د. توفيق قريرة تصدير: من يَضَعْ نفسَه بين عَلفِ الدَّجَاج، تُبَعْثرْهُ أرجْلُها [مثل تونسي مفصَّح]زعموا أنّ الدجاج كان برّيّا قبل أن يُدجَّن ويُهَجَّن كغيره من خلق الله.. وأنَّ الدّيك كان يبيض في السنة بيضة كبيرة تباهي بها دجاجاته بقية الطير، قبل أن تجعلها دواء لِمَا يُمْكِنُ أن يطرأ من عِلل وكان السّعال الديكيّ أبرزها.. كان يصيب حبال الديوك الصوتية وأوْدَاجَ الدّجَاجَات فلا تُقَاقِي هذه ولا تؤذّن تلك؛ وكان إذا استقبح الدجاج صوتا من أصوات ديوكه صبرت عليه إلى أن يعتلّ بحمّى الدّجاج؛ ثمّ تمنعه أن يٌسقى من عسل بيض الدّيك أيّاما حتى يفقد صوته.. وحين يفقد صوته يفقد فحولته الديكية فتعافه الدجاجات وتزدريه الديكة. وباستثناء هذا الدّاء الصوتي، عاشَت الديوك على مرّ العصور سعيدة مع الدجَاجات تقتَاتُ على دود الأرض ولم تكن تعرف الحبوب ولا نقرها؛ فقد كانت لاحِمَة غيرَ عاشبة. كان بيضها أكبر ممّا نعرف اليوم ولكنه كان يميل إلى السّواد ولذلك كانت ديوك العَرَب تسميه ‘سَوْدًا’ وحين تضع الدجاجة ما بات يعرف باسم البيض كان يقال إنها ‘سَادَتْ’.. ولمّا ‘يَسُودُ ‘الديك سَوْدَتَه المَوسمية، كانت تقام الولائم وتقاقي الدجاجات حوله حتى يضع حمولته الكبرى فتكون حصادَ العام وداءً للسّقام. وكان أحسنَ مأكل للديوك وأطيبَ ما يتهادونه في الأعياد ويخطبون به ودّ الدّجاجات دودُ القزّ. بعض الأساطير تقول إنّ الديوك اكتشفت دودة القزّ بُعيْدَ خروجِ آدمَ من الجنّة، فلقد كانت الدّودة عالقة بورقة التوت التي كانت تغطي سوأته وسوأة حوّاء.. واستطاعت أن تعيش على النّبات حتّى غرست على الأرض أولى شجرات التّوت، فعادت تقتات عليها.. واكتشفت الديوك حين تناولتها أوّل مرّة مذاقا عجيبا لم تعرفه من قبل؛ حتّى إنّ أصوات الذكور منها اشتدّت وصَفَتْ وترطَّبَتْ مَخَارِجُ البَيْضِ وتليّنت للإناث.
وبهذا الاكتشاف صار دُودُ القزّ كنزَ الدّجاج؛ لذلك ارتحلت الدّيوك إلى بلاد التُّوت البعيدة بحثا عنه وحاولت الديدان حمايةَ عُنْصُرِها، ففشلت وقرّرت أن تطوّر ما ييسّر لها البقاء. و تقول أسطورة أخرى إنّ الدّجاج ما تسلّط على دُود القزّ إلا بعد أن دَعا سيّدنا آدم على هذا الدود بالوبَاء لأنّه كان- وهو يأكل ورقة التوت التي تستر حوّاء- يكشف سوءتها أكثر فأكثر.. لم يكن ذلك غيرة على حوّاء من الشيطان الذي كان ذكرا في النهاية؛ بل لأنّ آدم اكتشف تفاهة مَا لأجله غادر الجِنَانَ.
المهمّ أنّ ديدان القزّ اجتمعت، وقرّرت أن تنتج شيئا ينتقم لهَا من الدّجاج.. فاتفقت بعد تباحث وطول نظر على أن تخرج من فمها مخاطا أو لُعَابًا يصير بفعل الهواء خيوطا هي التي تسمى اليوم خيوط الحرير.. تلتفّ الدودة بتلك الأنسجة فإذا جاءت الديوك لتنقرها تكمّم لها منقارها بكوكبة الخيوط المتينة مدّة كافية لمَنْعها من الطّعَام فتنفق بذلك جُوعا. نجحت الحيلة في القضاء على الدجاج الطمّاع لكنّ الدجاج الحيّ كان يقضي على الدّود الذي ينزع عنه لحاف الحرير الذي يغطيه بعد أن يكبل مناقير الديوك. لم تكن الحيلة لِتُرْضِيَ الديوكَ ولا الدُّود َ؛ فقرَّرَ الجَمْعَانِ إبرام معاهدة لإنقاذ سلالتيهما من الاندثار. كان الاتفاق على أن يحرّم الدجاج على نفسه أكل دود القزّ في مقابل أن يساعده الدّود على تحسين بيضة الديك الموسمية بأن يجعلها ليّنة الملمس ذهبية اللون؛ ويقتضي ذلك بأن يطعمه الدود شيئا من خيوطه التي تساعد على جعل الأسْودِ نقيُّا والنقيّ ذهبيّا. وافقت الديوك على الصفقة لأنّها سترى لونا جديدا لما تضعه يشبه الشمس وقد تتباهي به وتفاخر ديوكا أخرى كديوك الروم التي تضع بيضا أكبر من بيضها وأقلّ سمرة.
لم يكن ديك الروم الديكَ الوحيد الذي ينغّص على الديك العربي زهْوَهُ؛ فديكُ السُّودَان يتّهمُ ديكَ العرب بأنّه هجينٌ متنكّر لجلدته وأنّ دليل أصالته في لون ‘ بيضته’ وأنّ الدجاجات لا تضع حين تضع إلا ما يذكّر بسواد أصلها. وكان ما يعكّر على الديك العربي صفاءَه أن تتحدّث الدجاجات فيما بينها وفي سرّها عن ديك الروم؛ فهو عند أكثرها ديكُ الأحلام، يمشي كالمُلوك رَصينا فيه خُيلاء الفرسان وعبوس السّادة؛ وهو الذي يجعل بيض الدّجاج بلون أصهب يميل إلى الحمرة وهذا هو اللون المفضل لدجاجات العرب. لذلك لم تكن دجاجاتُ العرب سعيدات بهذا الاتفاق الذي تمّ بين الدّيُوكِ والديدان لأنّها ستحافظ على لون ما تضعه؛ ولن يفيد دجاجة أن تتباهي ببيض ديك حتّى وإنْ كان ذلك الديك ذَكَرَهَا؛ فهي تشارك غيرها فيه؛ وهو مزهوّ لا يرى غَيْرَ نفسه وسيزيده تحسينُ بيضه من الغرور الذي تكرهه فيه. في ذلك العام وضَع كل ديك بيضة لطيفة الملمس ذهبيّة أذهلت كٌلَّ ديُوك العالم.. الرومية والسودانية والهندية.. وجاءت الدّيَكة من كلّ صَوبٍ ونَجْدٍ لتَرى أعجوبة الدُّنيا وتهنّئ الديك لبيضة لم تكم لأحد من قبلُ وتسأل عن السرّ وما يخفى.. وفي غقلة من ديكة العرب المحتفلة بالنّصر، قرّرَت دجَاجَاتُ العرَبِ أن تسرق شيئا من خُيوط الدُّود الحريرية حتى تبَاهي هي أيضا ببيضها الذهبي.. لكنّها حين اعتلفتْه ليلا، وجدت طعمه مختلفا وعلق في حلقها لذلك قرّرَتْ أن تمزجه بسائل ييسّر بلعه، فنقعت كل الخيوط في إناء كبير من الحليب وشربته.. غلب لونُ الحليب لونَ الحرير الذهبي لذلك صار بيضها أبيض.. فرحت به وزفّت الخبر لديكتها فوجدت في ذلك فخرا آخر تزهو به على ديكة السّودان والرومان.. لكنّ خيوط الحرير فسدت بفعل الحليب فلما اعتلفها الديكة في عامها التالي قطعتْ بيضها وقلّلت من فحولتها وصارت تعوي وتؤذن ولاتبيض أهاج هذا الخبر الدّودَ.
وقرّر الديكة أن تقتصّ لأنفسها لا من الدجاجات بل من دود القزّ فباعدت بينها وبين شجر التوت وعاشَ الدود على الكَفاف يقتات من أخبث النّبت وأخَسّه؛ واجتهد الديكة في التداوي فمَا حسنت أحوالها قطميرا. وكان أحفادُ آدم يعلمُون بما آل إليه أمر الدّود والدّيكة والدّجاج فأقنعوا الديكة بأن تستعيض عن الدود بغذاء نباتي قد يكون مُفيدا في الخصوبة لذلك قدّمُوا لها البذور؛ ووضعوا فيها ما يجعلها تدمنه وتنسى الدّود؛ وغرسوا للديدان أشجار التوت التي تريدها وطعّموها بأشجار الكروم والبرتقال فعادت إليها وقد صار الدجاج في غفلة عنه بما أدمن عليه من بذور.. وحين رَانَ السّلام بين الخصمين ونسي الديك بيضه الذهبي وغفل دودُ القزّ عن لُعَابه الحريريّ، وسوس الشيطان في أحفاد آدم أن صيروا تُجَّارا بما اجتبيتم من سَلام بين الدجاج ودُودِ القزّ حتى لا يجد الديك ما يذكره ببيضته الذهبية اليتيمة؛ ولا يفْتِك الدود بمناقير الديوك التي ولعت بالأذان شرقا وغربا.. بذلك راجت تجارة الحرير وباع الديك بيض دجاجاته من أجل معاقرة نقر الحبوب.. ونسي كلّ موتور وتره إلى يوم الدين. * كاتب من تونس