دارفور والمواجهة المؤجلة بين مصر واسرائيل
د. يوسف نور عوضدارفور والمواجهة المؤجلة بين مصر واسرائيلالحرب التي وقعت أخيرا في لبنان فتحت أعين الإسرائيليين علي كثير من الحقائق الجديدة في المجالين العسكري والسياسي. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في الإنتقادات التي وجهتها الصحف الإسرائيلية للحكومة ولومها علي كونها لم تفعل الكثير من أجل التقرب من العرب، واستعاضت عن ذلك بإعتماد نظرية عسكرية خالصة اثبتت الحرب الأخيرة في لبنان أنها لم تعد ذات جدوي ولا تحقق الأهداف الإسرائيلية.. وعلي الرغم من أن هذا الموقف كان واضحا لكثير من القادة الإسرائيليين فإنهم لم يظهروا ما يؤكد انهم استوعبوا الدرس واصبحوا علي استعداد لتغيير مواقفهم.ويظهر ذلك بوضوح من خلال المقالة التي نشرتها صحيفة الغادرديان البريطانية لشمعون بيريز الذي أعترف بأن الحرب التي واجهتها اسرائيل في لبنان كانت حربا من نوع خاص، وهي في نظره حرب قام بها الإرهاب المسلح بالصواريخ والعقائد الدينية والذي استطاع أن يواجه الأسلحة التقليدية من طائرات ودبابات إلي جانب التجمعات المدنية دون أن تكون هناك حدود فاصلة بين الجبهة العسكرية والجبهة المدنية، وقال بيريز إن هذه الحرب تم خوضها بصورة كاملة في جبهة الأرض بمساعدة عدسات التلفزيون التي اظهرت المآسي التي كان يمكن التغطية عليها في الماضي، واعترف بان اسرائيل لم تكن مهيأة لمثل هذه الحرب وكان من الحماقة استخدام الطائرات والدبابات لملاحقة أفراد من الإرهابيين في جبهة غير محددة المعالم، واستنتج بيريز أنه لا يوجد سلاح رادع يمكن أن يكون حاسما ونهائيا، ودعا إلي ان تحاول اسرائيل تطوير استراتيجية دفاعية جديدة تناسب هذه المرحلة من خلال تقنية تتمكن من التعرف علي الإرهابيين من وجهة نظره بصورة فردية. ويعتقد بيريز أن اسرائيل لديها طائفة من العلماء قادرة علي تطوير هذا النوع من التقنية. وفي الجانب السياسي قال بيريز إن علي اسرائيل ان تعمل من أجل أن تكون في لبنان سلطة مركزية واحدة وأن يكون ذلك هو الوضع السائد في سائر الدول العربية لأن الدول التي تفقد هذه السلطة من وجهة نظره لن تكون قادرة علي بسط الامن في منطقتها. وقال بيريز إن مبادلة الأرض بالسلام كانت ناجحة في كل من مصر والأردن ولكنها فاشلة بالنسبة للوضع في لبنان وفلسطين وقال إن الإنسحاب من غزة لم يوقف الصواريخ منها إلي داخل اسرائيل، ويري أن نشر قوات الامم المتحدة في جنوب لبنان سيساعد علي تحقيق الأمن والسلام لإسرائيل، وقال بيريز إن عدم القدرة علي تحقيق السلام مع الفلسطينيين لا ينطوي علي نية سيئة بقدر ما هو تأكيد علي أن الذين يريدون السلام لا يملكون القدرة علي تحقيقه، وبالتالي فهو يري أن الإنسحاب من الضفة الغربية لم يعد أمرا ملحا، وقال إن اسرائيل كانت دائما مستعدة للدخول في محادثات سلام وفق خطة خريطة الطريق ولكن حكومة حماس الحالية هي التي تقف في الطريق واقترح أن يكون هناك بديل يتمثل في شراكة إقتصادية بين الأردن وفلسطين واسرائيل تحول ساحل البحر الأحمر ونهر الأردن إلي مشروع إقتصادي ليصبح المشروع الإقتصادي بديلا للمشروع السياسي، ويعترف أن ذلك يحتاج إلي إمكانات مادية يمكن أن تسهم فيها دول خارجية، وذلك من وجهة نظره السبيل الوحيد لحل مشكلات المنطقة.وكما نري فإن شمعون بيريز غير مستعد لقراءة الواقع الجديد في المنطقة بطريقة صحيحة، وعلي الرغم من إعترافه بفشل القوة العسكرية فهو يريد أن يجير الواقع الجديد في المنطقة لصالح اسرائيل تماما كما كانت آماله في الماضي مستندا علي أن الذي يقف أمام خطة خريطة الطريق هي حكومة حماس وليس المواقف الإسرائيلية المتعنتة استنادا إلي أن اسرائيل رفضت سياسة المباحثات حتي قبل أن تأتي حكومة حماس إلي السلطة. وهو يريد أن يجير نتائج حرب لبنان أيضا لصالح اسرائيل علي الرغم من هزيمتها في الحرب. ويقول في ذلك إن الإنسحاب من غزة كان فشلا ذريعا للسياسة الإسرائيلية ويجب الا يتكرر في الضفة الغربية وان يكون البديل عن ذلك تطويرر المشروعات الإقتصادية مع الأردن والفلسطينيين. وتلك سذاجة سياسية هي التي أوصلت اسرائيل والولايات المتحدة إلي مرحلة الحرب اللبنانية، وبالطبع لا نتوقع حدوث إختراق في الموقف الإسرائيلي لأن الولايات المتحدة مازالت تسير بطريقة عمياء من أجل تحقيق كل ما تريده اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط. ونري أن أخطر ما تحاول الولايات المتحدة تحقيقه لصالح اسرائيل في المنطقة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يقوم علي إثارة النعرات الطائفية والعنصرية ويتم تحت ذريعة محاربة الإرهاب والبحث عن حل ديمقراطي. وذلك كذب بكون الولايات المتحدة تدرك أن المنطقة غير مهيأة للدخول إلي مرحلة الديمقراطية وتدرك أن الديمقراطية لا يمكن أن تحصر في العملية الإنتخابية ولو كان الأمر كذلك لإعترفت أمريكا بنتائج الإنتخابات الفلسطينية وتوقفت عن دعم جمال مبارك وسيف الدين القذافي حيث يتبني أحدهما مشروع الإصلاح السياسي في بلاده والآخر مشروع الإنتقال من مرحلة الثورة إلي مرحلة الدولة. وكل تلك افتراءات لا يوجد لها سند عملي في واقع الحياة السياسية في كل من مصر وليبيا، ولكن الولايات المتحدة لا تعير إلتفاتا إلي ذلك. وكما اسلمت العراق للفوضي فهي لا تمانع في أن تنتقل حالة الفوضي إلي أماكن اخري ومنها لبنان وسورية ومصر ولعل ما يحدث في السودان في هذه المرحلة هو بداية مواجهة مؤجلة مع مصر التي علي الرغم مما تقدمه من تنازلات للإدارة الأمريكية واسرائيل علي حساب مصالحها الوطنية والقومية فإن اسرائيل وأمريكا تواصلان خطة محكمة من أجل توريطها في حصار سيجعلها تخضع في النهاية إلي وضع لا يقل خطورة عما يحدث في العراق. وقد نشرت جريدة المصريون الإلكترونية عن صحيفة اللوموند الفرنسية الخطة الأمريكية المتكاملة للأجندة الإسرائيلية الأمريكية في مصر، فالخطة لا تكتفي بنصب صواريخ قادرة علي ضرب السد العالي لإغراق مصر بل تعمل علي التنسيق بين المخابرات الامريكية والموساد بشأن الوضع في دارفور. وتقوم الإستراتيجية في هذا المجال علي نشر حالة من الفوضي في الإقليم تبرر دخول قوات اممية تكون قادرة علي نشر حالة من الذعر في الإقليم تبرر دخول قوات اممية تكون قادرة علي نشر صواريخ أرض أرض قادرة علي ضرب السد العالي وبعض المدن الكبيرة في ليبيا والشمال الأفريقي كما يقول الباحث العسكري جوزيف ألسوب، وان تكون الخطوة التالية سحق الجيش السوداني وإسقاط الحكومة السودانية وتسليم القدرات البترولية السودانية للبلاد وانتاج اليورانيوم لشركات أمريكية. وقد نشر المحلل السياسي والعسكري في صحيفة ليبراسيون ان الهدف التالي هو التحكم في مياه النيل من أجل إضعاف مصر ومن ثم التحكم في منطقة الشرق الاوسط وفق خطة الرئيس جورج بوش المعادية للعروبة والإسلام، ويصبح بالتالي التدخل الامريكي في دارفور بغطاء اممي مجرد مرحلة مؤجلة للسيطرة علي مصر وخلق حالة من الفوضي في داخلها، وقد صرح الرئيس البشير بانه مطلع علي خطة تقسيم مصر إلي ثلاث دويلات وهوالهدف الذي تسعي إليه اسرائيل. ولا نريد ان نزعم أن ما تسعي إليه الولايات المتحدة واسرائيل امر سهل التحقيق، فقد أثبتت كل المؤشرات السابقة علي ان هاتين الدولتين قادرتان علي التورط في سياسات تكلف كثيرا ويكفي أن نري اليوم المملكة العربية السعودية تتجه لشراء سلاح من فرنسا بقيمة ملياري دولار في هذا العام وأربعة مليارات في العام المقبل إلي جانب شراء اسلحة بمليارين من الولايات المتحدة وهو مبلغ يعطي أكثر من ثلاثين اسرة سعودية مبلغ مئتين وخمسين ألف دولار للاسرة الواحدة يمكنها أن تسهم في إنعاش الإقتصاد السعودي.والسؤال هو ما أهمية هذه الاسلحة ولماذا تحاول دول المنطقة التصرف علي هذا النحو بتوهم أنها تحمي نفسها من اخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة واسرائيل؟ إنه وضع يحتاج لتفكير عميق من الدول العربية المطالبة بان تنتهج اسلوبا جديدا في التعامل مع واقع لا يقبل الإسترخاء والضعف اللذين اصبحا سمة بارزة في الحياة السياسية العربية. ولعل مصر تتحمل المسؤولية الكبري في المنطقة ويعتبر تصحيح مسار سياساتها الضمان الحقيقي لان تستعيد المنطقة شيئا من حقوقها الضائعة.9