بالخلاص من الواجبات والأعباء، ماذا تقول لهن ومهما تقل لهن فهي محسودة علي سجنها.. فتلوذ بصمت رهيب تظنه الحمقاوات موافقة علي إطراء العيش الذليل الذي تعيشه صاحبتهن المسكينة.. أخذت تشعر مع مرور الأيام بضجر قتال وآلام في القسم الخلفي من الرأس وكانت داخلها رغبة دائمة في البكاء من دون سبب، وربما تفاجئها نوبة البكاء وهي في وضع لا يمكن البكاء فيه ومن يفعل ذلك يتهم بالجنون وعندما أخبرت أمها بما يحدث لها من نوبات بكاء وضيق، اعتقدت الأم كما تظن باقي النساء غير المتعلمات أن ما يحدث لابنتها هو بتأثير نوع من الجن، الذي يركب الزوجات الصالحات ولا يغادرهن إلا بعد أن يتركهن وهن قريبات من الجنون، وعندما عرف عجيب من أمها بهذا الأمر تراخت قبضته علي باب سجنها ويا ليته لم يفعل ذلك وبقي كما كان سجانا قاسيا حتي النهاية، فقد بدأت رحلتي الطويلة من العذاب مع أمي وصاحباتها، وممن لديهن خبرة في علم محاربة الجان وعرفت ما لم أعرفه من قبل، عرفت أن شيطانا يكلف بكل إنسان فإذا مات أو قتل تحرر وعاش بقية حياته، وعرفت أن أعمار الشياطين طويلة جدا بالمقارنة بأعمار البشر ولهذا قد يحضر الشيطان القرين بعد موت الإنسان أو مقتله علي هيئته بل وبصوته في الغرف الفارغة أو البيوت المهجورة لفترة طويلة، وربما مثلت الشياطين جريمة القتل في مكان حدوثها نفسه وقد ينجح ا لبعض في استحضار القرين لبعض من ماتوا من البشر وهو ما يسمونه بمجلس تحضير الأرواح، وقد رأيت الكثير من هذه المجالس المرعبة، رعب ليس له مثيل تعرضت له في رحلة البحث عن علاج لمرضي، وحكايات سمعتها أغرب من الخيال كنت أصدقها حالما أسمعها فيزداد قلقي ويزداد حالي سوءا. وكان عجيب ينظر لي نظرة اليائس كأنه ينظر إلي علبة ثقاب فارغة لا قيمة لها وعليه أن يرميها في أقرب سلة نفايات، وكان ينتظر بفارغ الصبر اللحظة المناسبة ليطلقني، وحاولت أن أسترجع بعض الثقة بنفسي بأن قررت أن أذهب إلي طبيب نفسي لطلب العلاج ووافق عجيب علي مضض ورافقني في زيارتي للطبيب وعندما عدنا من الطبيب سخر مني قائلا: عليك أن تفرحي الآن فأنت حسبما أخبرك الطبيب تتمتعين بازدواج الشخصية فأنت الآن علي حد قوله.. لن تعاني بعد الآن من الوحدة في البيت.. وكركر ضاحكا كأنما سمع نكتة…لم يفد الطبيب النفسي كثيرا لأن مرضي تحول فيما بدا علي من أعراض إلي مرض عضوي، أصيبت خلاله خلايا المخ، وعندها بدأت رحلة النسيان المريرة تأخذ طابعا خطيرا، أتذكر الآن شيئا لأنسي شيئا آخر.. أتذكر أشياء حدثت منذ سنوات وأنسي اسم الشيء الذي أخبر به منذ لحظة، وعند ذلك صنع معي عجيب مثلما كان يفعل بخيل الحكومة عندما تعجز عن الخدمة، فقد طلقني وهو غير آسف هي ذاتها طلقة الرحمة التي توجه إلي الخيول العاجزة، فعدت إلي بيت أهلي مريضة، مكلومة الفؤاد لا أتذكر بعد ذلك ما حصل لي ربما سأتذكر ذلك بعد أن أتذكر أين أسكن، وما هو عنوان بيت أهلي لأعود إلي البيت واقسم أني لن أغادره بمفردي ثانية حتي أشفي من مرضي، أما الآن فعلي أن أبحث في الوجوه عن وجه أعرفه يرشدني إلي بيت أهلي وسط هذا السوق المزدحم، ربما ذلك الوجه أعرفه إنه ينظر باتجاهي ويبتسم ولكنه يمر بي دون أن يحييني، إنه لا يعرفني، وأنا لا أتذكر أني رأيته من قبل يا لهذه الذاكرة المثقوبة، ستضطرني يوما أن أصبح شريدة، مثل خيل الحكومة العاجزة. كاتب من العراق يقيم في المغرب0