تعدّدت الكتب التي تتحدّث عن ألف ليلة وليلة، سواء تلك التي تعدّها حكاية أو أسطورة أو ملحمة أو حتى موضوعا سرديا، كونها أي الحكايات تعد من موروث العرب الكبير، وفي التاريخ العالمي كذلك، لما فيها من جوانب خيالية أبهرت المطلعين عليها وعلى مضامينها، مثلما أصبحت سببا في تأثّر الكثير من الأدباء في العالم بهذا الكتاب وحكاياته، بمن فيهم الأديب الأرجنتيني بورخس.. حتى إن هذه الحكايات وكتابها حقّقا ما لم يحقّقه كتاب آخر حول العالم من مراجعات وتحقيق، وحتى تأثير الأدب والمخيلة ـ كونه أيضا سرديًا، ما جعله كتابًا عالميًا لا يعرف من هو كاتبه وإلى أي دولة ينتمي، أو في أي دولة كتب أولا.
لكن الباحث والروائي العراقي داود سلمان الشويلي، الذي أصدر كتابا مهما وحمل عنوان «ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية» بمبادرةٍ من معهد الشارقة للتراث، لما اكتشفه من معلوماتٍ مهمة عن هذا الكتاب وحكايته وشهرزاده وشهرياره اللذين أصبحا رمزًا للحب في العالم، مثلما أصبحت شهرزاد رمزًا للقوة الأنثوية والمرأة بشكلٍ عام، ليكون كتابًا حول الدراسة السردية العربية، من خلال كتاب «ألف ليلة وليلة» طرح من خلالها المؤلف بعض الآراء والأفكار.
ولم لا كتاب حصل على مثل هذه الشهرة العالمية بات من الصعب الإلمام بكلّ تفاصيل الحكاية التي انبنت عليها هذه الأسطورة أو الملحمة، ولذا فإن الشويلي وهو يقسّم الكتاب بدأ بدراسة الهيكلية التنظيمية ودراسته في فنية الشكل، على اعتبار أن «ألف ليلة وليلة» سفر من أسفار الأمة العربية – رغم ما فيه من تأثيرات الحضارات الأخرى، لكنه يريد التأكيد على إنه عربي بكاملية متفوقة « إنه كتاب عربي مئة في المئة، وهو ابن حضارتها وثقافتها وأدبها، وهو إضافة إلى احتوائه على فنٍّ قصصي ذي نفس فني جيد، كثيراً ما تشدق المعنيون بتاريخ الفن القصصي بعدم احتواء الأدب العربي القديم على مثل هذا الجنس الأدبي، ولذا فإن الدراسة تقوم «على تحليل للهيكل الفني لبعض الحكايات التي احتوتها (الليالي) بدون الخوض في تاريخية النص أو مقوماته أو أسس جمعه، وكذلك لما احتوته من عناصر عربية كانت أم أجنبية» ثم يريد التوصل إلى إنها مخيالٌ شعبي جمع ما سماه «القاص الشعبي عشرات الحكايات التي اعتمدت أساساً على حكاية واحدة افتتح بها القاص الشعبي هذا السفر العظيم، فكان بذلك قد أبدع أسلوباً فنياً» وكذلك يريد الشويلي إثبات أن فكرة الرواية انبنت على فكرة «أن المرأة هي أساس الخيانة والمكر» وبهذا، فإن القاص الشعبي كان معنياً بالدرجة الأولى بتوضيح هذه الفكرة ـ سلباً أو إيجاباً- من خلال الفن القصصي والحكايات التي تجمع ما جاء من طروحات.. ليبيّن إن الحكايات التي يتألف منها كتاب الليالي كانت على أربعة أنواع (حكاية المفتتح/حكايات الإطار/ حكايات تضمينية/ حكايات خارج السياق) وهي ما تقوم به، كما يثبت المؤلف إنها جاءت بهدف التسلية، أو للعبرة، أو لدفع مكروه أو أشياء أخرى يمكن أن يكتشفها، بمعنى إن الحكاية هي التي كانت تمهيدًا لفعل القص العربي «شكلاً ومضموناً»، وهو ما تهدف إليه الحكايات التي أصبحت بموجبها شهرزاد «كمحامي الدفاع عن بنات جنسها أمام الرجل الحاكم»، كما يشير الشويلي الذي ركّز كذلك في كتابه ليكون معنيا «بدراسة تنظيم البنية الأساسية لحكايات الليالي»، وقد توصّل إلى المقارنة بين بنية وأخرى أوصلته في دراسة الفن القصصي – الحكائي لليالي: التشابه الحاصل بين حكاية وأخرى/ علاقة الشخوص في ما بينها داخل البنية الأساسية للحكاية/ ما أصاب الحكاية من استطرادات متنوعة، وزيادات لم تكن موجودة أساساً في النص الأصلي للحكاية التي ينقلها القاص الشعبي في الليالي.
الحكايات التي يتألف منها كتاب الليالي كانت على أربعة أنواع (حكاية المفتتح/حكايات الإطار/ حكايات تضمينية/ حكايات خارج السياق) وهي ما تقوم به
إن الكتاب الذي أريد له أن يكون كذلك دراسةً عن تقنيات السرد والبناء الفني في قصص ألف ليلة وليلة، تستند إلى مفاهيم البنية والسرد المتزامن، وتعنى بتحليل البناء والشكل، ثم تعنى بالتحليل النفسي. فإنه جاء بعدد من الأقسام التي أعطاها أرقامًا ومنها خارج ما ذكر (الهيكل التنظيمي للحكاية ) والتي شملت تطبيقات وأقساما منها، الهيكل التنظيمي لحكاية المفتتح (حكاية شهريار وشهرزاد)، (الهيكل التنظيمي لحكايات الإطار)، (الهيكل التنظيمي لحكاية الحمال والبنات)، (الهيكل التنظيمي لحكاية الخياط والأحدب واليهودي والنصراني)، (الهيكل التنظيمي لحكاية الصياد)، (الهيكل التنظيمي لحكاية قمر الزمان ابن الملك شهرمان)، (الهيكل التنظيمي لحكاية الملك النعمان وابنه شركان) وكل قسم من هذه الأقسام ضم جدولا توضيحيا لما يريد الوصول إليه من شبكة علاقات البنية الشكلية الظاهرية والباطنية للحكاية، التي توصل فيها كخلاصةٍ لمجموعة من النقاط أهمها في الهيكلية أن: القاص الشعبي أدخل أكثر من حكاية ضمن السياق العام للحكاية الأصل (الإطار) هناك تكرار زائد وبصيغ جاهزة (كليشيه) لبعض الأحداث كالوصف مثلاً. إعادة أكثر من حكاية، وقصها بصيغ مختلفة. تكرار لبعض الجزئيات (الموتيفات) في أغلب الحكايات. تطوير بعض أجزاء الحكايات لتكوين حكاية مستقلة بعد إجراء التحويرات عليها (الأماكن، الأشخاص) اتباع أسلوب فني في متابعة الأحداث، وقطعها بين الفينة والأخرى، حيث يستعمل دائماً جملة (أما ما كان من) كجملة ربط بين الأحداث.
ويعرج الشويلي في كتابه إلى قسم آخر حمل عنوان (تقنيات السرد في ألف ليلة وليلة- دراسة تطبيقية في حكاية «حاسب كريم الدين») التي حاول فيها ممازجة ما وصلت إليه النقدية الحديثة عن السرد والسرديات، فإن السرد في هذه الجزئية توصّل إلى نوعين مهمين الأول: السردية الدلالية. والثاني: السردية اللسانية، ليصل الى قسم عنونه (الحكاية التضمينية- حكاية بلوقا). التي عدها حكاية تحمل الكثير من المفاهيم الفلسفية والدينية والأخلاقية، وكذلك تأثرها برواية (الإسراء والمعراج)، وبملحمة كلكامش وبعض القصص الدينية.
إن الشويلي أراد الإحاطة بكلّ ما له علاقة بالبنية، الحكاية في الحكايات، لذا وضع قسمًا سماه (مورفولوجيا الزمن في ألف ليلة وليلة ) وضم أقسامًا منها/ تحليل البنية الزمنية لخطاب الليالي (قراءة في حكاية غانم بن أيوب) تحليل البنية الزمنية في خطاب الليالي، وأيضا حمل قسم (عقدة جودر والتحرر من سيطرة الأم) دراسة تحليلية في أسطورة الصياد جودر وحمل عددا من الأقسام أولها: أسطورة جودر: (النص) وتفكيك النص /أسطورة (جودر) ودلالاتها النفسية والاجتماعية. أما القسم الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان (عقدتي الأب والأم في الأساطير) وحمل أقسامًا مهمة منها عقدة (أوديب)عقدة الأَب.. عقدة (أورست) عقدة الأم.. فيما حمل القسم الثالث تطبيقات لإثبات حقيقة سرديات الحكايات، ليختم كتابه بخلاصة مكونة من عدة نقاط منها : إن تراثنا الأدبي القديم لو قرئ قراءة متأنية لتوصلنا إلى ما فيه من كنز ثمين للأفكار والطروحات، التي يمكنها الإجابة عن عشرات الأسئلة التي يمكن أن تطرح في زماننا هذا.
هذا التراث يزخر، كما التراث العالمي، بالكثير من النظريات والأفكار التي يمكن تشكيلها بصورة متكاملة، تجعل منها ليس نظيراً إلى ما طرح في التراث العالمي، وإنما أكثر عمقاً واستجابة إلى ما تريد أن تقولـه تلك الأفكار والطروحات العالمية ـ الإغريقية واليونانية- القديمة. خاصة في ما يتعلق بالطروحات النفسية والاجتماعية المعروفة كعقدة (أوديب) و(أورست). إن عقدة (جودر) يمكن عدها من العقد المهمة في التحليل النفسي، التي يمكن من خلالها الوصول إلى نتائج مهمة في تفسير سلوك بعض شخصيات الأعمال الأدبية. إن عقدة (جودر) استطاعت –في السطور السابقة – أن تقدم تحليلاً نفسياً لسلوك بطل (السراب) الذي شككت، بعض الدراسات التحليلية له، في أن يكون بمقدور التحليل المعتمد على عقدتي (أوديب) و (أورست) من تفسير ذلك السلوك.
٭ كاتب عراقي