داعية يتحول إلى ناقد سينمائي.. ومذيعة إلى جنرال!

حجم الخط
4

مذيعة نشرة الأخبار على تلفزيون «الجديد» سمر أبو خليل أطلّت على المشاهدين ترتدي اللباس العسكري الرسمي للجيش اللبناني، في خطوة تضامنية مع جيش بلدها الذي يشن حملة عسكرية على مسلحين في «جرود» بلدة عرسال على الحدود مع سوريا. بأي نبرة ستقرأ المذيعة المتحمسة نشرة الأخبار المتنوعة، التي يمكن أن تضم خبراً عن عرسال، وآخر عن قصف غزة، وأخباراً أخرى متنوعة لا تحتمل كل هذه الحماسة العسكرية. لا يبنغي للإعلامي أن يبدي كل هذا الانحياز، حتى إلى جانب الجيش الذي قد يعتبره رمزاً للدولة اللبنانية، في النهاية هو طرف في معركة، قد يخطئ وقد يصيب.
هذا نوع من إقحام الإعلامي لنفسه في معركة ليست له، بذلك يضمن لنفسه صورة لا تلتزم المعايير المهنية، وتالياً قد تعرّضه لاستهداف أحد أطراف الصراع. من حيث المبدأ لا فرق بين هذا السلوك غير المهني، وسلوك المذيعة الليبية في آخر أيام القذافي حين وضعت مسدسها على الطاولة، في رسالة فهمها العالم أجمع وأدانها.

طائرة أيمن زيدان الخلبية

أيمن زيدان، الممثل والنائب البرلماني السوري السابق، كان في طريقه إلى القاهرة الأسبوع الماضي حين اكتشف خطأ بسيطاً، بعد أن أنهى كل اجراءات السفر من وزن حقائب و»تفييش أمني» وختم جواز في مطار دمشق، وهو (أي الخطأ) أن لا طائرة متوجهة إلى القاهرة في ذلك الوقت. قال «وقفتُ شبه مندهش، وراجعت مكتب الحركة في المطار للسؤال عن الطائرة الخلّبية، ففوجئ الموظف الدمث نفسه عندما فتح الكومبيوتر على الرحلة المفترضة فوجد فعلاً أن مكتب (شركة الطيران) السورية قد حجز لي بالخطأ على طيارة غير موجودة، وعلى رحلة غير موجودة أصلاً».
الفنان زيدان يتساءل «هل يعقل أننا وصلنا إلى هذا الدرك من الاستخفاف بالمواطن والاستهتار المهني؟ أن تصل المطار ولا تجد الطائرة، وأن ليس هناك رحلة أصلاً».
زيدان ظنّ أن الخطأ فريد من نوعه، أو أنه خطأ فرديّ، متى يدرك أن النظام السوري قد حجز لمؤيديه على الطائرة نفسها؟!

مسلسلات على السطح

يستطيع أيّ منا العودة إلى شرائط الفيديو المنزلية الخاصة به في سنوات ما بعد الربيع العربي ليجد أن كثيراً منها لا يخلو من صوت لنشرة أخبار، أو صورة لشاشة تلفزيون في الخلفية تعرض صوراً تشير إلى أحداث معينة وقعت في تلك الساعة، بل، أكثر من ذلك، قد تكون الكاميرا التقطت حديثاً سياسياً ساخناً يجري فيما الكاميرا مسلطة على أرجوحة طفل عابث. لكن أياً من المسلسلات التلفزيونية المعاصرة، التي ظهرت في رمضان الفائت لم يلتفت إلى هذه الطريقة في توثيق الأحداث، أو إضفاء مسحة من الواقعية.
إنها بالطبع أكثر الحيل التلفزيونية سهولة، ولا يمكن أن تفوت صنّاع الدراما، الأرجح أنهم تقصّدوا تجنّبها، لأنهم اختاروا بملء إرادتهم البقاء على السطح، فذلك أنجى لهم من سيف الرقابة، وسيف القنوات التلفزيونية المتطلبة، وفوق كل ذلك من سيف جمهور لا يرحم، منقسم هو الآخر، وينتظر معرفة أين يقف المسلسل، كي يأخذ موقفه هو الآخر.
لا أحد يطالب المسلسل التلفزيوني أن يصبح بديلاً للسينما التسجيلية، ولا أن يتخلى عن وظيفة الترفيه، ولكن هي على الأقل طريقة في ملء تلك الأوقات المملة والممطوطة التي غالباً ما يملأها المخرجون والكتّاب بأي كلام.

من داعية إلى ناقد سينمائي

داعية سعودي معروف هاجم أخيراً فيلم «الرسالة» (1977) للمخرج السوري العالمي الراحل مصطفى العقاد، معتبراً إياه شيعي الهوى، خصوصاً في ما يتعلق بعرض أحداث تتعلق بمقتل حمزة، عم النبي، على يد العبد وحشي، إلى جانب أحداث أخرى اعتبر الداعية محمد النجيمي، وهو أستاذ بالمعهد العالي للقضاء وعضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا وخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، أنها تعتمد مصادر «شيعية»، ولم يتردد في إطلاق القول «أكاذيب فيلم الرسالة الشيعي»!.
في زمن آخر كان الداعية السعودي سيكتفي بالقول إنها وقائع غير موثقة، مزوّرة، غير صحيحة. لكنه اليوم، في حمّى تطييف الصراع في العالم العربي، أراد، لا أن يفسّر الراهن في ضوء الصراع السني- الشيعي المزعوم وحسب، بل أراد أن يفسّر السينما كذلك في ضوء هذا الصراع المستجد. لا ندري إن كان افتراض الداعية سيعيد النظر في مقتل المخرج العالمي (2005)، ابن مدينة حلب السورية، الذي قضى بتفجير انتحاري متشدد إسلامي في مدينة عمان!
كثيرون تهكّموا وسخروا من كلام الداعية، ربما قالوا لأنفسهم صحيح أننا خسرناه كداعية جليل، ولكن ربحناه بالتأكيد ناقداً سينمائياً سيتحفنا بمدرسة نقدية مغايرة في إعادة تفسير السينما، منذ الأخوين لوميير حتى آخر فيلم مصري أنتج في عهد السيسي.

«عدة» الحرب الفلسطينية

«يا دالية لا تحملي، خلّ العنب حصرم. ويا موج ظلّ اعتلي خلّ البحر يلطم».. لقد أدهشني أن أسمع هذه «القصيدة» المحسوبة على الشعر الشعبي، أثناء تظاهرة متضامنة مع غزة الذبيحة. المدهش في الأمر هو أننا نسمع العبارة نفسها مكررة منذ ثلاثين عاماً في كل مناسبة فلسطينية. صحيح أن المرء يقدّر التفاعل العفوي للناس مع جرح البلاد العميق، ولكن لا بد من النظر إلى طرقنا في التعبير وأدواتنا إلى أين وصلت. لماذا لم يستطع وعينا وثقافتنا إنتاج كلام آخر يليق بمرحلة لا شك أنها غير تلك التي كانت في العام 1982؟ يبدو الأمر كما لو أن هناك «عدّة» حربية على رفّ ما مهمل، كلما دقت طبول الحرب ركضنا إليها نفسها، الأغاني نفسها، الشعر، الموسيقى، الصور..
ما أنتج بعد العام 82 على يد فرق فلسطينية هاوية، وشعراء قليلي الحيلة هو أقرب إلى الصراخ وضرب الطبول، وهو في معظمه إساءة كبيرة للتراث الفلسطيني المليء بأعذب الكلام وأجمله وأصدقه تعبيراً. غداً، حين تضع الحرب أوزارها، لا بد للفلسطينيين من الالتفات والنظر في حال موسيقاهم وقصائدهم فنونهم، فهذه بإمكانها أيضاً أن تروي حكايتنا، أو تدمّرها!

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية