د. عبد القادر الغزالي-1الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس صوت شعري حداثي أساسي في المشهد الشعري المغربي والعربي، أكدت حضورها بقوة، مؤثثة هذا المشهد المختلف والمغاير من خلال إصداراتها الشعرية: ديوان: ‘ لوعة الهروب’ المغرب، سنة 2004و ديوان: ‘بين ذراعي قمر’ مصر سنة 2008 والديوان الأخير: ‘ طيف نبي’ الصادر عن دار الغاوون. ‘ كتلة ملتهبة’ كما أطلق عليها الشاعر الكبير عبد الكريم الطبال، توصيفا مركزا لعوالم الشاعرة الشكلية والتخييلية المغايرة، وقوة الطاقة الكشفية الاستبطانية الكتابية التي تجوس خلالها الذات في الطبقات الروحية العميقة.
نحتفي بالشاعرة في هذه الأمسية الاستثنائية من خلال هذا الإصدار، المندرج ضمن إطار الكتابة الشعرية الصدامية، ميسم الحداثة بامتياز.
الديوان / القصيدة: طيف نبي’ بؤرة تفاعل الوعي واللا وعي، نشاط جسدي وروحي تهز له جميع الحواس، انفعالا واندهاشا، جهدا ومجاهدة، كشفا وانكشافا، حوارا وتوقا وشغفا لمنادمة أسرار الذات والعالم؛ لذلك فالحرية مطلب أساس في مغامرة القصيدة المتوثبة، تنفذ من خلالها الذات إلى طبقات النفس الباطنية لتحقيق الانفتاح والارتباط بالمجهول والمحتمل.2-ذلك رهان الكتابة الخارجة عن النظام العروضي، والتواضع المضموني المعنوي المتوارث. إن غزو الأقاليم القصية يجعل الذات تراهن على اللا محدود واللانهائي: المطلق الغيب: المد صوب المجهول. الشعر فعالية كشفية بامتياز، والقصيدة استجابة لنداء البعيد والمجهول.
شعرية منفتحة على السؤال وعلى المهاوي، تتصل وتنفصل علاماتها فيما تمارس الذات من حفر في الطبقات الباطنية في نفسها وما يحيط بها: رغبة وإغراء وغواية، إثارة واستفزازا على ما لا يثبت ويستقر على هيئة أو حال واحدة. شغف بالحياة، ومعانقة لمباهجها ومتعها إلى منتهاها.
كتابة الجسد الأنثوي بفتنة وشبقية، وإفصاح عن تجربة / تجارب معيشة تناوئ الكبت والقمع. إباحية متحررة من المقامع تصغي لنداء الحواس، وإضاءات الجسد الواحد والمتعدد، تفتح الجسد على أقاليمه وتخومه، كما تفتح غيريته على متاهاتها وحدودها القصوى عبر التداخل والتجاسد الفعال.
ذلك ما يجعل الرهان على إيقاع الجسد في القصيدة أساسيا، يستلزم ضرورة الإنصات إلى استعارات الفرح والألم، والرغبات الشهوانية. يكتمل بناء الإيقاع الجسدي بوصفه خلاصة تجربة / تجارب حياة متدفقة، تحمل وتحملها اللغة نحو أقاصيها وأبعادها التأويلية كما تقترحها القراءة التفاعلية.
وبما أن الوجود غير منفصل عن الجسد لأنه أصل الكينونة، فبقدر امتلاكنا الجسد نمتلك اللغة، وبقدر امتلاكنا اللغة نمتلك الجسد، إن لم يكن الامتلاك في حد ذاته، استحالة أو درجة صفر الكتابة.
والكتابة بوصفها فعالية جسدية بامتياز تحرر طاقات الإرادة والقوى الشهوانية في انفتاحها اللانهائي. بالمحو والتدوين، بتجديد وهج البداية وحرارة التجربة. اختراقات وتداخلات ترفع الجسد المحسوس إلى مقام الصدارة. ففي إعادة اكتشافه اكتشاف للتجلي الجسدي الخلاق والبهجة الديونيزوسية المبدعة.
ولما كانت الكتابة والقراءة الجسدية مقرونة بالإنصات لـ’رنة الجسد’، وإيقاعات الذات في الخطاب الصامتة والصائتة، الهادئة والصاخبة، بقدر عمق لعبة السواد والبياض، السطح والعمق، الحضور والغياب، الامتلاء والفراغ الدالي فيما يوجد تحت اللحمة النصية، وتفاعل الدوال البانية للخطاب في القصيدة.-3بهذا الوعي الشعري، تقترح علينا الشاعرة أنساقا شكلية معنوية، حسب اصطلاحية الشاعر هنري ميشونيك، تتعدى الألفاظ ضمنها ما فوق وما تحت العبارة، تنقلنا إلى تخوم اللغة والجسد، فالكلام المقول ذريعة لكلام غير مقول مضمر مرتبط عضويا بتجربة حياة أو موت، فرح وألم، تعكس التعري الجسدي والحيوية المتوثبة والإيقاع الهادئ والصاخب في اشتغاله وتشغيله لمكونات اللغة، وجميع الحواس للقبض على المنفلت السراديبي النزوي الشهواني احتفاء بالبهجة والمتعة، وتمجيدا للحياة.-4يهيئ الديوان / القصيدة لارتياد الأقاليم القصية الجسدية في التحام اللحم بالروح، وتفجير الطاقات المخبوءة سواء من خلال بنيات التوازي أو التكثيفات الاستعارية المتولدة عن الكتابة الشذرية التي تتوسط بياض الصفحة. إنها قصيدة صدامية تخيب أفق انتظار قارئ الشعر التقليدي المهووس بالمنبرية والخطابية. القصيدة / الديوان بحث في مجهول الذات والعالم من خلال إيجاد لغة عارية تقول ويقولها الجسد في ماديته وروحانيته، قصيدة من الروح إلى الروح على نحو ما كان قال أرتور رامبو الشاعر الغاضب صاحب: ‘موسم في الجحيم’، مؤسس الرؤيا الاستشرافية الشعرية، أو الشاعر شارل بودلير صاحب نداء المعادلة بين مجهول الذات ومجهول العالم. ها أنا غير أنايَ أيّ سواي صرته؟
كيفَ طُوّح بيإلى مجرّة راقصة؟ إن تجربة الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس متجذرة في الشكل الشعري الخارج عن القصيدة العروضية، أي في قصيدة النثر الصراعية: سمة الحداثة الأساسية. فالوعي بحدود اللغة التواصلية يبلغ منتهاه في البحث فيما يتجاوز العالم المرئي المحسوس، مما يستدعي إيجاد لغة أكثر إيحاءا وتكثيفا وتركيزا. لغة منبثقة من النبض الجسدي والتداخل البيجسداني.
متمنياتنا للشاعرة بمزيد من الإشعاع والتألق والتوهج والاستبطان والجرأة والعناد الشعري الاختلافي. ناقد وشاعر من المغرب’ طيف نبي’ إصدارات دار الغاوون، لبنانألقيت هذه الكلمة يوم 20 ماي 2012 في الأمسية التي نظمها فرع اتحاد كتاب المغرب وجدة، وجمعية ابن خلدون الفرنسية المغربية احتفاء بالشاعرة.