تعبر التصفية الجسدية للخصوم السياسيين عن انحطاط العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى مستوى العلاقة الدموية. وسواء تمت التصفية الجسدية بمقتضى إجراءات شكلية تتخذ طابعا قانونيا، أو وقعت بطريق الاغتيال المباشر أو المستتر، فإنها تخلق حلقة مفرغة من العنف الانتقامي والكراهية الاجتماعية. هذا الوضع قد يستمر لسنوات أو ربما لأجيال، إذا لم تتوفر للمجتمع الشجاعة الكافية والدرجة الملائمة من العقل والموضوعية لكسرها والخروج منها إلى فضاء علاقة صحية تحقق الأمن والرفاهية لمكونات المجتمع ككل.
وتمثل العلاقة بين الدولة والمجتمع في البحرين حالة كلاسيكية لدراسة العلاقة بين الدولة الخاضعة لسيطرة أقلية سياسية وطائفية سنية، وبين المجتمع ذي الأغلبية الشيعية. إن علاقة من هذا النوع لا يمكن أن تستمر إلا في حالين، الأول هو استخدام سياسة القهر المطلق من جانب الدولة، والثاني هو القبول والرضا من جانب المجتمع. في غير هذين الحالين تتعرض العلاقات بين الدولة والمجتمع لتوتر مستمر، يتراوح بين الغضب المكتوم إلى سفك الدماء. وقد عاشت البحرين كلا من الحالين منذ نشأت الدولة بعد انسحاب القوات البريطانية من محميات الخليج في عام 1971.
لكن الملاحظ هو أن تيار العنف والعنف المضاد تفاقم كثيرا في العقدين الأخيرين، على الرغم من محاولات خلق حال من القبول والتفاهم بين الدولة والمجتمع. وسجلت الأعوام الأخيرة توسعا من جانب الدولة في استخدام عقوبات تبدو قانونية من الناحية الشكلية، مثل أحكام الإعدام والسجن مدى الحياة والسجن لمدد طويلة والغرامات المالية وإسقاط الجنسية عن المواطنين.
وتعكس هذه الإجراءات متغيرين رئيسيين، الأول هو زيادة أحساس الدولة بالضعف تجاه المجتمع، ومن ثم فإنها تلجأ إلى زيادة قبضتها الأمنية والتوسع في إجراءاتها القهرية. والثاني هو زيادة قدرة المجتمع المقهور على المقاومة.
ومع ذلك فتوجد الكثير من العوامل الخارجية التي تترك أثرها على الصراع بين الدولة والمجتمع في البحرين. من أهم هذه العوامل التغيرات التي طرأت على هيكل السلطة في المملكة السعودية، وتكريس آليات الحكم في يد ولي العهد محمد بن سلمان، وسعيه إلى زيادة نفوذه في شبه الجزيرة العربية على أساس تنشيط، مبدأ العداء لإيران، وفي المقابل فإن هذه النزعة أمدت التيار المحافظ المتشدد في طهران بشريان قوة متجددة، فراح يحشد قواته وحلفاءه بكفاءة عالية من أجل مواجهة النزعة المعادية لإيران في شبه الجزيرة العربية.
واستطاعت إيران بسرعة نقل الصراع إلى داخل شبه الجزيرة العربية، وتحديدا إلى الحدود الجنوبية للسعودية في اليمن. ومع ذلك فإن البحرين تظل بمثابة (كعب أخيل) للسعودية في مواجهة إيران. فمملكة البحرين الصغيرة التي أقامت السعودية جسرا بريا يربطها بها، يمثل أحد شرايين الحياة لكل منهما، تحكمها أسرة ضعيفة سياسيا، يرتبط بقاؤها في الحكم باستخدام العنف السياسي والقهر الاجتماعي ضد أغلبية المجتمع التي تعاني من انخفاض درجة التمثيل السياسي ومن التمييز الاجتماعي.
ويجب أن نؤكد هنا على أن مضمون الصراع بين الدولة وبين المجتمع في البحرين هو مضمون سياسي بامتياز، وليس دينيا بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. المواطنون الشيعة في البحرين الذين يشكلون ما يقرب من ثلاثة أرباع المواطنين (يشكل المواطنون أقل من نصف عدد السكان) يتمتعون بممارسة شعائرهم الدينية في المساجد وخارجها، بما في ذلك إقامة (الحسينيات)، كما يتمتعون بحرية تنظيم الجمعيات، بشرط الخضوع للقانون.
وقد تعايش أهالي البحرين من الشيعة والسنة لأجيال متتالية بدون أزمات كبرى تقريبا، على الرغم من الصراع التاريخي بين الدولة الصفوية في إيران وبين الدولة العثمانية في تركيا طوال فترة خضوع العرب للحكم العثماني، حيث كان العثمانيون يبسطون نفوذهم على شبه الجزيرة العربية. لكن هذا التعايش السلمي تعرض لأربعة انهيارات كبرى منذ سبعينات القرن الماضي.
كان الانهيار الأخطر، هو نتيجة لتحول مسار المد القومي العربي من قيادة حركة للتحرر الوطني وإقامة دول مستقلة في العالم العربي خلال الحقبة الناصرية، إلى مسار شوفيني عنصري معاد للقوميات الأخرى سواء في داخل البلدان العربية او في الدول المجاورة. هذا التحول لم يحدث بين يوم وليلة وإنما استغرق وقتا.
الانهيار الثاني كان نتيجة لانتصار ثورة الخميني في إيران؛ فقد أدى هذا الانتصار إلى رفع مستوى الأولوية السياسية للتصدي لما تطلق عليه القيادة الإيرانية “المظلومية التاريخية للشيعة” في البلدان العربية. وبسبب ذلك فقد شعر المواطنون العرب الشيعة في بلدان مثل السعودية والبحرين والعراق ولبنان واليمن والكويت، بأنهم أصبحوا يتمتعون بظهير إقليمي ثوري، يستطيع أن يضغط معهم للحصول على حقوقهم السياسية ومكانتهم الاجتماعية بما يتناسب مع قوتهم الفعلية الاقتصادية والاجتماعية. وساعد هذا على بدء ظهور موجة من “التململ” السياسي بقيادة رموز شيعية في بلدان الخليج تضم شخصيات ومنظمات تطور دورها السياسي (مثل حزب الله في لبنان) بسرعة من كسب ثقة جمهور الشيعة إلى تنظيم أعمال مقاومة للدولة. وقد ردت الدول العربية المعنية على ذلك باتهام الشيعة العرب بالولاء لإيران!
الانهيار الثالث ترافق مع موجة (ثورات الربيع العربي)، فقد عبرت هذه الموجة في جوهرها عن فشل الدولة القومية، وعن طموح الشعوب العربية إلى التغيير وبناء الديمقراطية وتحقيق التنمية والرخاء. وقد شجعت على ظهور حركة احتجاج سياسي كبيرة في البحرين، وفي المنطقة الشرقية في المملكة السعودية، ما أدى إلى زيادة درجة احتقان العلاقة بين الدولة والمجتمع في البلدين، واتساع نطاق لجوء الدولة لاستخدام الإجراءات القهرية ضد المواطنين المطالبين بالتغيير بشكل عام، والمواطنين الشيعة بشكل خاص.
أما الانهيار الرابع والأخير الذي نراه حاليا في العلاقة بين الدولة والمجتمع في البحرين فقد ترافق مع صعود محمد بن سلمان، وتكريس استخدام أساليب القهر والعنف في التعامل مع المطالب السياسية للشيعة، سواء في المملكة السعودية (المنطقة الشرقية) أو في البحرين ذات الأغلبية الشيعية. وقد كان الحكم بإعدام رجل الدين الشيعي آية الله نمر باقر النمر وتنفيذه في كانون الثاني/يناير 2016 في السعودية بداية لصفحة جديدة من عنف الدولة، تركت أثرها مباشرة على الوضع في البحرين، حيث اتسع نطاق استخدام المحاكم في إصدار أحكام قاسية بالإعدام ضد الناشطين السياسيين من شباب الشيعة البحريني.
إن العلاقة الدموية بين الدولة وبين إحدى أو بعض مكونات المجتمع قد أدت عمليا إلى انفصال الزنج الأفارقة عن السودان بعد حرب طاحنة، وإلى الدعوة لانفصال كردستان العراق، وإلى محاولة أكراد سوريا إقامة إقليم مستقل أو شبه مستقل لهم بمساعدة دولية، وإلى تأزم الوضع السياسي في لبنان، وإلى اضطرابات سياسية في العراق، وانهيار الدولة في اليمن. ولن يكون الوضع في البحرين بأفضل من الوضع في اليمن إذا ما استمرت هذه العلاقة الدموية بين الدولة والمجتمع. ولعل تجارب الاعتراف بالتعددية ومحاولة إدارتها سياسيا واجتماعيا على أساس ديمقراطي في بلدان مثل سلطنة عمان والمغرب والأردن، تقدم دروسا فصيحة يستفاد بها في البلدان العربية التي تعاني من خلل شديد في العلاقة بين الدولة وبين المكونات الاجتماعية المختلفة الدينية أو الطائفية أو العرقية أو السياسية.