دام عزكم أيها الساسة

حجم الخط
0

المشهد المصري كمبرادور وانحطاط.. وشتائم: محمود قرنيأتصور أن جزءا أساسيا من إشكالية المشهد المصري، شديد التعقيد، الذي اختتم أمثولاته بكارثة ‘ ماسبيرو ‘ يتأتى من خضوعه لنمط متواتر وثابت يعتمد الشائع في القراءة التحليلية، كما نتابع لدى محللين يبدون دائما كمأجورين على فعل الجهل، ولدى فضائيات منسوبة، في معظمها، لطليعة شبه ثورية هي في حقيقتها جزء لا يتجزأ من البرجوازية المتعفنة التي تخلقت حول كمبرادور المال والقوة الذي عزز سلطة نظام مبارك. بالإضافة لإعلام رسمي يشهق شهقته الأخيرة وسط مياه عطنة وطحالب سامة و من ثم فهو يصارع بقاء غير مؤكد. من هنا أتصور أن الأمر يستوجب التوقف أمام عدد من الحقائق التي لا يكتمل المشهد دون التوقف أمامها رغم ما تنطوي عليه من مرارة وقسوة:

أولا: تعمد اختصار الميراث المصري الباهظ من القمع الذي يتمثل في تركة الدولة الشمولية، كنموذج استغرق عشرات السنين في لحظة عمرها ثمانية أشهر تمثل عمر ثورة الخامس والعشرين من يناير. وهي فترة شهدت إطلاقا واسعا لكل الملفات الفئوية والعقائدية والاقتصادية والسياسية في آن. وتمثل جميع هذه الملفات، حسب القوى السياسية، مطلبية حالية وعاجلة على كافة الأصعدة. في الوقت الذي لم تطرح فيه تلك القوى بدائل يمكنها أن تحوز إجماعا وطنيا مقبولا في حده الأدنى، بل غلب على كافة الأطروحات تكريسا لتوجهات سياسية عكست انشغالات ذات صفات جهوية أحيانا وفئوية في معظم الأحايين، وهو ما أفقدها حدسها الوطني الجامع.

ثانيا: أنتج النموذج القمعي للدولة الشمولية، في معظم نماذجه، حالة من الارتياب تجاه الأقليات، وتم التعامل معهم باعتبارهم طابورا خامسا، جاهزا لاستعداء واستدعاء الأجنبي في اللحظة المناسبة. ولا أظن أن الأقلية القبطية في مصر، قد نجت من هذه الريبة بالحق أحيانا وبالباطل في معظم الأحايين. يزكي ذلك بكل أسف، تصاعد عدد من الأصوات في الداخل والخارج لدعم فكرة الحماية الدولية، ومع ذلك فإن السياق العام الذي رسخته الأقلية القبطية طيلة تاريخها، وفي مجمل تكويناتها، لا زال لصيقا بمفاهيم وطنية خالصة رفضت كل محاولات التواطؤ مع الأجنبي. ولعل موقف الكنيسة المصرية من التطبيع مع إسرائيل يبدو مثالا ناصعا على ذلك. ثالثا: تحول الدولة الشمولية في مصر من النموذج الوطني إلى نموذج الدولة الطفيلية التي تعتمد على إذكاء الصراع العقائدي والطبقي لضمان هيمنتها، ما ساهم في إنتاج نموذج متطرف في المرجعيتين الإسلامية والقبطية على السواء. وقد استخدمت الدولة كلا النموذجين لإطالة أمد بقائها وتعزيز مكانتها باعتبارها تملك صك الحماية. ولعل دور الكنيسة الذي تعزز بمزيد من الانغلاق، وكذلك تنامي أصولية الحركات السلفية الجهادية وغير الجهادية مثالان دالان في هذا السياق. رابعا: غياب الحس الوطني الجامع لدى القطاع الأعظم من القوى السياسية الطافية على سطح المشهد، بحيث أصبح الشعب الذي كان وقودا لهذه الثورة خارج معادلاتها كلية. وقد تم تكريس هذا النموذج عبر أحزاب وقوى تشكلت بنية معظمها في إطار محاصصات الترتيبات الأمنية للنظام البائد. وقد ساعدت سيادة هذا الوعي لدى الفئات الاجتماعية المختلفة على تكريس المطلب الفئوي وإعلائه على المصلحة الوطنية، ولا يقلل من هذا الالتباس احتماء هذه المطلبية بشعارات على درجة عالية من المشروعية. كل ذلك يجعل من المساءلة التي يتعرض لها المجلس الأعلى للقوات المسلحة معنى يجب أن يكون مختلفا عن السياق العام، التخويني في معظم الأحيان، الدائر على قدم وساق في الفضائيات والصحف المستقلة وغير المستقلة. فأطراف اللعبة السياسية بعد الثورة، فضلا عن كونهم يمارسون انتهازية تنحط وسائلها وأدواتها يوما إثر يوم، يدركون أنهم خرجوا من معطف الجماهير إلى معطف المصالح والتراشقات والتحالفات الانتخابية، ويدركون أن شتيمة قليلة للمجلس تجلب منافع كثيرة للحركة وللحزب على السواء. فعلى المستوى الإعلامي سيطر خطاب عام يتجه للإدانة في مواجهة سلطة يعتقد كثيرون أنها وصلت حد العجز. غير أن عقد هذه الإدانة ليس قائما على سند يعضده في الواقع، قدر قيامه على واقع السجال الإعلامي الساخن بما يستتبعه من حراك ‘إعلاني’ جم الفائدة للبائع والمشتري على حد سواء. ولعل اغتصاص حياتنا بعشرات الفضائيات المنتسبة لرجال أعمال من سدنة النظام الهالك ولصحافيين من أنصاف وأرباع المتعلمين ممن كانوا يناضلون ضد مبارك نهارا ويسهرون في مواخير ولديه مع حلول الليل، يعزز هذا القول. وقد أدهشني أشد الدهشة كما أدهش غيري بالتأكيد، أن مئات الأحكام الاستباقية قد صدرت بصدد واقعة ماسبيرو دون أن تعلن أي من جهات التحقيق حرفا واحدا تجاه الحادث. كل ذلك، بطبيعة الحال، لا ينبغي له أن يصرفنا عن التأكيد على الحق المطلق لأقباط مصر في المساواة وتأكيد حقهم الكامل في المواطنة، وحرية العبادة، وكل ما هو مكفول للمصريين على السواء في الحقوق كما في الواجبات، ولا أظن العنف البادي، لأكثر من مرة، في التظاهرات القبطية سوى رد محتقن وطبيعي على الإهدار الذي تعرضت له الكثير من حقوقهم التاريخية. لكن النتائج التي يمكن أن تترتب على الخطابات الإعلامية ذات الطبيعة الانتهازية ستكون كارثية بكل تأكيد، لاسيما إذا كان الأمر يرتبط بنية استخدام الكتلة القبطية استخداما سياسيا عبر أول انتخابات برلمانية بعد الثورة، وأظن أن عقلاء الأقباط سيفطنون إلى أن خلاصهم الحقيقي يكمن في الخروج من عباءة الكنيسة واستنشاق هواء الوطنية باتساعها وتنوعها، وتحطيم الأصوات التي تعتقد أن طوق نجاتها يقبع خلف استجداء الحماية الدولية، ويجب أن تكون القوة المجتمعية عاملا مساعدا على ذلك بدفع إخوانهم إلى الأمام بهدف التحرر من عقدة الخوف التي لازمتهم بفعل خطاب الترهيب الذي عززه مبارك في نفوسهم على مدار ثلاثين عاما. فالجماعة الوطنية المصرية، وفي القلب منها الجماعة القبطية، لفظت هذه الأصوات الانتهازية على مدار السنين و أثق أنها ستلفظها في قابل الأيام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية