صلاح بوسريفعادت مجلة ‘ الكرمل الجديد ‘، في عددها الأول، الصادر في صيف 2011، وهي مجلة فصلية ثقافية، إلى ‘ خُطَب الدكتاتور الموزونة ‘، التي كان الشاعر الراحل محمود درويش قرأها أوَّل مرَّة بقاعة ‘ المسرح البلدي ‘ بشارع الجيش الملكي بمدينة الدار البيضاء، في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، قبل أن ينشرها في مجلة ‘ اليوم السابع ‘ التي كانت تصدر من باريس.
أذكر جَيِّداً، كيف كان تفاعُلُنا مع النص قوياً، من حيث مضمونُه، أو فكرتُه بالأحرى، خصوصاً أنَّ طبيعة المرحلة، عندنا، هنا، في المغرب، شَهِدَت توتُّرات قوية، بين اليسار والسلطة، وعرفت إضرابات عامة، ومظاهرات، وكان اليسار، في حينها، مُمَثَّلاً، في حزب ‘ الاتحاد الاشتراكي ‘، كحزب قوي، وقائد للنضال السياسي، والاجتماعي، وأيضاً، نقابة ‘ الكنفدرالية الديمقراطية للشغل ‘، التي كان لها دور كبير في هذا الحراك السياسي والاجتماعي.
كانت القاعة مُمْتَلِئَة عن آخرها، والشُّرطة كانت حاضرةً، بقوة، في الشارع، وفي داخل القاعة أيضاً، بكل فصائلها، كما كانت تفعل، آنذاك، في كل قراءاتِ محمود درويش.
لم يُسَمِّ محمود نَصَّه، أو لم يُجَنِّسْه. تَرَكَه مفتوحاً. كان استقبال الحاضرين له، من مثقفين وسياسيين، وطلبة، وغيرهم، كبيراً، ولَقِيَ النص تجاوباً استثنائياً، كون ما كان يجري عندنا، في هذا التاريخ، تحديداً، هو صورة لِما كُنَّا نستشعره في النص، أو لِما كان النص يقوله علانيةً. بقدر ما كان تجاوُبُنا مع النص، واستقبالُنا له بفرحٍ، بقدر ما خلق عندنا، في ما دار بيننا من نقاشات، نوعاً من الانشقاق في مفهومنا للشِّعر، ولوظيفة النص الشِّعري، ودور الشِّعر في ‘ التغيير ‘. ثمة مِنَّا من ذهب إلى أن ‘ خطب الدكتاتور الموزونة ‘ شِعْراً، وأن دور الشِّعر، هو هذا بالذات؛ أن يكشف، ويفضح، ويُعَرِّي، ما يجري في الواقع، وأن يكون حافلاً بالجرأة، وبالمباشرة، لأن هذه الجرأة، وهذه المباشرة، هما ما يساعد على تحريك ‘ الجماهير ‘، وعلى تحريضها، أي بالنظر إلى الشِّعر، باعتباره خطاباً سياسياً، أو تابعاً للخطاب السياسي. وثمَّة من ذهب إلى أنَّ النص، بقدر ما كان مُؤَثِّراً، وترك أثراً في نفوس الحاضرين، الذين جاؤوا، أساساً، ليسمعوا مثل هذا الكلام، بقدر ما كان خارج الشِّعر، أي أن الذي قرأ النص، ليس محمود درويش الشاعر، بل محمود السياسي. شخصياً كنتُ من أصحاب الرأي الثاني، وكنتُ أُفَضِل، أن يقرأ محمود شعراً، كُنَّا، نحن جيل الثمانينيات، في حاجة إلى تَعَلُّمِه، وإلى معرفة كيف نكتب الشِّعر، وفق معايير تسمح لنا بكتابة نصوصٍ، يكون الشِّعر هو ما يشغلها.
هذا التيار الثاني من، أصحاب شعرية النص، لا سياسيته، كان ضعيفاً، وكان أغلب ‘ الأصدقاء الشُّعراء ‘ آنذاك، يرون في مباشرة شعر درويش، حافزاً لتأكيد البُعد النضالي للخطاب الثقافي، وأنَّ الثقافة، هي أداة للنضال، وللتغيير، ليس بما تقترحه من أفكار، ومن مفاهيم، بل بما تقوله من عَرَاء؛ أي الذّهاب إلى الفكرة رأساً، دون مجاز، أو مراوغات لفظية.
هذا ما جعل عدداً من الكتابات، الشِّعرية والفكرية، والنصوص القصصية والروائية، المغربية، التي صدرت في هذه المرحلة، تكون بنفس مستوى ‘ خُطَب الدكتاتور ‘، من حيث مباشرتُه، ومن حيث بعدُه التحريضيُّ.
شخصياً، تأخَّرتُ في نشر ديواني الأول، الذي كان يمكنه أن يسير في هذا السياق، كون النصوص التي نشرتها، بدايةً من أواخر السبعينيات، كانت انفعاليةً، وخالية من الشِّعرية، التي كُنْتُ ما زِلْتُ لم أتعلَّمْها بعد، أو كانت بعيدةً عنِّي، قراءةً وتأمُّلاً، وهذا كان أمر طبيعي، فالمدرسة لم تكن تسمح لنا بالتلقي الجمالي، أو الشِّعريّ الإبداعيِّ للنصوص، فهي كانت تحرص على ما يقوله الشاعر، لا على طريقة القول، التي بدأنا في الانتباه لها، من خلال بعض أصداء ما كُنَّا نقرأه من تعريفات لمجلتي ‘ شعر ‘، و’ الآداب ‘ البيروتيتين، وما كان يصل إلى يدنا من أعداد مجلة ‘ مواقف ‘. اليوم، وأنا أُعيد قراءة هذا النص، اكتشفتُ كم أنَّ محمود، رغم تَنَكُّره له، بعدم إدراجه ضمن أعماله الشعرية، كان ذا جرأة في الحديث بعمومية عن ‘ الدكتاتور ‘، وليس عن دكتاتورٍ محدَّد، يمكن استشعاره، دون آخرين، مِمَّن هم اليوم، يسقطون تباعاً، كما تسقط أوراق التُّوت.
هذه العمومية، أو التعميم في الخطاب، كانت مقصودةً من قِبَل الشاعر، لأنها كانت نقداً للدكتاتوريات التي شرعت، آنذاك، في الخروج من قوميتها، وثوريتها، التي طالما، استعملتها هذه الأنظمة للاستمرار في الحكم، وفي توسيع سُلَطِها، بدعوى التهديدات الخارجية، والأمن القومي، ووضع اللاَّ سلم والَّلا حرب، الذي بقي بين ما عَمِلَت هذه الأنظمة على استعماله كورقة لتبرير سياستها الاستبدادية، ولتصفية المعارضين، أو اعتقالهم بدعوى التآمُر على النظام، أو غيره مما كان تُهَماً، تُسْتَعْمَل لتصفية الخصوم، أو ‘ كل ما من شأنه ‘، مما يعرفه المغاربة جيِّداً.
كانت القضية الفلسطينية، مثلما يَتّضِح، اليوم، بين ما استعمله ‘ الدكتاتور’ لتلميع صورته، ولِحَرْفِ الناس عن المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وسرقة المال العام، التي أدَّت إلى هذه الانفجارات، أو الثورات التي اشتعلت في كل الأراضي العربية، مع اختلافٍ في وتيرتها، وفي سقوفها المطلبية، وطبيعة استجابة الأنظمة، أو مواجهاتها لها.
ولعلَّ في إحدى لحظات النص، ما يفضح الوضع الراهن، لأنظمة كانت تتخَفَّى وراء المُمانَعة، والمقاومة، مثلما نجد في سوريا التي انتقل فيها الحكم، من حكم رئاسي، إلى حكم وراثي، أو ملكية رئاسية، أو وراء حكم الشَّعب لنفسه بنفسه، مثلما كان يجري في ليبيا، التي كان تعبير ‘ الجماهيرية ‘ أحد دلالات هذا التضليل التوتاليتاري الاستعبادي.
يقول الدكتاتور في ‘ خطاب الجلوس ‘، وعلى القاريء تأمُّل ما تُشير إليه كلمة ‘ جلوس ‘ من إيحاءات:’ سأختارُ أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً مرَّةً كل خمس سنينوأنتُم تُزَكُّونني مرَّةً كل عشرين عاماً إذا لزم الأمر أو مرَّةًللأبَد.. وإن لم تريدوا بقائي، لا سمح الله، إن شئتُم أن يزول البلدْأعدتُ إلى الشَّعب ما هَبَّ أو دَبَّ من سابق الشَّعب كي أملك الأكثرية، والأكثرية فوضىأترضى، أخي الشعب! أترضى بهذا المصير الحقير.. أترضى؟
معاذك!’. من يقرأ هذا المقطع من النص، ومقاطع أخرى، وهي كثيرة، لأنَّ النص طويل نسبياً، سيعتقد، إنْ نحن أزَلْنا اسم محمود درويش، أن الذي كتبه، هو شاعر ممن يعيشون إيقاع الثورات العربية، أو انخرطوا فيها، دون مُراوغَة أو التباس في الخطاب.
يبدو لي شخصياً، أنَّ محمود، رغم ما في النص من مباشرة، أدْرَكَها محمود قبل غيره، حين كتبَ هذا النص، ونَشَرَهُ في مجلة ‘ اليوم السابع ‘، التي كانت واسعة الانتشار، كان يشارك في ثورات قادمة، أو كان يُحَرٍّضُ عليها، أو يشير إلى ما آلت إليه ‘ ثورات ‘ العسكر، أوانقلابه على الأنظمة الحاكمة، ليصير بدوره نظاماً فاسداً، مستبداً، بما في ذلك الأنظمة الملكية التي كانت معروفة بدمويتها، و استبدادها بالسلطة.
أعتقد أن ما قامت به مجلة ‘ الكرمل الجديد ‘، التـي يرأس تحـريـرها الصديق حسن خضر، بنشـرها لهذا النـص، كان ربما محمود سيقـوم به لو كان حَيّاً. فهو نصٌّ يعـود إلـى أكثر من خمسٍ وعشرين سنةً، لكنه، مكتوب باللغة الراهنة التي استعملتها الشُّعوب التي خرجت إلى الساحات العامة لتصرخ بأعلى حناجرها ‘ الشعب يريد إسقاط النظام ‘، أي إسقاط ‘ الدكتاتور ‘، الذي كان بنعلي عبَّر عنه بوضوح، في خطابه الذي قال فيه، بعد فوات الأوان، ‘ أنا فْهَمْتكُمْ.. ‘ ! ، وأيضاً حين كرَّر، أكثر من مرَّة، ألاَّ توريث بعد اليوم! إنَّ في ما يُكْتَب ويقال، من طرف الكاتب أو الشاعر، أو المفكر، هو دائماً نوع من القراءة البعيدة، أو الاستشراف المعرفي، أو الإبداعي، لكثير مما يمكنه أن يقع في حياتنا. فقط أنَّ هذا النوع من النصوص، أو الخطابات الاستشرافية، بما تحمله من وعْدٍ بالثورة، أو بالتغيير، تبقى راهنةً بطبيعة لغتها، وبطبيعة الشكل الذي تَتَّخِذُه، في تعبيرها عن هذا المدى، أو المسافة التي تُحْدِثُها، بين حاضرها، وبين هذا المستقبل الذي يظهر فيه النص أكثر حيويةً، وحياةً، ربما، مِمَّا كان عليه من قبل، أي في حاضره.