لِمَن لا يَعرف التنور في ثقافتنا المَحلية فَهو فُرنٌ يُبنى من الطين، ثم ينصب في مكان بعيد عن المطر ينضج فيه خُبزُ الحِنطَةِ المُخَمرُ، بعد أن يُحمَى جيدا.
في الريف التونسي المتناثرِ هنا وهناكَ في الشمَال الغَربي كَانَ خبز التنور مع الكُسُكسي الطعامين الأسَاسَيينِ؛ بل هُمَا هويتانِ غذائيتانِ تشكلان نوعا من الميزة الثقافية الدالة، التي يمكن أن تراها بعيني سيميائي لا يرى في الطعَام حاجة، بل تَعبيرة ثقافية. كانَ المطبخ الريفي هناك محليا بأكمله، إذ يُصنع الماعون من الطين الخالص، وعلى ما يبدو كانت كل أسرة تصنع قدورها وطواجينها وتنانيرها وكوانينها، ثم بمرور الوقت صارت هذه الصناعة حكرا على نسوة دون أخريات، هي صناعة نسائية بربرية، لأنها جزء من تدبير المطبخ، وهذا شأن نسائي، وشأن الرجال تدبير المعاش العام لا اليومي من الزراعة.
الطين الذي يصنع منه الماعون ليس أي طين، هو طين خاص يصلح أيضا للبناء المتين، هو لا يتفتت بسرعة لأن الطبخ كله يخلط بالماءِ، لذلك على الصناعة أن تكون متينة، يبقى الشكل طرازيا ويمكن أن يوشى بشيء من القطران، الذي يشبه الوشم على أجساد صانعاته. كانت جدتي التي تحمل على وجهها ويديها وشما وتضع في أذنيها قرطين يتدليان ويضجان بالسلاسل، تصنع هذا الماعون الفخاري لنفسها ولأولادها ولجاراتها ويهدينها ما تيسر من البيض أو من الدجاج فترده ولكنها تقبله، حين تقسم النسوة على أن تحتفظ به، يذبحُ الديكُ المستعمل في المهاداة والمقايضة، ويصبح مرقا لخبز التنور أو للكسكسي الذي «ضرب لأجله الطبلُ» كما يقولون. يذبحه سيد البيت وهو يلوم الجدة على قبول الديك: كلام ينبغي أن يقال والدم يُسال.
زالت اليوم صناعات هذه المواعين، وصارت من اختصاص بعض المناطق ودخلت في تجارة منظمة عوض فيها الديك الدينار، وصار التنور أكثر جمالا تساق له السيارات وتحمله مهيبا إلى حيث ينصب، ليحمى فيه الخبز البدوي (العربي) أمام «خبز السوق»، الذي غزا الريف نفسه. مازال التنور من أقدم أدوات الطبــخ في حياة الريفي المُعَولمِ؛ صحيح أنه عُوض بتنور حديدي كهربائي، لكن ذلك داخل في سياق تجاري جديد يريد أن يطور وسائل الإنتاج التي يرفضها البدو البسطاء فحياتهم اليومية تعتمد على الفرن البربري الطيني الأصيل.
دورة خبز الفُرنُ البربري تختلف عن دورة خبز الفرن المعاصر، أو الأوروبي، أو خبز السوق. من يسمونه خبز السوق يلعنونه هو والسوق والضرورة التي أنتجته، وجعلتهم يستهلكونه رغم أنوفهم. السوق هنا يعني البيع والشراء، ويعني نقيض المجانية التي في الخبز العربي. والعربي لا علاقة له بهذا الجنس من البشر الذين يطلق عليهم اسم عرب، بل هو رديف البدوي، المنزلي، المحلي الذي لا يقبل البيع والشراء، ونتج بوفرة ولا يباع بثمن. هل هو إحالة على كرم العربي مع نفسه ومع غيره، وأنه لا يحسب في طعامه ولا يحسب على الناس طعامهم؟ ربما فأنا لست أدري لأن هذه النفسية هي نفسية عامة تكون نتيجة لجود الطبيعة بالقمح، أما في وقت شح الطبيعة فيصبح الكرم مجازفة. خبز السوق يسميه أناس آخرون بتسميات أوروبية، وربما نسبوه إلى الطليان (خبز طليان) أو استعملوا له عبارة فرنسية (Baguette) ويعنون به الخبز الذي طال واستدق، حتى لكأنه يشبه العصا الدقيقة. صار هذا النوع من الخبز هو المطلوب الأول في الأسواق، لكن تظل الطبقات الشعبية التي لا يعوزها شراء هذا النوع ميالة إلى الخبزة (هذا هو اسمها) لأنها تزن أكثر من الخبز الدقيق.
الغريب أن نعت «عربي» في خبز لا يؤنث وهو صفة تطلق على كل أصيل في الغذاء، إذ يقال ديك عربي أيضا، ولكن أيضا دجاجة عربي ويقال خبز عربي وأيضا كسرة عربي، كأنما يرفض لهذه الصفة أن تؤنث وتظل محافظة على نسبة من غير تأنيث
الغريب أن نعت «عربي» في خبز لا يؤنث وهو صفة تطلق على كل أصيل في الغذاء، إذ يقال ديك عربي أيضا، ولكن أيضا دجاجة عربي ويقال خبز عربي وأيضا كسرة عربي، كأنما يرفض لهذه الصفة أن تؤنث وتظل محافظة على نسبة من غير تأنيث فـ»عربي» في مقابل «سُوري» ( يقصدون بها التسمية القديمة السريانية) أي إفرنجي، ومثلما لا يقال في سوري مؤنث لا يقال في عربي مؤنث.
طراز الخبز «السوري» أو الإفرنجي أو «خبز السوق»، أن يكون مستطيلا ولا يكون الخبز «العربي» إلا مدورا، ليس كل مدور هنا كعكا طبعا، هو خبز يمكن أن ينافسه خبز السوق استدارته، ويتفوق عليه، لكنه لم يصل إلى رفعته. ولا يوجد خبز عربي طويل. الخبز الفرنسي هو أصل خبز «السوق»، وعادة ما يطلق عليه اسم «بلانكيت» كان يزن كيلوغراما واحدا قبل أن يُنقص في وزنه شيئا فشيئا، بأسباب التقليل من الدعم، والخوف من العودة من جديد إلى ثورة شبيهة بثورة الخبز عام 1984، التي سال فيها الدم التونسي، واضطر فيها بورقيبة إلى الرجوع إلى الثمن القديم، مرددا كلمته الشهيرة «نرجعو وين كنا قبل الزيادات» (لنعد إلى حيث كنا قبل الزيادات). ربما اشتكت الدولة في استحياء من هول الدعم، وربما قال الخبراء في المكاتب المغلقة: كم يأكلون الخبز.. لكن الدعم ما يزال ربما سيزول ذات مرة.. لكن الخبز العربي الذي يشمله هو أيضا الدعم بشكل غير مباشر، ما زال ينآى بنفسه عن هذا الكلام، لا أحد يقول اليوم إنه خبز الحاكم، بل لم يقل أحد عن خبز السوق المدعم إنه خبز الحاكم، مثلما يقولون عن الزيت إنه «زيت الحاكم»، يظل الخبز خبز الله حتى إن دعمته الدولة وكان خبز سوق.
للخبز العربي تسمية قديمة هي «الجردَقَةُ» نسيت وقل رواجها اليوم، وربما هي أقدم تسمية تصلنا ولا يسمي بها اليوم إلا من أراد أن يضفي عليها قَدامَةً وأصالة وعراقة. جاء في لسان العرب: «الجردقَةُ: مَعروفة: الرغيف، فارسية معربة». (مادة : ج.ر.د.ق): قدمت العبارة من فارس، ثم عربت ثم استعملت في لهجاتنا ثم نسيت، وتسمى بها الخبز العربي، وما زال يتسمى بها غير آبه لتداخل الأعراق. الجردقة (وتنطق بالقاف البدوية لا الحضرية) خبزة عظيمة، يتبارى أهل الريف في تكبير «الرغيف» فلا بد لها أن تسد الرمق، رمق فلاح يتعبه العمل فيأكل ويهضم ويجوع مرات في اليوم. خبزة السوق وحدة بيع ولكن الخبزة العربي (الجردقة) وحدة أكل أو هي وحدة مرافقة للوجبة. الخبزة في المخبزة عدد وثمنٌ ولكنها في العائلة الريفية لا تقبل العد ولا الثمن. وما أدخلته العولمة واقتصاد «السوق»، أن الخبزة العربي نافست الخبزة الأوروبية في البيع والشراء، وتفوقت عليها بالثمن والتبادل. السوق أنقص حجمها وأخرجها محتشمة احتشام صانعتها إلى السوق، لكن هذا الخبز السافر ما يزال مرغوبا فيها متطلعا إليه.
ما تزال الخبزة العربي من اختصاص المرأة، حتى إن خرجت إلى السوق، وليست أي امرأة، بل امرأة في بيتها لا تعمل ولا تتجمل، ولا تلبس الكعب العالي هذا في تصور من يشتري خبزها هي ليست بائعا، بل هي امرأة أصيلة تشبه الأم خلقت للمنزل، وهي ثقة لا تغش، خبزها مفيد غير مغشوش، ولكن الخبز الأوروبي من اختصاص الرجل، هو حضري قريب للدولة التي تدعمه، صحيح أننا لم نشك فيه لأننا قد ندخل إلى الفرن وننتظره مع المنتظرين، لكنه يظل يؤكل ويذم.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية