دارفور مضمار الصراع بين السودان والولايات المتحدة

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

لماذا قامت حكومة الإنقاذ بانقلاب عام 1989؟ الإجابة المباشرة لهذه السؤال هي انها ارادت ان تؤسس لنظام اسلامي اطلقت عليه اسم المشروع الحضاري.

وفي البداية نقول، يحق لكل جماعة ان تنادي بما تطمح إليه وان تصل إلي السلطة لتحقيق أهدافها بالطرق المشروعة، فهل وصلت الحكومة السودانية إلي السلطة بهذه الطريقة؟

الإجابة لا، لأن حكومة الإنقاذ وصلت عن طريق الإنقلاب الذي يري الكثيرون انه كان الأسلوب المفضل في مرحلة من المراحل، ولكن هل استطاعت حكومة الإنقاذ ان تؤسس مشروعها الحضاري؟

هنا لا بد أن ننظر إلي الأمر من زاويتين، الأولي تتعلق بقدرة النظام علي تأسيس المشروع الاسلامي وشكل هذا المشروع والثانية تتعلق بجدية النظام في تأسيس مشروعه الإسلامي.

وبالنسبة للمسالة الأولي نتساءل، لماذا يكون السودان وحده دون الدول العربية والإسلامية هو المؤهل والقادر علي تأسيس هذا المشروع، فهل السودان يملك خيرة العلماء القادرين علي استنباط الاساس الذي يقوم عليه هذا المشروع الحضاري؟ وهل الدول العربية والإسلامية أقل خبرة وقدرة علي تأسيس مثل هذا النظام بينما السودان وحده هو القادر والمؤهل لتنفيذ مثل هذا المشروع؟

الإجابة علي تلك التساؤلات لا تحتاج إلي كبير جهد ولكن حتي لو كانت كلها بالنفي، فهناك من يقول إن السودان ليس أكثر هذه البلدان تأهيلا وهو فقط أكثرها اشواقا، والرد علي من يقول ذلك هو هل تؤسس الدول علي الاشواق وحدها؟

وهل أخذ القائمون علي المشروع الحضاري بكل الاختلافات العرقية والعنصرية والدينية التي تقف في طريق مشروعهم الحضاري؟

الإجابة بكل تأكيد لا، والدليل علي ذلك هو رفعهم الرايات البيضاء في أول اختبار لهم في جنوب السودان حيث اندفعوا يقبلون حلا يتعارض تماما مع فكرة المشروع الحضاري الذي يدعون إليه.

وها هم يكررون التجربة نفسها في إقليم دارفور حيث وجدوا أنفسهم بحاجة إلي تقديم تنازلات عن شيء لا يملكونه وهم سائرون في هذا الإتجاه لوضع لبنات جديدة في اتجاه تقسيم السودان، و ما عادوا يفكرون في الأخطار التي تحدق بالوطن بقدر ما يفكرون في الإبقاء علي النظام، ليس من أجل تحقيق أهداف المشروع بل من أجل حماية السلطان. وإذا توقفنا عند المسألة الثانية التي تتعلق بجدية النظام في تحقيق مشروعه وجدنا جانبا آخر من الخلل، ذلك أن النظام لم يكن مؤهلا من الناحية الفكرية أو النظرية كي يضع اساسا لحكم اسلامي في السودان. وكل ما لديه جماعات عملت في اطار التنظيمات السياسية وعندما أتت إليها السلطة استقطبت كل عناصرها وسلمتها الإدارة والمؤسسات غير عابئة بمصير مئات الآلاف من العمال والموظفين الذين شردوا من وظائفهم بغير وجه حق، وأصبحت الدولة في معظمها نظاما للسلب والنهب بحيث يتحدث الناس عن أموال تفوق الخيال نهبت ووضعت في مصارف أجنبية وأكثر ما يخشاه المتحكمون في النظام أن يخضعوا للمحاسبة التي تظهر جميع أنواع الفساد التي ظلت سائدة، أو أن يصل الأعداء إلي الأماكن التي تودع فيها أموالهم بحيث تذهب كل جهودهم هباء.

وربما كان ما ذهبنا إليه امر طبيعي في كثير من دول العالم العربي التي تسيطر عليها نظم شمولية ويستقر الفساد في أركانها ولكن السودان دخل مرحلة جديدة هي مرحلة التفكيك وهو من أكثر البلدان تأهيلا لها بسبب الثقافة العنصرية السائدة فيه. ومن الغريب أنه مرت حقبة علي السودان كانت النزعات الشوفينية والعنصرية فيه تمارس من بعض قبائل شمال السودان علي القبائل الجنوبية والغربية ولكن انعكس الوضع الآن، واصبحت العنصرية نزعة سائدة عند كل الاتجاهات سواء في الغرب أو الجنوب وهي تحمل الشمال كل اسباب الفقر والتخلف علي الرغم من أنه لا يوجد دليل واحد علي ان الشمال نهب شيئا من ثروات الجنوب أو الغرب، او أنه يملك أي شيء يمكن أن يكون سببا للنزاعات بينه وبين الأقاليم التي استهوتها عبارة تقاسم الثروة والسلطة، والمؤسف هو أن كثيرا من القبائل في جنوب السودان وغربه خدعت بموقف الولايات المتحدة وأوروبا حين اعتبرت موقفهما داعما لها ويجب ان تستثمره دون أن تدرك أن موقف العالم الغربي بعامة يأتي من منظور العداء للدول العربية والإسلامية والرغبة في تفكيك السودان لإضعاف مصر وغيرها من الدول العربية لصالح دولة الكيان الصهيوني في اسرائيل. وإذا نظرنا إلي مسألة دارفور وجدناها في معظمها مهزلة سياسية كبري تفتقر إلي الاساس الذي تقوم عليه ذلك أن دارفور ليست بأي حال من الأحوال إقليما منعزلا نائيا يخضع لجرائم الحكومة أو الجنجويد فأهل دارفور موجودون في كل مكان في السودان وهم من أكثر أهل السودان مشاركة في الحكم والإدارة والمؤسسات العامة وبالتالي لا يمكن أن يوصفوا بانهم مهمشون إلا إذا كان هذا الوصف ينطبق علي أهل السودان جميعهم. ومن جانب آخر فإن الحكومة لا تملك موارد خاصة تستأثر بها عن معظم أهل السودان لأن هذا البلد ليس حديثا بحيث يمكن أن نقول إن الحكومة تجبي الضرائب من كل الأقاليم وتسخرها لمصلحتها أو لمصلحة أقاليم معينة. علي حساب أقاليم أخري لأن الحقيقة هي ان السودان كله فقير وليست لديه موارد وإقليم دارفور أيضا من هذه الأقاليم الفقيرة بسبب شح المياه ولا يمكن أن تكون مطالبة الإقليم بتقاسم السلطة والثروة موضوعية إلا إذا كانت السلطة فيه عند غير أبنائه وكانت ثروته منهوبة من أجل توزيعها في أماكن أخري وبالمنطق نفسه لا يستطيع المتمردون أن يطالبوا بثروة لم تنبع في إقليمهم لأن ذلك سيفقر اقاليم أخري ولا يوجد دليل علي أن حكومة الخرطوم تملك الموارد التي يطلبونها. هذه الحقائق الأولية معلومة تماما للإدارة الأمريكية التي اججت الصراع في دارفور والتي تقف خلف حركات التمرد بدعمها ماليا ونظريا وقد ظهر هذا الأمر أخيرا عندما شجعت الإدارة الأمريكية المتمردين بعدم التوقيع علي الاتفاق الذي أعده الاتحاد الأفريقي ولكن الإدارة الأمريكية علي الرغم من ذكائها فهي لم تكن تتوقع أن يعلن السودان من جانب واحد أنه علي استعداد لتوقيع الاتفاق وبالتالي أفشل من الناحية الدبلوماسية المشروع الأمريكي وذلك ما دفع الولايات المتحدة كي ترسل بسرعة البرق روبرت زوليك نائب وزيرة الخارجية الأمريكية كي ينقذ ما يمكن انقاذه، وهو في هذه المرحلة سيركز علي أن تقدم الحكومة السودانية تنازلات لتوقيع الاتفاق ولكن تنازلات عن ماذا؟

ما تريده الحكومة الأمريكية هو دولة مستقلة في دارفور ولكنها تحتفظ من الناحية النظرية بلحمتها مع الخرطوم وهو نفس المخطط الذي اتبعته في جنوب السودان وأري أنها ستتبعه في أقاليم أخري من السودان وما أراه هو أن الاستراتيجية الأمريكية تسعي في الوقت الحاضر إلي وضع الأساس لقيام دول مستقلة في داخل الكيان السوداني، هذه الدول لا تتمتع باستقلالها علي النحو المعروف ولكنها تمارس حياتها وكأنها مستقلة فهي تنفرد بمواردها وحكوماتها وتشارك في السلطة المركزية بمنصب نائب رئيس وتأخذ من موارد لا تملكها في انتظار اللحظة الحاسمة التي يتفكك فيها السودان باسره.

ولا أعتقد أن الحكومة لا تدرك حتي هذه المرحلة اسرار هذا المخطط ولكن الحكومة اصبحت امام خيارين فإما ان تقبل ما يخطط لها وإما ان تدخل في مواجهة مع الغرب بأسره الذي يعادي العرب كما يعادي اي وجود عربي في السودان. واختارت الحكومة سياسة التنازلات ونذكر جميعا تلك العبارة الساخرة التي قالها مندوب الأمين العام للامم المتحدة في السودان يان برونك حين أكد علي أن الحكومة السودانية سترضخ في نهاية الأمر لكل ما يطلب منها وما نشاهده الآن هو أن الحكومة ترضخ لكل ما يراد منها وهي تبرر ذلك بأنها تسعي إلي إيجاد حلول متفق عليها بين أبناء الوطن الواحد بل تفكر في نظام فقد كل اشكال المقاومة وبدأ التفكير في إنقاذ نفسه ولكن برؤية لن تحقق له شيئا في نهاية المطاف. وأما الشعب فهو غائب بشكل كامل او مخدر بشعارات براقة لا اساس لها في عالم الواقع وهو يستفز بين الحين والآخر بعبارات التحدي التي تجد قبولا عند رجل الشارع العادي الذي لم يعد يدرك المصير الذي ينتظر البلاد من الأخطار التي تحيق بها. ہ كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية