أتذكر منذ سنوات وأثناء زيارة لي، لبلادي، وكنت أود الدخول إلى أحد المستشفيات للقاء بعض الزملاء القدامى، والتعرف على بعض الحالات في قسم القلب، أن وجدت شخصا في حوالي السبعين، متشنجا يصرخ عند البوابة. كان مريضا بالقلب كما فهمت، ولديه موعد مع طبيب مختبر القلب لإجراء قسطرة تشخيصية، كانت معه كل الأوراق التي تثبت ذلك، لكن الخفير الموجود عند البوابة، رفض إدخاله بإصرار غريب. كان الرجل عاد مؤخرا بعد أربعين عاما قضاها في المملكة العربية السعودية، كان يصرخ ويردد بالضبط ما ردده بطل ماركيز في رواية «الحب في زمن الكوليرا» ذلك الطبيب العائد بعد أن تلقى تدريبا في فرنسا، وشاهد الوسخ والتخلف في الميناء ساعة أن رست الباخرة التي تحمله، وهو أنه كان يعيش في الخارج أفضل حياة، وعاد مجرجرا بالحنين، والآن يتمنى لو حملته ريح عاتية إلى حيث كان يعيش.
تحدثت مع الخفير عن وجهة نظره في منع مريض من الدخول لإجراء عمليته، ولم تكن لديه وجهة نظر في أي شيء، مجرد خفير يحرس بابا، ويستطيع أن يقول نعم أو لا، بحسب مزاجه ولا أحد يهتم. إنه جزء من «برستيج» أخرق، لكن يرضي واحدا مثله يعيش غالبا في فقر وتهميش.
لنر كيف سيدخل هذا الخفير الجلف إلى نص كتب في المهجر، إنه قطعا لن يدخل بتلك الجلافة ولكن بكثير من التذويق بحيث يصبح ثمة عذر لمنعه مريضا من دخول المستشفى.
أذكر أيضا تلك الإجراءات المطولة للخروج التي يواجهها العائدون في عطلاتهم من بلاد المهجر، في أي بلد فيه مهاجرون يعودون في عطلاتهم لرؤية أهلهم، أو لتعمير مساكن من أجل عودتهم النهائية في المستقبل. إنها إجراءات باطشة، من أول تكشيرة موظفي الجوازات والجمارك، إلى تلك الرسوم العالية التي على العائد دفعها قبل أن تطأ قدماه البلاد، وقبل أن يغادرها أيضا حين يزور مبنى شؤون المغتربين. وقطعا مثل هذه الإجراءات من المفترض أن تجعل العائد يفكر كثيرا، قبل أن ينساق إلى أي حبل من حبال الحنين، أو يرتدي أحد أرديته، لكن ذلك لا يحدث.
إذن وبصفتي أحد المغتربين عن بلادهم منذ سنوات طويلة، واكتملت تجربتي في الخليج، فإن كثيرا من نصوصي تعتبر من لحم أدب المهجر وتحمل سماته كلها، وغالبا تنتجها ذاكرة أجبرها الحنين على استعادة الأشياء القديمة المتعبة التي بسببها خرجت، أنيقة ومرتبة، مثل تلك الشوارع التي لن تأتي مغبرة ومليئة بالحفر، والأسواق لن تكون في الغالب تلك المزدحمة بالبضائع بلا ترتيب أو أناقة ولكن أسواقا عظيمة.
الذاكرة هنا لا تحتاج لتدريب متعمد، بمعنى أننا لن ننحتها من أجل العثور على موقف ما أو تجميل حكاية، سيتكفل الحنين وحده بذلك، وسيأتي بالمعطيات كلها إليها.
وفي مغتربي الذي ذكرته، تأتي إلى ذاكرتي باستمرار أسماء ووجوه ومواقف لا أصدق أبدا أنها موجودة في الذاكرة. أحيانا تأتي بلا سبب معين وفي أوقات لا أكون أكتب فيها نصا معينا، وقد يدفعني ذلك لكتابة النصوص. كنت ذكرت في رواية لي اسمها «العطر الفرنسي»، صدرت منذ سنوات، أن بطل القصة يمكنه أن يتذكر حتى ذبابة حطت في طبق حسائه منذ أربعين عاما. وحقيقة كنت أصف ما يحدث لي، سأظل أتذكر أببا تسفاي الجميلة، اللاجئة من إريتريا أثناء الحرب مع إثيوبيا، من دون أن أقصد ذلك. ستظل ذكراها تأتي مفصلة أكثر كل يوم، وجهها، ثيابها، عطرها، طعنة الخنجر في قلبها، دمها المتطاير، لونها الباهت، وموتها ونحن نحاول إنقاذها، وأخيرا تكتبها ذاكرة الحنين في نص.
الآن ثمة حرب عبثية وطاحنة تدور في السودان، حرب نشبت هكذا ولأسباب ربما تكون موضوعية عند البعض، وبعيدة عن الموضوعية عند البعض الآخر، إنها حرب تتأزم فيها الحياة العادية بصورة غير أخلاقية ولا تمنح حتى شظف العيش فرصة أن يكون موجودا من دون تدخل منها. وأظن أننا نادينا كثيرا بضرورة إيقاف تلك الحرب، وبدء الحوار من أجل الوطن، لأن لا مصلحة لأحد في وطن ممزق، أبناؤه ضائعون في بلاد الغير، وغير مرحب بهم بعد أن اكتسبوا صفة اللجوء، ولكن ما تزال الحرب جاثمة تعوي، وتبطش.
وأظن أن الحنين في مثل هذه الأجواء يزداد كثافة، ويمكن أن يخنق حتى، وإن كتب أحد الأدباء المغتربين تلك الحرب يوما، سيسعى إلى إيجاد وجه جميل للخرطوم التي لم تترك فيها القذائف وطلقات الرصاص أي فرصة لتخيل شيء يخصها. لا أقول إنها كتابة عديمة الجدوى وكاذبة، ولكن أقول كتابة تعج بالحنين والاشتياق لسوق أمدرمان الذي يمكن أن تعثر فيه على كل شيء، والسوق العربي الممتلئ بالبضائع، وحتى محل لذيذ للفول والفلافل. وما عمرته السنوات الأخيرة في بلد كان يمكن أن يتعافى وينطلق لكن دائما ما تكبله أيد ثقيلة من عشاق الهدم، والآن جاءت الحرب التي لن يسلم من أذاها أحد.
نحن داخل الحنين، ونظل هكذا نحن إلى الأيام التي نسميها جميلة، وممكن جدا أن لا تكون فيها أي لمحة جبال.
*كاتب من السودان