محمد كتيلةالسجن والموت متشابهان إلى حد التخمة، في بغضهما وكراهيتهما اللامحدودة للحياة، وفي عداوتهما اللدودة للحرية، ولجميع أشكالها ومعانيها، ويلتقيان دائماً وأبداً في عتمة واحدة، وما ينتج عنهما من ظلال متشحة بالسواد والظلمة، تفرض وحشتها ودمامتها على أي كائن، يصبو إلى الحرية، ويحن إلى أي مصدر كان للضوء، يأتيه ملوحاً بالخلاص وفرجة أمل، ولو من بعيد.
يعملان بلا كلل أو ملل، وبمهارات فائقة وبإتقان هائل، لتفريغ الحياة من جمالها وسحرها، وفي جعلها مكاناً آمناً للفناء، ومرتعاً خصباً للوحوش والعدم.
وفوق ذلك، ورغم اتفاقهما في الصميم، إلا أنهما يختلفان في طريقة العمل وآليات التنفيذ، فالأول يعمل باستماتة لا تضاهى، لترويض الإنسان الحر والمعتقل بسبب نشدانه للحرية، لتقبل فكرة الموت وبالإكراه، بالوعيد تارة وبالتهديد في مرات لا تحصى، مستخدماً أبشع وأقسى وأقذر أدوات التعذيب، وأساليبها المرعبة المروعة، التي لا تتوقف على إيقاع الأذى في السجين وإنهاكه فقط، بل تصر على هلاكه والخلاص منه ما أمكن إلى ذلك سبيلا، ما لم يعترف بمن هم رفاق دربه، ومن هم في ذات السبيل والهدف النبيل.
أما الثاني، فهو انتهازي صرف، ولا يعرف المناورة أو المراوغة، ولا يضللك إذا ما أردت أن ترى وجهه الحقيقي كوجه للهلاك، ولا يحاول أبداً أن يقنعك بأنه الملاك/ ملاك الموت، وهو هو كما الأول، لا يتنازل ولا يتقبل الحوار، لا يستمع إلا لصوته النشاز، لا يمهل ولا يهمل، ينهي عمله بضربة قاضية، لا كما السجن الذي يطيل فترة وجودك حياً كي لا يحرم من متعته الوحيدة وأنت مصدرها، متلذذاً في الاستماع إلى صراخك وأنينك، مستغيثاً بجميع المقدسات والإله والوطن، ولا يحصل على نشوته القصوى، إلا برؤية انثيال الدم متفصداً من جروحات الجسد العاري، مما يؤجج شهيته المفرطة للالتهام والاغتصاب، ذكراً كنت أم أنثى.
كم توسلت الموت وفي مرات عديدة ليرأف بي وبالخوف المصاحب، من شدة الألم والمتصاعد في كل خلية وقطرة دم، عدا عن الغيظ المكتوم وانحباس الأنفاس، وجفاف القلب وانكسار الروح وتشظيها، كم تمنيت في لحظات التعذيب القصوى والضعف، أن يكون الموت صديقي أو زائري المرتقب، خاصة في الأيام الأولى من الاعتقال، حيث التعذيب لا يتوقف، ويستمر ليلا نهاراً وبلا انقطاع.
لم يبرحني الموت ولا فارقني لحظة، شاخصاً بين عيني المعصوبتين، يسرح بخفة ونشاط في دمي وشراييني، ويتنزه ويمرح بين ضلوعي والأنين، واعداً مستعداً للانقضاض على قلبي، في حال تعثرت نبضاته، أو إذا ما تلكأ القلب عن الخفقان، بسبب كثافة الخوف والارتعاد، أو بعد إفاقة مضنية من فقدان للوعي، أو شلل في الأطراف، أو بسبب عطب في الذاكرة، أو نتيجة بلل في الثياب والأعصاب.
يخونه الخيال كل من ليس له تجربة، أو معرفة حية في هذا المجال الصعب، الذي يكاد ألا يصدق، من كثرة ما فيه من حكايا موجعة، وأقاصيص مرعبة، تفوق التصور أو الخيال، ويخطئ كل من يسدي الرأي والقول المجاني السريع وبلا تأنٍ: أن السجن تجربة مفيدة رغم قسوتها، لكن يقيني لن يخدعني في هذا الشأن المستعصي على من لم يدخل التجربة، لو اعترضت بشدة على هذا الكلام، كي لا ينتشر ويتفشى بين الناس، خاصة الأبرياء منهم ومن تغريهم هذا التجربة من بعيد، وسأعمل كل ما في وسعي ما دمت حياً إلى الآن، لأقف حائلاً دون أن يصبح هذا الكلام من الأقوال المأثورة، يتغنى بها البشر الطامحون في العيش بحرية وكرامة، لأن السجن، ومن هذا النوع، ولأنك في بلادك، لا يعطي أملاً بالحياة أبداً ولا أي وعد بالحرية، بل يفضي دائماً وأبداً إلى الموت وببطء شديد، إن كان في داخله أو في خارجه، ناهيك عن الأعطاب الجسدية والنفسية التي تدوم ما دمت حياً أو على قيد الحياة، فالعذابات التي يتعرض لها سجين الحرية، لا يمكن أن يتحملها بشر من لحم ودم ومهما كان، وأعقد هذه العذابات، شعورك ووعيك، أن من يوقع فيك وبك كل هذا البلاء والأذى، ليس عدوك ـ أي المستعمِرـ بل المستبد ومن ينطق بالضاد على الأقل، ويتكلم لغتك ذاتها.
أن يهدر العدو كرامتك ويسلبك تاريخك وهويتك بسبب مقاومتك له، فهذا أمر لا نقاش فيه ولا اعتراض عليه، فهو وبكل الأحوال عدوك، ومن يحتمل العذاب والهوان في سجونه ومعتقلاته، لا يفعل ذلك ويصمد فوق طاقته، إلا لتعزيز الصمود لمن هم ساهرون على الحدود وفي الوطن، ولرفع معنوياتهم وتدعيمها، وتعزيز طاقة التحدي والصمود لديهم، وبالتالي يتخفف السجين/المعتقل من آلامه، ويرتفع به الإحساس إلى ذرى عالية جداً، يكمن فيها الفخر والاعتزاز.
وإن كنا في كلتا الحالتين لا نستطيع أن نتخلى عن الأمل، كمنفذ وحيد للنجاة والخلاص، إلا أن التخلص من الألم المعنوي والنفسي ليس بالسهل كما يظن البعض، لأنه يحتاج إلى شجاعة كافية، وقد لا تتوفر دائماً، لتجاوز حالة الصمت والذهول في الحد الأدنى، لقول كل ما يصعب تصديقه في مواجهة النسيان المستحيل، فالوقوف أمام السجان عارياً من كرامتك واسمك وهويتك الممهورة بأحرف الضاد، مكبلاً بأصفاد الحقد والحديد، معصوب العينين والقلب، وحيداً وأعزل، وكل ما فيك يرتجف، بلا ماض ولا تاريخ، وكأنك خلقت للتو، هكذا وعلى دفعة واحدة، لا دخل لك فيها، وكل ما تعرفه عنك وما تقشعر له الأبدان، أن من تقف أمامه عارياً ولا تراه، ليس عدوك، بل هو واحد منك، وأحد أبناء أمتك، تختلف معه بالرأي وفي زاوية الرؤية والنظر إلى الوطن وفي معنى الوطن.
ورغم أن تجربة الاعتقال، تبقى على مر الأجيال والعصور، تجربة نضالية نوعية وفريدة من نوعها، وتكاد تكون استثنائية محضة، إلا أنني لا أعتقد بوجود إنسان على وجه الأرض ـ وبعد أن سمع ما سمع عنها، وبعد أن قرأ مما هو في خيال بعض الكتاب، ومن التجارب الشخصية الحية، وبعدما رأى من أفلام قصيرة عما يحصل داخل السجون ـ يتمنى أن يكون هناك للحظة واحدة، وهذا ما لا أتمناه لأحد، بكل ما في الكلمة من صدق وأمانة.’ كاتب فلسطيني يقيم في كندا