ايرز تدمور قراءة في مقال مئير بلايخ (‘لمن هذا العجب’، 3/1/2012) الاسبوع الماضي، ببساطة قد توصل الى الاستنتاج بانه يريد منا ان نمنح الفلسطينيين الحرم مقابل فوز القدس في منافسة المدن العجيبة السبع. من جهة واضح أن نهج بلايخ ‘ناضج’ أكثر ويتضمن تقديرا بانه الى جانب الفوز في المنافسة سيوفر تقسيم المدينة ايضا ربحا في شكل اتفاق سلام. من جهة اخرى، المنطق الذي يقبع في أساس الحجة الصبيانية، التي تقرر بان علينا ان نقسم القدس كي نفوز بالشعبية، هو المنطق الذي يطالبنا بالتخلي عن الاماكن الاعز على قلب الشعب اليهودي مقابل السلام. في الحالتين هذه محاولات لاقناع الشعب اليهودي بالتنكر لحقوقه وقيمه مقابل اغراءات مادية وملاطفات من جانب أمم العالم. وسواء كان الاغراء الفوز في منافسة غبية أم وعدا بالسلام، فان شعبا محبا للحياة لا يتخلى عن هويته وعن شحنته القيمية والروحية. فالقدس ليست موضوعا للمفاوضات، والسبب في ذلك بسيط: تخلي الاسرائيليين عن القدس اليهودية ـ التاريخية (الحرم، البلدة القديمة، مدينة داود وجبل الزيتون) سينزع الاصل الاخلاقي للصهيونية ويضع في ضوء سخيف مشروع عودة صهيون. وستكون هذه ادارة ظهر لهويتنا، خيانة القيم التي باسمها عدنا الى صهيون واعلان يقول ان حلم القدس المبنية لم يكن أكثر من شعار ثابت. ‘عندما يترك اليهود القدس، تبدأ الفكرة الصهيونية بالانهيار. وهي ستندثر في ذاتها بشكل طبيعي’، هذا القول لم يقله اسحق شمير أو بنيامين نتنياهو. هذه الامور قالها قبل نحو سنتين عباس زكي، السفير الفلسطيني في لبنان الذي سأل المذيع: ‘اذا ما ترك اليهود القدس، فماذا سيتبقى من كل تلك الاحاديث عن أرض الميعاد؟’.وغني عن البيان ان زكي سأل ذلك بشكل مجازي إذ أنه يعرف الجواب جيدا. وأقواله تشبه على نحو مدهش أقوال وزير ايراني في الماضي. أعداء الصهيونية يفهمون جيدا بان تقسيم القدس معناه تصفية المشروع الصهيوني. ليس تصفية فورية بل تصفية تدريجية، تصفية تخرج الهواء من أشرعة الصهيونية. معارضو التخلي عن القدس اليهودية ـ التاريخية يفهمون ما يفهمه الفلسطينيون. فهم يفهمون بان الدول والشعوب تعيش قبل كل شيء على أساس القيم والايديولوجيا، وبعد ذلك فقط على أساسات مادية. في البداية توجد الروح، وبعد ذلك تأتي المادة. اذا ما كسرت روح الامة، فالانهيار المادي هو مسألة وقت فقط. بينما يدعي اليسار بان تقسيم القدس ضروري لمنع الدولة ثنائية القومية، تفهم أغلبية الجمهور بان العكس هو الصحيح ـ تقسيم القدس هو حكم بالموت للصهيونية. لمنع دولة ثنائية القومية لا حاجة للتخلي عن الحرم أو عن مدينة داود؛ يكفي التخلي عن اجزاء من يهودا والسامرة، وفي اقصى الاحوال عن بعض مخيمات اللاجئين خلف الجدار في القدس. ليس صدفة أن الفلسطينيين ليسوا مستعدين لان يتخلوا عن تحريك خط الحدود في القدس عن خطوط 49 ببضع مئات الامتار، ولا حتى مقابل مردودات هائلة. زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية، التي اخترعت في القرن الماضي، يفهمون بان الشعوب تعيش أولا وقبل كل شيء على أساس الفكرة، الرؤيا والرموز. ونحن بالذات، ذوي القومية التي تعود الى الاف السنين، بدأنا ننسى ذلك. بدأنا ننسى قسمنا الخالد الا ننسى القدس. وذلك لاننا نسعى الى البحث في المسائل الوجودية من زاوية نظر مادية بدلا من زاوية نظر روحية. الاعتراض على تقسيم القدس ينشأ عن 3.500 سنة من التاريخ اليهودي. نحو 3.000 سنة مرت منذ نقل الملك داود قصره من الخليل الى القدس. 2.597 سنة مرت منذ خراب الهيكل الاول. 1.941 سنة مرت منذ خراب الهيكل الثاني، ونحو 1.900 سنة حلم فيها الشعب اليهودي في السنة القادمة في القدس المبنية. وعندما حلمنا بالقدس المبنية لم نحلم بالمجمع التجاري المالحة او المقهى في عيمق رفائيم. حلمنا بالحرم وبمدينة داود. عندما تكون هذه زاوية النظر فان الضغوط الدولية ليست أكثر من مصدر قلق عديم المعنى. معاريف 11/1/2012