خَفَقات رومانغارية..!

حجم الخط
0

لطيفة اغباريةكان قلبي يخفق كلهفة عاشق، كلّما ارتفعت الطائرة..، وكأنني لأول مرة أرقب خريطة الأرض بجمالها عبر نظرات أختلسها من نافذة صغيرة…فكل مدينة لم أكشف معالمها، هي أشبه بتجربة جديدة، إمّا أن تنتهي بعشقي لها حتى الهذيان، وإمّا بكرهها ثم الهجران. استفقت من تلك اللحظات…، حالما بدأت أجنحة الطائرة تهتز معلنة بداية الهبوط في مطار مدينة فارنا البلغارية، والتي أقوم بزيارتها لأول مرة، وسرعان ما انقطع حبل لهفتي وشوقي…، وقلتُ في نفسي’تبًّا لهذا الاختيار الفاشل المتسرّع’، يبدو أنّني قد أخطأتُ هذه المرّة في اختيار وُجهتي السياحية، و’المكتوب يُقرأ من عنوانه’، ومن خلال هذا المطار المتواضع البسيط، جزمتُ أنها مدينة كئيبة لا تفي بما رسمته في مخيّلتي عنها أثناء تحليق الطائرة في الجو.استمر لومي وعتابي لنفسي عندما أقلتني الحافلة من المطار حتى وصلنا الفندق، أنظر حولي علّني أجد ما يفتح قريحتي لتغيير انطباعاتي السلبية التي خيّمت على أفكاري، ولكن عبثا، فالأشجار على حافّتي الطريق لا تنم عن أي تفاؤل فقد شحَّ اللون الأخضر الفاقع النضر الذي لطالما بحثت عنه، ففضّلتُ النوم العميق فلا شيء سأخسره. بعد مرور ساعتين، وجدتُ نفسي أمام الفندق..، ألقيتُ الحقيبة والحاسوب النقال المُثقل بالأخبار، وخرجت للتو أستكشف معالم هذه المدينة، هذا إن كان بها ما يستحقّ أن يُعشق؟ بكلّ الأحوال لا يجب أن نحكم على الأمور من النظرة الأولى، فليست كل أنواع الحبّ الحقيقي قد وقعت بعد هذه النظرة. عدتُ أدراجي من السوق بعد أن بدأت المدينة تكتسي بالوشاح الأسود، وقد بدأ يضج بضجيج المتجولين وكان معظمهم من الأجانب، خلال عودتي كنت أجول بنظري يمنة ويسرة حتى لا يفوتني شيء، وقد أعجبتني تحفة مزدانة بألوان زاهية استوقفت أتأملها، ولم التفت لعقارب الساعة..إلا عندما سألني شابّ حنطيّ اللون، إن كنت تركية، فأجبته ‘انني فلسطينية’، فابتسم: ‘هم إخواننا في الكويت، ونأمل تشريفك لدولتنا’…فأومأتُ برأسي: ‘آمل ذلك إذا زالت الحدود، فنحن من فلسطينيي ألـ 48’. وعدت للفندق لأنام ليلي الطويل بلا أرق، في انتظار نهارات جديدة. هي نهارات لطيفة، بدأ قلبي يخفق تدريجيا لعشق هذه المدينة، ولا عجب في ذلك، أدوس رمالها الذهبية الشهيرة، تغوص قدماي للأعماق، فأتشجّع لأتقدّم نحو الأمواج المرتفعة، فهذه المياه تقوّي العِظام وتزيل آلام المفاصل، وأنا بحاجة لمزيد من القوّة في قدماي، لأنّ أمامي ساعات وأيام عديدة أريد أن أقضيها سيرا على الأقدام، والتنزّه بمحاذاة الشاطئ وصرف ‘الليفات’ في اقتناء كل ما تبرق له عيناي من حقائب جلدية تشد الناظر إليها، إكسسورات، مستحضرات تجميل مصنوعة من زهر الورد الشهيرة، وروائح تنعش الأنفاس. وبعد عناء هذا اليوم من التجوال، يتوجبّ عليّ أن أجلس قبالة فنّان مبدع يخط بأنامله السحرية ملامحي المُتعبة. فأقضي ليلتي أقارن اللوحة بملامحي الأصليّة…فأجدها تشبهني كثيرا، إلا من اختلاف بسيط اللهُمّ إنّها تبدو أقل عطشا ولهفة لحبّ الاقتناء والتملّك. تلك نهارات قضيتها في جولات تنقلية بعضها سيرا على الأقدام، وأخرى في ‘جيبات’ مضى عليها ثلاثة عقود، إلّا أنها تتمتع بمزايا تغطي على شدة هرمها كالسير في الجبال وبين الغابات الممتلئة بالأشجار الشاهقة، واختراق مياه الأودية، وغالبا ما كانت جولتي هذه مقتصرة على زيارة لقرى صغيرة تحيطها كروم العنب والأشجار المختلفة، التي يعتاش سكانها على الزراعة، وعلى صُنع النبيذ اليدوي، وتربية الدواجن. وكنتُ قد غبطت العجوزين فلاديمير وزوجته بيبي على تعلقهم بالأرض. وبكل الأحوال فإنّ هذه القرى بما في ذلك المدن تحتاج إلى الكثير من التطوير برغم المساحات الشاسعة من الأراضي. وإلا لما امتلأت الصحف بأخبارها الساخرة من قرار ترشيح الحمار ‘ماركو’ لرئاسة بلدية فارنا بدلا من عمدتها الحالي. فهل تكون رومانيا أفضل حالا من بلغاريا؟ بعدما شعرتُ بالاكتفاء ممّا زرته في فارنا، من معالم سياحية أخرى معظمها كنائس، ومللتُ من التنقل بين المقاهي لشرب قهوة الاسبرسو. كنتُ قد تعرفتُ إلى المرشدة السياحية ‘مارغاريتا’ التي اقترحت عليّ زيارة مدينة ‘كونستانتسا’ في رومانيا، والتي تبعد عن فارنا بالحافلة ست ساعات ذهابا وإيابا، فرّحبتُ بالفكرة…فلا ضير في كشف معالم مدينة أخرى تطغى عليها الملامح الإغريقية. وأيُّ قلب لا يستطيع أن يخفق بتواتر شديد رغبة في اكتشاف معالم تلك المدينة؟ نعم…لقد وقعتُ في حبّها من النظرة الأولى، رغم أنّ زيارتي لها اقتصرت لخمس ساعات لا غير، فمدينة تصمد بوجه الاستعمار كفيلة بتحريك مشاعري لأن أعشقها!. زد على ذلك أنّ أزقة هذه المدينة قد ذكرتني بعكا، ففيها مبانٍ قديمة قد سيطرت عليها الدولة. وهناك مسجد قديم وكنيسة متعانقان، ويقابلهما كنيس على الجهة الأخرى. تفتقر هذه الأزقة الى أسواق ضخمة، ففي سوق هذه المنطقة المتواضع تجد فقط مُسنّات يحترفن مهنة التطريز بكافة أشكالها. في طريق عودتي من كونستانتسا كنت قد ملتُ برأسي على زجاج نافذة الحافلة الصغيرة، أصغي لشرح مارغاريتا، وعيناي تتأملان تارة الأراضي الواسعة المزروعة بالخضار وتارة أخرى أتأمل قرص الشمس الذي أشرف على الغروب متراكضا مع سرعة الحافلة…وفي ذروة شرودي قطع حبل أفكاري صوت ‘مارغاريتا’ ‘لا بدّ وأنكم تذكرون إعدام تشاوشيسكو وزوجته’. لم أصغِ لما قالته بعد ذلك…، فكل ما أريد أن يعلق في ذهني شدة عشقي وتعلقي بفارنا وكونستانتسا….لكن يبقى عشقي الحقيقي لفلسطين.*كاتبة وصحافية من ‘أم الفحم’ ـ فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية