لاحظ مقال في صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية تشابهات في سير بعض قادة الانفصاليين الاوكرانيين الموالين لروسيا مع سير الجهاديين في أرجاء العالم الإسلامي، وتستحضر الصحيفة مثال القائد العسكري في إقليم شرق دونباس ايغور ستيريلكوف الذي تطوع للقتال في الخارج خلال مراهقته، مستلهماً طقوساً من القرون الوسطى ونصوصا دينية قديمة، أثناء قتاله لعشرات السنين مع عصابات أمراء الحرب في أسوأ أماكن الأزمات العالمية، التي تمولها وتسلحها أجهزة الاستخبارات.
عاد ستريلكوف الى وطنه مثخناً بالندوب، ومتطرّفا يملؤه شعور بالاشمئزاز من الانحطاط الغربي الأمر الذي أقنعه أن يقوم بتطهير هذه الحضارة من مساوئها.
رغم انه مسيحي ارثوذكسي من موسكو ذهب لتحقيق أحلامه بالقتال في البوسنة والقوقاز، ولكن ما نستقرئه من مقالة الصحيفة، انه يشبه الجهاديين الإسلاميين، في «سلفيّته» عبر طريقة إيمانه بالتقاليد القديمة لروسيا الارثوذكسية، وهو في هذا الأمر يقارب كثيرين من زملائه على طرفي النزاع من قدماء محاربي الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وكذلك بعض خصومه الأوكرانيين أيضاً.
تلاحظ الصحيفة التغيّر الحاصل لأول مرة على تراب أوروبي حيث تتحول أوكرانيا، كزميلات لها شرق أوسطيات، الى «دولة فاشلة» بسبب التدخل المالي والعسكري الروسي هناك، وهو ما يشير الى تحوّل خطير لم تعهده أوروبا، وينذر بمخاطر لم تتحضر لها.
تكشف المقالة جانباً خطيراً لا تهتم وسائل الإعلام، عادة، بالتمحيص فيه، لأنه يخرج عن نطاق التغطية الغارقة في تفاصيل الشأن الحدثي المشغول بعدد القتلى والجرحى وفظائع الحرب، ناهيك عن التغطيات التي تظهر «داعش» ومثيلاتها كما كانت خاصية جينية بالمسلمين، ولدت معهم بالفطرة، وهي مرتبطة بدينهم، لا بالظروف التي تمر بها بلدانهم.
العودة غير المظفرة لـ «جهاديي الأرثوذكسية» الروس تذكر بفظاعات وانتهاكات يندى لها جبين الإنسانية حصلت في البوسنة وأفغانستان والقوقاز، وشملت مذابح واغتصابات وإبادات جماعية، وهو ما يعيد التأكيد على أن البشر غير قادرين على التخلص من همجية طبعتهم عليها عشرات آلاف السنين، وأن الحضارة ليست غير قشرة رقيقة لإنسان «النياندرتال» القديم، غير أن الفارق أن ذلك الجد الوحشيّ المفترض للبشر ما كان يقتل أكثر من طريدته أو اعدائه المباشرين، ولم يكن يعتبر قتله لهم رسالة مقدسة تدعوه اليها ديانته او قوميته او أيديولوجيته السياسية.
ومما يؤسف له أشد الأسف أن زاعمي مناهضة هذه الحركات، أنظمة دكتاتورية او ديمقراطية، لا يهتمّون بأسباب انتعاش هؤلاء وازدهارهم، ولا يتّعظون من زيادتهم لا نقصانهم، منظّرين لمحاربتهم بالعنف وحده، رغم أن العنف هو البيئة الكفيلة برفد هؤلاء بأعداد جديدة من الملوّعين والأيتام والمظلومين ممن لا يرون طريقاً أمامهم سوى الانتقام وسفك الدماء.
وبذلك يقوم مدّعو مكافحة الإرهاب بتأمين سبل صعوده وتأمين منتسبين جدد وضحايا آخرين له.
مكافحة الإرهاب لا تكون إلا بمكافحة أسبابه: الغلبة الوحشية، الاستبداد والفساد واذلال البشر وتحقير كراماتهم وهو ما توضحه، بكل جلاء، مآلات الأمور من العراق وأفغانستان وسوريا واليمن… الى أوكرانيا والشيشان وشينجيانغ.
الخطير في حالة «جهاديي» روسيا في أوكرانيا أن واحدة من أكبر دول العالم وأكثرها تسليحا تمدّهم بالمال والسلاح والرجال والخبرات والخطط الاستخبارية وهو ما ينذر بتطوّر في أساليب الإرهاب العالمية لم يسبق له مثيل.
ويقابله، في الضفة المقابلة، في العراق وسوريا، الإستهداف المدروس للشباب من مسلمي الغرب وذلك لنقل المعركة إلى أحضان أوروبا.
سيناريو مرعب يبدو الجميع منهمكين في تأجيجه.
رأي القدس