خِدَاجُ الحركة الأمازيغية المُطَبِّعة

حجم الخط
0

الخِداج لغة ‘إلقاء الحامل حملَها قبل أوانه، وان كان تام الخَلقِ’؛ ويستعمل الأمازيغ الزناتيون فعل ‘ثَغْرَي’ للدلالة على نفس المعنى. وقد بحثت عن وصف دقيق لما يخوض فيه اليوم غلاة الأمازيغية خلافا للمعتدلين وحتى اللامبالين- من قضايا وطنية وعربية كبرى، بل مصيرية، فلم أجد أفضل من هذا اللفظ .
لم يستتب شيء بعد رغم الدسترة- للأمازيغية؛ لأن الغلاة دخلوا على الخط فأفسدوا الربيع الأمازيغي المغربي، كما فعلت جماعات المتطرفين في الدول العربية الملتهبة. لم تكن عين الملاحظ لتخطئ انقلاب هؤلاء الغلاة على خطاب أجدير – المُؤَسس على اقتناع الدولة المغربية بضرورة الاستفادة من كل مكوناتها الثقافية – حتى قبل أن يجف مداده، بترجمته ترجمة غريبة، بأبجدية متطرفة، وبمعان موغلة في العرقية:
*التشكيك في الأهداف العقدية للفتح الإسلامي، وفي الانصهار التام بين أمازيغ شمال افريقيا والعرب؛ خلافا لما واجهوا به كل الشعوب التي استعمرت الأرض من دون أن تقوى على استمالة الوجدان.
* نفي أن يكون المولى إدريس الأكبر أسس دولة ادريسية، بالقوة والشساعة التي يتحدث عنها المؤرخون، ومنهم حتى ابن خلدون.
*التشكيك المتهافت، بل المتهور في نسبة المولى إدريس الأصغر إلى والده؛ رغم ما في هذا من نيل من شرف كنزة الأمازيغية الأوروبية؛ وما فيه من اتهام كبار أمازيغ البلاط ـ وقتها- بالغفلة والسذاجة. وما فيه أيضا من استفزاز آني للأدارسة الأمازيغ الذين ألجأتهم الظروف السياسية المعروفة، في مستهل القرن الرابع الهجري، إلى الاختلاط بالأمازيغ في الجهات الأربع للوطن. يحدث كل هذا من شخص لم يستسغ نكتة من سليل لهؤلاء الأدارسة. أيوجد ظلم أكثر من هذا يا أصحاب المظلومية؟
*التنكر لكل الجهود التي بذلها علماء الأمازيغ، قديما وحديثا ، من فقهاء ومؤرخين ولغويين، بل حتى الدول الأمازيغية التي توالت – لخدمة الحضارة الإسلامية واللغة العربية؛ إيمانا منهم بأنها اللغة المؤهلة لاستيعاب الانصهار بين كل الأجناس المشكلة للدولة الإسلامية الكبرى، وان توزعت وتجافت كياناتها. ومن الغريب تخوين طارق بن زياد لأنه خطب وقال: ‘أيها الناس أين المفر؟ ولم يقل ممزغا خطبته: ‘آميدن مانيس غا ثرولم؟'(أمازيغية زناتية).
أما مراسلات البطل عبد الكريم الخطابي وكفاحه من أجل مغرب عربي موحد؛ ولم يجد نفسه ملزما ليصرح بذلك، مدققا بأنه أمازيغي أيضا لأن هذا تحصيل حاصل، فلا حجية لها لدى الغلاة. ونفس الحكم بالنسبة للمدرسة الفكرية لصاحب سوس العالمة والمعسول، الذي لم يقف أبدا عند أي نزوع هوياتي عرقي لأنه، وبكل بساطة، لم يكن موجودا.
*الفهم الضيق والمغرض والتسييسي لمدلول الثقافة الأمازيغية بإقصاء كل الروابط التاريخية والمعاصرة التي تربطها بالثقافة العربية الإسلامية للمغاربة؛ فمن خلال تتبع أنشطة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على مدى سنوات- يتضح أنه يجتث عن قصد هذه الثقافة من بيئتها، ويتعامل معها وكأنها جزيرة منغلقة، حتى المعيرة أقصت، بل نفرت من كل كلمة يشتم منها الأصل العربي؛ وهذا ما دفعها لنحت ألفاظ جديدة، رغم أن ثراء اللغة العربية وأبجديتها ملك للأمازيغ أيضا؛ وهي ملكية بناء وتقعيد وليس توظيفا اضطراريا فقط ، كما يرى البعض.
إن إقصاء المعهد شمل اللغة العربية بالدرجة الأولى؛ وبعدها باقي الأمازيغيات التي قطعت شوطا في التلاقح مع العربية، بل حتى مع الفرنسية. لقد عوقبت هذه الأمازيغيات لأنها خضعت لقوانين التطور الطبيعية. وعليه فان يولد المولود صارخا فهذا دليل على سلامته البدنية، أما أن يولد صارخا ومكشرا بأنياب طويلة وتقطر دما، من قطعه لثدي أمه فهذا هو المسخ بعينه..
لم يكف هذا المولود ما فعل بأمه، بل وقف ونظر بعينين محمرتين إلى العمة والخالة، واشرأب صوب الحارة والحي والمدينة.
من دون أن يتريث غلاة الحركة حتى يفهموا المدلول الحقيقي لدسترة الأمازيغية، واشتغاله ثقافيا ووطنيا وليس أمازيغيا فقط، تنادوا للتنزيل السريع، وانفردوا بتدبيج مشروع قانون تنظيمي قائم مرة أخرى على إقصاء باقي الفرقاء المعنيين بكل المكونات اللغوية والثقافية في البلاد؛ واستغلوا تهافت بعض السياسيين على أصوات الصناديق، وليس أصواتهم الأمازيغية، لرفع المشروع الأحادي إلى مستوى المشروع النيابي.
لولا تدخل الجهات العليا، وهي في أقصى درجات التتبع الذكي، لكنا اليوم في حرج سياسي وثقافي كبير. لا أقول هذا تهويلا إذ هو الواقع الذي تجاهر به ليس الأمازيغيات المقصية فقط، بل حتى المغاربة غير الأمازيغ.
كانوا ينتظرون إجابات على أسئلتهم، لماذا الدسترة؟ وكيف يتم التنزيل؟وما هي فرص نجاح التثاقف؟ هذه الأسئلة لها الأسبقية على مشروع القانون التنظيمي؛ ولا يخفى أن الجانب الكبير من الإجابات يُنتظر حتى من ناشطي الأمازيغية، جمعيات وأفرادا؛ إذ من الضروري بناء الثقة وحصول الاطمئنان الثقافي المجتمعي، بل حتى الأمن اللغوي. كل هذا القي به عرض الحائط، بل ومدت الأسلاك الشائكة حتى لا يدخلن الجزيرة أحد من ‘العرب’، ولا حتى من نفس الأرخبيل الأمازيغي.
ولو قُيض لنا حكماء لنصحونا بأن نشتغل أولا على المكون الحساني في صحرائنا، وهو المكون الذي سيشكل روح الحكم الذاتي الذي أنفقنا الكثير على بنيته المعمارية التحتية. كيف نتثاقف، حتى فنيا، مع الصحراء التي نختزلها اليوم في مجرد رقصة الكدرة؟ كيف نستوعب، غدا، شبابا صحراويا عائدا الى ثقافة الوطن من ثقافة كوبا، وليس تندوف فقط. ولكن الغلاة لا يفهمون في الحكمة ولا في قضايا الوطن المصيرية .
المستوى العربي والإسلامي:
لم يكْفِ الغلاة كل هذا؛ وبدا لهم أن كل فلاة ترمي إليهم بقاتل، وكل مقال ناقد لا يرونه يأتمر بأمر نفسه، فسعوا حثيثا الى الاستقواء على بني جلدتهم ولو بالصهيونية؛ مجاهرين بمواقف معادية لقضية العرب الأولى، ومسترخصين حتى الدماء المغربية التي سالت نصرة للأمة العربية والإسلامية. مناوشة قضية مصيرية كبرى من طرف حركة خداج، لم تعرف حتى كيف تقف وقفة منتصبة ومسنودة شعبيا ودوليا حتى تطاولت في البنيان الوهمي.
وتوالت الاحتجاجات والتفسيرات المتخاذلة، لقانون تجريم التطبيع؛ وهو القانون الذي أرى أنه ما كان له أن يظهر في ظروفنا الوطنية هذه، ولا حتى الإقليمية، اعتبارا لجهود طرفي الصراع المباشرين وسعيهما من أجل حل دائم.
لكن ـ وقد ظهر خطأ- يجب ألا نهتبلها فرصة لنغازل إسرائيل، معبرين لها عن كوننا كأمازيغ- ملقحين ضد أنفلونزا العرب. لن يرضى عنكم حتى دعاة السلام من الاسرائليين أنفسهم؛ ولا حتى الاتحاد الأوروبي، وكل الضمائر الحية في العالم. لم توقروا حتى لجنة القدس التي يترأسها المغرب، وعزلتم الأمة العربية والإسلامية وقرارات اللجنة تنزل في مراكش.
فإذا كانت إسرائيل مظلومة مغربيا، كما ترون -‘وعين الرضا عن العيب كليلة’ فلماذا اضطر المغرب الى نجدة المقدسيين، ومنهم مغاربة بتأسيس اللجنة وبيت المال- في ما يخص إحداث مرافق حيوية يجب أن تخجل الدولة الصهيونية من عدم توفيرها منذ زمان.
أما يهود إسرائيل المغاربة؛ وهم صهاينة بأكثر من دليل، فلم يظهر منهم أبدا أي دعم لمغاربة بيت المقدس على الأقل؛ والحال أنكم تتبجحون بمشاريع سيقيمونها في المغرب، ولا ترون في تجريم التطبيع سوى حرمان للمغرب من ملايير الشيكلات الإسرائيلية.
خداج أمازيغي بدت له الأمة العربية والإسلامية في أضعف حالاتها فانقض على الجسد العليل، وكأن السقطة أبدية، وانتصاب الصهيونية سرمدي. وهو نفس موقف بعض البيوتات المغربية الغنية التي احتمت بدول أجنبية، وهي في خريطة الوطن ـ مستهل القرن العشرين- ظنا منها أن الدولة المغربية هوت، وأن الملكية غدت ذكرى من الأمس.
إنكم أيها الغلاة لا تمثلون أمازيغ المغرب ؛فلا تُقوِّلوهم ما لم يقولوا ،وليس لكم أن تُحُمِّلوهم ما لا طاقة لهم به. لقد فشلت قبلكم فرنسا الكولونيالية لأن للمغرب قلبا نابضا لا ينال منه الخدر مهما قوي وطال. ومن ‘آيات الله’ الأمازيغية الصامدة في وجه الصهيونية، وانما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية