داعش.. ومخاطر إجهاض مسارات التحول الديمقراطي

حجم الخط
2

كتابات كثيرة تحاول تحليل ظاهرة «داعش» الملفتة للانتباه، هذا التنظيم الذي بات يسيطر على مساحات شاسعة من سوريا والعراق..
القراءة الأولى تستند إلى نظرية المؤامرة وتطرح السؤال على الشكل التالي: من يقف وراء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام؟ هذه القراءة تلجأ مباشرة إلى اتهام جهة خارجية بالوقوف وراء هذا التنظيم ومده بأسباب القوة والنجاح لأهداف استراتيجية، قد تكون هذه الجهة ـ حسب البعض ـ هي المخابرات الأمريكية من أجل خلق نوع من التوازن مع الشيعة في المنطقة، وقد تكون هي المخابرات الإيرانية من أجل تشويه نموذج الدولة الإسلامية الذي تطرحه الجماعات السلفية السنية وتقديمه للعالم في صورة مقززة قصد كسب رأي عام عالمي مساند لها في معركتها إلى جانب النظام السوري والعراقي، وقد تكون بعض الأنظمة الخليجية دعما للجماعات السنية ضد الشيعة..
هذه القراءة تستند إلى اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، يحاول فيها كل طرف استغلال بشاعة هذا التنظيم لتشويه الطرف الآخر..
أما القراءة الثانية فتنطلق في تحليل الظاهرة من السؤال التالي: ماهي العوامل التي ساهمت في بروز ظاهرة داعش، وكيف تشكل هذا التنظيم خلال السنوات الأخيرة، أي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق؟ هذه القراءة تعتمد على قراءة الظاهرة من الداخل عبر دراسة مسارات قيادييها ورصد أهم مواقفها وأسلوبها في العمل.
القراءة الثانية تبدو أكثر تماسكا وموضوعية. غير أن ذلك لا يعني بأن القراءة الأولى ليس لها قدر من الحضور. كيف ذلك؟
أولا، لا يتعلق الأمر بتنظيم له مرجعية فكرية يمكن محاكمته على أساسها، على خلاف تنظيمات السلفية الجهادية، ولا تعرف بين قياداته أية أسماء لها وزن شرعي أو علمي بل إن جميع الشخصيات ذات التكوين الشرعي والمعروفة في الوسط الجهادي (من أمثال أبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وهاني السباعي، فضلاً عن زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري) أصدرت عدة بيانات تحذر فيها من غلو تنظيم الدولة الإسلامية، وإفراطه في التكفير وسفك الدماء، كما عبرت عن عدم شرعية إعلانه الدولة ثم الخلافة الإسلامية.
وفي الوقت الذي أقدمت «داعش» على ذبح صحافي أمريكي بطريقة متوحشة، قام تنظيم القاعدة بتسليم صحافي أمريكي إلى القوات الأمريكية بعد وساطة قطرية وذلك لإعلان التمايز الحاصل بين التنظيمين.
بالمقابل هناك حضور قوي لشخصيات عسكرية بعثية لها سوابق في الجيش العراقي أيام الراحل صدام حسين، وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة حول المسار الذي قطعته هذه الشخصيات لتصل إلى قيادة هذا التنظيم الذي يرفع راية «الدولة الإسلامية»، وتأثير هذا المسار على مقدار الوحشية والعنف المتمثل في الإعدامات الجماعية وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث.
إن مسار العديد من قيادات هذا التنظيم يجر وراءه تراكما هائلا من البطش والتنكيل والتعذيب منذ زمن الحكم الدكتاتوري لصدام مرورا بالحرب العراقية الإيرانية، بعدها حرب الخليج الأولى والثانية وما أعقبهما من احتلال أمريكي مارس أبشع أشكال التنكيل والقمع بالمواطنين العراقيين، قبل أن تسقط البلاد في يد نظام طائفي مغلق تسبب في اندلاع حرب طائفية مروعة ذهب ضحيتها الآلاف بسبب الاختلاف في المذهب..
يضاف إلى هذا المسار أن اعتماد العنف بطريقة بشعة تركز على القتل والذبح ونحر الرؤوس، وما يتبع ذلك من نشر ودعاية على أوسع نطاق هو «استراتيجية منهجية» لبث الرعب في المخالفين، وهو ما نجح فيه هذا التنظيم إلى حدود الساعة، ساعد في ذلك التكوين العسكري لقياداته ونزوعاتها البراغماتية التي تركز على الإنجاز مقابل تحللها من أي التزامات أخلاقية أو شرعية.. أما عن قدرة هذا التنظيم على استقطاب عدد من الشباب الغاضب من جنسيات مختلفة فلا يمكن تفسيره إلا بانجذاب هؤلاء الشباب نحو حلم «الدولة الإسلامية»..
في مقالة طويلة للباحث السعودي الرصين نواف القديمي، يسلط الضوء على مختلف العناصر التي كانت وراء التقدم السريع لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق في سوريا، ولا يتردد في استبعاد وجود أي دولة وراء هذا التنظيم، غير أن ذلك لا يعني بأن هناك الكثير من الأدلة والبراهين التي تدفع إلى الاستنتاج بأن أنظمة معينة حاولت الاستفادة من وحشية هذا التنظيم، من أبرزها النظام الإيراني والنظام السوري.
لقد مثلت حالة الانقسام الشيعي في العراق عائقا أمام الرؤية الإيرانية في التحكم في مفاصل الدولة العراقية الجديدة وهو ما دفع الساسة الإيرانيين إلى توظيف «الحالة الجهادية» وبالخصوص ظاهرة داعش كـ «خطر وجودي» يتهدد الجميع ويدعو إلى التوحد وراء إيران لمواجهة هذا العدو. لقد كانت إيران حريصة دائما على وجود تنظيم القاعدة في العراق مع امتلاكه عناصر القوة والتأثير، بالقدر الذي يُحقق الهدف المطلوب بتحالف الفصائل الشيعية واستعانتها بإيران، ولا يتجاوزه إلى تشكيل خطر حقيقي على الوجود الشيعي.
لقد مثلت إيران ممرا آمنا لمعظم قيادات القاعدة الهاربة من أفغانستان نحو العراق بعد الضربة الأمريكية لأفغانستان ولبعض مواقع القاعدة في باكستان، بالموازاة مع دعم عمليات التغيير الديمغرافي الطائفي في العراق، وتشجيع الميليشيات الشيعية المدعومة من حكومة بغداد، على تهجير السنة من المناطق المهمة جيوسياسياً، كالعاصمة بغداد، ومحافظة ديالى المتاخمة لحدودها.. أما النظام السوري فعمل على توظيف»داعش» للقضاء على الثورة، وذلك بحرصه على بث القلق لدى جميع الدول من أن البديل الوحيد للنظام السوري، في حال سقوطه سيكون هو تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش.
وهكذا عمل على تغليب كفة تنظيم داعش، ودفعها لالتهام كل المناطق التي يسيطر عليها الثوار. ولتحقيق هذه الغاية يرصد الباحث نواف القديمي كيف أن النظام السوري، بعد بدء الثورة، قام بالإفراج عن مئات المعتقلين الجهاديين في سجن صيدنايا، كما أنه لم يدخل في معارك واسعة مع تنظيم الدولة الإسلامية، وتجنب قصف مواقعه، عدا استثناءات محدودة، بل وعمل في كثير من الأحيان على ترجيح كفته عبر ضرب الفصائل الثورية أثناء اشتداد معاركها مع تنظيم داعش.. بالمقابل فإن مقاتلي داعش تجنوا مواجهة الجيش السوري لاعتبارات براغماتية مرتبطة بموازين القوى وفضلوا الاستيلاء على مواقع الثوار والتنظيمات الجهادية، هذه الأخيرة التي ترددت في مواجهة الزحف الداعشي بسبب الحرج الفقهي والسياسي في مقاتلة «إخوة المنهج»..
بالإضافة إلى النظامين الإيراني والسوري، يعتبر الباحث بأن هناك دولا، أو أجهزة داخل دول، حاولت الاستفادة من بروز الحالة الجهادية في سوريا، وسهلت خروج المقاتلين من أراضيها لكي يلتحقوا بالفصائل الجهادية. وهي تتوقع أن تقوم بعض هذه العناصر بعد عودتها إلى بلدانها الأصلية، بتنفيذ عمليات تفجيرية في بلدانها، خاصة في بلدان «الربيع العربي»، وهو ما سيمكنها من توظيف هذه العمليات في التنافس السياسي الداخلي، وإعادة هيمنة الأجهزة الأمنية على القرار السياسي، والحد من مسار التطور الديموقراطي تحت لافتة مواجهة الإرهاب…
وهو التوقع الذي ينبغي أخذه بالجدية اللازمة نظرا لما يحمله من مخاطر حقيقية على مسارات التحول الديمقراطي الناشئة في بعض بلدان المنطقة العربية..

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية