داخل آلة الأسد الدعائية: موظفو “سانا” يكشفون عن عالم الخوف والتعمية على الحقيقة في سوريا ويأملون بعالم جديد

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده ويليام كريستو، تناول فيه الآلة الدعائية لنظام الرئيس السوري الهارب بشار الأسد.

وقال إن وكالة الأنباء السورية “سانا” لم تغير عنوانها منذ هروب الأسد إلى موسكو على صفحتها في الإنترنت. ولا يزال العنوان المنشور في 8 كانون الأول/ ديسمبر عن استئناف الرئيس الأسد عمله العادي مع أنه فر قبل ساعات من ذلك اليوم.

وأشار كريستو إلى أن موظفي الوكالة لم يصدقوا أبدا أن النظام قد انتهى ويمكنهم التحدث بحرية. فخلال الحرب الأهلية التي استمرت 13 عاما، كان عليهم أن يلتزموا بالخط التحريري الذي رسمته الحكومة، وكان عليهم مواجهة العقوبات والرقابة حالة خروجهم عن النص.

فخلال عمله في الوكالة منذ 21 عاما، تحقق ما كان يخشاه فاروق، حيث وجد على مكتبه مظروفا مختوما بالشمع الأحمر، وكان في داخله عقوبة تتراوح من تعليق مشاركته في اجتماعات المحررين إلى استدعائه لواحدة من أجهزة المخابرات سيئة السمعة. وقال: “وجدت خطأ في مقال منشور ولفت انتباه المحررين إليه. واعتقدت أن هذا جيد ولكنهم عاقبوني”. وكان فاروق الذي عمل في قسم الأخبار الخارجية في سانا، محظوظا، فقد تعرض لعقوبة إدارية، فيما استدعي آخرون لأجهزة المخابرات.

ففي أحد أيام عام 2014، كان محمد عبد الرحمن، يتحدث وهو يعد الشاي مع زملائه في غرفة الاستراحة. وخلال الحديث، شعر أن كل الموظفين في الغرفة هم من طائفة معينة، وهو ما قد يثير شك السلطات حول شكل من أشكال التنظيم، وتفرقوا بشكل سريع إلى مكاتبهم. وبعد أسبوع وجد مع عدد من الموظفين مظاريف بختم أحمر على مكاتبهم، تستدعيهم للذهاب إلى فرع 235 المعروف باسم فرع فلسطين، حيث تم التحقيق مع عبد الرحمن وزملائه لمدة 15 يوما.

وتذكر عبد الرحمن وزملاؤه حادث اعتقالهم وهم جالسون في غرفة الأخبار الخارجية في وكالة الأنباء السورية بعد عشرة أيام من سقوط الأسد، غير مصدقين على ما يبدو أنهم يستطيعون التحدث بحرية.

والحقيقة أن الصحافيين لم يكن بيدهم طوال الحرب الأهلية نشر الأخبار بحرية، لأن الوكالة كانت على الخطوط الأمامية من حرب الأسد الدعائية. ولا تزال الأخبار على صفحة الوكالة تشير إلى الأيام التي سبقت هروب الرئيس وأن الحياة طبيعية في سوريا.

وعندما دخلت المعارضة المسلحة إلى العاصمة دمشق، قالت الوكالة إنهم يحاولون التقاط صور. وأضافت أن الجيش السوري يقوم بإعادة انتشار إستراتيجي، مع أن الجنود تركوا مواقعهم بأعداد كبيرة.

ويقول كريستو، إن صحافيي “سانا” لم يتعرضوا لعملية غسيل دماغ، وكانوا يعرفون أن المعارضة تتقدم ضد قوات النظام، لكن سنوات من التحكم على الطريقة التي وصفها جورج أورويل أو ما يعرف بالأورويلية والرقابة داخل غرف الأخبار، جعلتهم عاجزين عن كتابة الحقيقة.

وقال عبد الرحمن: “ربما يقولون لك إن لون اللبن أسود، ولا يسمح لك بالقول إنه أبيض. ويجعلونك تشعر بأنك ستعاقب، لمنعك من إضافة أي شيء للمقالات”.

فطوال الحرب الأهلية، ظلت “سانا” تردد ما يقوله النظام، بحيث أصبحت جزءا لا يتجرأ من حملة التضليل السورية والروسية. ووصفت تقارير مجموعة الدفاع المدني، المعروف بالخوذ البيضاء، بأن أفرادها هم عملاء لتنظيم القاعدة لسرقة أعضاء البشر. وفي حين كان أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، نشرت سانا أخبارا عن إدخال حافلات صديقة للبيئة في دمشق.

ولضمان عدم قيام الصحافيين بكتابة أي شيء يتناقض مع خط النظام، قامت المخابرات السورية بزرع مخبرين في مقر الوكالة لمراقبة المراسلين. وقال عبد الرحمن: “لم تكن تعرف من هو الشخص الذي كان بيننا يكتب التقارير عن زملائه الموظفين. كانوا يبلغون عن الوقت الذي دخلت فيه للعمل ومتى غادرت، وكم من الوقت قضيت في الحمام”.

وتمت مراقبة ملفات تعريف الصحافيين على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان أي شخص يعبّر عن أي رأي مخالف، أو حتى “إعجاب” بتعليق مشبوه، يجذب انتباه السلطات. وكانت التداعيات على الصحافيين الذين انحرفوا عن الخط الرسمي للدولة، قاتلة.

ويتذكر الصحافيون زميلا لهم سجن لمدة ثلاثة أشهر وتعرض يوميا للتعذيب، وعُلق على عمود وطلب منه الجلوس بطريقة غير مريحة. وتعرض آخر للتعذيب المبرح بعدما كشف أنه يقوم بإرسال لقطات عن الاحتجاجات في جنوب سوريا إلى قناة الجزيرة القطرية.

وتقول الصحيفة إن كل الصحافيين تقريبا لديهم قصص عن اعتقالهم، إما بسبب تشويه صورة سوريا أو تنظيم نشاطات ثورية أو العمل نيابة عن إسرائيل أو إيران. وتحت التهديد بالمعاقبة الجسدية، اضطر الصحافيون لإنكار الواقع الذي كانوا يرونه بأم أعينهم، وتبنوا البيانات الإعلامية التي كان يرسلها فريق العلاقات العامة التابع للنظام.

وللتغطية على الظروف الاقتصادية المتدهورة، كان النظام ينشر إحصائيات فاضحة في التقارير الإخبارية. فقد كان نظام الأسد حساسا بالنسبة للأخبار الاقتصادية، ويعي حالة السخط المتزايدة بين المواطنين. ويقول عدنان الأخرس، مراسل الشؤون المحلية: “كان هناك تعتيم على الأخبار الحقيقية. والأرقام القادمة من وزارة الصناعة والاقتصاد كانت عشوائية”. وكان على الصحافيين الرضا بالبيروقراطية المرعبة ومعايير التحرير الصارمة.

وإذا تم اختيار محرر لتغطية حدث في الخارج، فعليه الحصول على إذن من محرره، الذي يحيل الأمر إلى رئيس التحرير والذي يقوم بدوره بإخبار وزارة الإعلام، ومع الحصول على الموافقة يكون الحدث قد انتهى. وقد اعتمد الصحافيون في دائرة الأخبار الخارجية على وكالات الأنباء مثل سبوتنيك الروسية وشينخوا الصينية.

ومع ذلك، كانت هناك سياسات تحريرية متشددة جدا وتفوقت في رقابتها على معايير رعاة الأسد الخارجيين.

وكان يطلب من الصحافيين تغيير خبر في وكالة سبوتنيك لجعله أكثر صرامة. ففي الوقت الذي تنشر فيه الصحافة الروسية خبرا يشير إلى “الجيش الأوكراني”، طُلب من الصحافيين في وكالة “سانا” تحويله إلى “قوات النازيين الجدد”.

وقال عبد الرحمن: “كنا نمزح بأننا موسكو الحقيقية وليس هم”، مضيفا أن الصحافيين في قسم الأخبار الخارجية لم يكن يسمح لهم خلال السنوات الماضية، بالكتابة إلا عن روسيا وإيران وكوبا وفنزويلا.

وفي الوقت الذي كان فيه الصحافيون يبحثون عن القصص لنشرها، طُلب منهم البحث عن تقارير سلبية عن نظام الأسد والمنشورة في الصحافة الأجنبية.

وكانوا يقومون بنسخ التقرير ولصقه في بريد إلكتروني، ويوقعون أسماءهم ويرسلونه إلى حساب أعطاه القصر الرئاسي لهم. ولم يعرف الصحافيون ماذا حدث لرسائلهم الإلكترونية، ذلك أنهم لم يتلقوا ردودا عليها.

ومع زيادة الأوضاع المعيشية سوءا في سوريا، ضاق وضع العاملين في “سانا”، فقد وصلت الرواتب إلى 150,000 ليرة سورية في الشهر، أي ما يعادل 9 جنيهات إسترلينية.

وأصبحت التقارير التي تنشرها الوكالة مثيرة للسخط وتصل إلى حد الغرابة، مقارنة مع الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها البلد.

وقال إبراهيم، وهو صحافي في سانا: “كنا نردد مثالا  يقول: خلي صاحب الحمار يربطه في أي مكان يريد”. ولم يسمح للموظفين في الوكالة بالاستقالة، وكل ما سُمح لهم بعمله هو تقديم الاستقالة إلى لجنة خاصة، ترفض في النهاية الطلب. ولم يسمح لهم أيضا بالسفر. ولو حاولوا، فإن أسماءهم ستظهر على شاشة حرس الوكالة ويرسلون إلى بيوتهم. واعتبر العاملون في سانا بأنهم على معرفة بالأخبار الحساسة، ولهذا طلب منهم التقدم بطلب للحصول على موافقة أمنية لمغادرة سوريا، و”هو ما لم نحصل عليه”، حسب قول عبد الرحمن.

ورغم سنوات القمع، عاد الصحافيون في سانا إلى العمل بعد يومين من سقوط نظام الأسد. وتجمع مراسلو الأخبار المحلية وبدأوا بحماس في طرح اقتراحات لمقالات مستقبلية، مثل الأسواق الجديدة التي نشأت في حقبة ما بعد الأسد، وصعود الدولار والبحث عن اختفاء لقطات الكاميرات من سجون النظام.

ومع ذلك، وبعد سنوات من الرقابة الصارمة، بدا الصحافيون غير متأكدين من كيفية المضي قدما. وقال عبد الرحمن وهو ينظر إلى ضابط إعلامي من هيئة تحرير الشام، والمكلف بمهمة المساعدة في إعادة تنظيم وكالة الأنباء الحكومية: “نأمل أن نتمتع بالحرية كصحافيين وأن لا يعتقل أي منا بعد الآن”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية