وجد بايدن أنه بدافع “اعتبارات انتخابية” يجب أن يتبنى لهجة متشددة مع حكومة اليمين الديني الصهيوني المتطرف في تل أبيب. الرئيس الأمريكي الحالي يسعى للفوز بفترة رئاسة ثانية، ويعتبر نفسه الورقة الرابحة للحزب الديمقراطي في مواجهة دونالد ترامب. في المقابل فإن ترامب ما يزال يعتبر أنه الرئيس الشرعي للولايات المتحدة، وأنه فاز بانتخابات الرئاسة عام 2020 لكن قوى “الدولة العميقة” سرقت منه الفوز! وفي عام الانتخابات الذي يبدأ الشهر المقبل، لا يريد بايدن أن يكون في الولايات المتحدة “صوت يعلو على صوت الانتخابات” لأن ذلك يمكن أن يشتت قوته التصويتية، وربما يتسبب في سقوطه. ويواجه بايدن أصواتا صاخبة تعلو حاليا على صوت الانتخابات في أربع قضايا متفجرة، الأولى هي محاولة الجمهوريين ملء عام الانتخابات بصخب حول عزل بايدن، وهي محاولة تهدف إلى إرهاقه بدنيا وذهنيا. والثانية هي ثورة الرأي العام على السياسة الأمريكية في حرب غزة. والثالثة هي الإفراط في تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا على حساب التزامات أخرى تخص الأمن القومي الأمريكي، أهمها كيفية التعامل مع قضية تدفق اللاجئين غير القانونيين من الجنوب، وبناء سور عازل على الحدود المكسيكية للحد من ذلك، وهي القضية الرابعة التي يعتبرها الجمهوريون داخليا ورقتهم الرابحة ضد بايدن. ولا يملك الرئيس أوراقا للضغط على الجمهوريين في مجلس النواب، لكنه يستطيع تعطيل المناقشات في مجلس الشيوخ، خصوصا بالنسبة لإثارة الطلب بعزله. كما أنه يستطيع الضغط معنويا على الجمهوريين في قضية المساعدات الأوكرانية بالتركيز على حجة أن تقليصها يؤدي إلى انتصار بوتين، وهو ما لا يجب أن تسمح به الولايات المتحدة. أما ثورة الرأي العام على السياسة الأمريكية في التعامل مع حرب غزة، واتساع نطاق الكارثة الإنسانية الناتجة عنها، التي تشارك واشنطن في صنعها بتسليح إسرائيل وحمايتها عسكريا ودبلوماسيا، فإنها أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا لفرص بايدن في الفوز، وهو ما يجعله يفكر ألف مرة في إعادة صياغة “لهجة حديثه” عن الحرب، للحيلولة دون حدوث اصطفاف سياسي – انتخابي ضده، بواسطة المعارضين لاستمرار الحرب، والمؤيدين لحق الفلسطينيين في إنهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة دولتهم المستقلة.
تعاطف الرأي العام مع الفلسطينيين
تظهر استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة تعاطفا جارفا مع الفلسطينيين في حرب غزة بين الناخبين الشباب، إلى حد أن نسبة كبيرة من الشباب تؤيد إزالة دولة إسرائيل وتسليم الحكم إلى حماس! كما تظهر الاستطلاعات أن نسبة كبيرة من الناخبين تصل إلى 57 في المئة لا توافق على سياسة بايدن في التعامل مع الحرب. ونظرا لأن نسبة كبيرة من الناخبين تصل إلى 46 في المئة تعتقد أن ترامب هو الأصلح لإدارة الولايات المتحدة، مقابل نسبة 38 في المئة للرئيس الحالي، فإن قضية حرب غزة تبرز على مستوى السياسة الخارجية في موقع خطير يهدد فرص إعادة انتخاب بايدن لفترة رئاسة ثانية. وهذا ما يفسر الهجوم الدبلوماسي الأمريكي الحالي على الشرق الأوسط في محاولة تهدئة أسلوب التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين في غزة. هذا الهجوم الدبلوماسي يشارك فيه حتى الآن الرئيس نفسه، ووزيرا الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي ومدير المخابرات المركزية الأمريكية. ويجري هذا الهجوم الدبلوماسي تحت قواعد صارمة للتأكيد على المصالح الاستراتيجية مع إسرائيل أولا وقبل كل شيء، حتى لا يهتز تأييد المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة للإدارة الديمقراطية الحالية في الانتخابات المقبلة. وفي هذا السياق فإن بايدن نفسه يؤكد على حق إسرائيل في مواصلة حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وذلك في إطار حقها المطلق في الدفاع عن نفسها، بالطريقة التي تراها وفي الوقت الذي يناسبها. وكأن بايدن في ذلك يرى أن حق الدفاع عن النفس هو حق حصري لإسرائيل فقط، وليس حقا للشعب الفلسطيني أيضا.
مقاربة بايدن في الهجوم الدبلوماسي الحالي على الشرق الأوسط تهدف إلى إبطاء وتيرة القتل الوحشي وليس إنهائه، وإلى زيادة الاعتماد على ما يمكن أن نطلق عليه مجازا دبلوماسبة “القتل الرحيم” وذلك بالدعوة إلى تقليل أعداد القتلى المدنيين، وليس إدانة ذلك واتخاذ إجراءات لوقفه. ونستطيع القول إن هدف الهجوم الدبلوماسي في الأسبوع الأخير هو محاولة الإفلات من عقاب الرأي العام في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن الدبلوماسية الجديدة التي يسعى لإقناع إسرائيل باستخدامها ضد الفلسطينيين هي دبلوماسية “القتل الرحيم”. وكأنه يقول لقوات الاحتلال الإسرائيلي المعتدية: “إقتلوا الفلسطينيين لكن برفق، وبأعداد أقل”!.
إضافة إلى ترويج دبلوماسية “القتل الرحيم” فإن الهجوم الدبلوماسي الأخير للولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتضمن تحقيق أهداف أخرى للسياسة الأمريكية في المنطقة، واستخدام استمرار الحرب في غزة لتأكيد وحدة المصالح الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، ومصالحهما المشتركة مع الحلفاء الإقليميين. وقد كانت نقطة البداية في هجوم “دبلوماسية القتل الرحيم” هي نزع فتيل التوتر بين واشنطن وتل أبيب، بعد زلة اللسان التي وقع فيها الرئيس الأمريكي، بمطالبته نتنياهو بتعديل الحكومة الإسرائيلية، وطرد الوزراء المتطرفين. ومهما كانت الخلافات فإنه لا يجوز في العرف الدبلوماسي أن يطلب رئيس أمريكا علنا أمام جمهور من الحاضرين في البيت الأبيض، تغيير حكومة تل أبيب. وقد غضب لذلك نتنياهو، كما صدر عن بن غفير (وزير الأمن القومي) وسموتريتش (وزير المالية) تصريحات نارية تنتقد الرئيس الأمريكي. ولا أستبعد أن يكون جيك سوليفان قد اعتذر نيابة عن الرئيس الأمريكي، وقدم اعتذاره إلى الوزيرين المعروف عنهما التطرف والعدوانية وتأييد الإرهاب، وتسليح المستوطنين لقتل الفلسطينيين. ولم يتناول السياسيون في البلدين هذا الموضوع بعد ذلك، لكنهم ركزوا على القضايا الأخرى المتعلقة بكيفية استمرار الحرب على غزة وليس وقفها، وإعلان موقف لمواجهة الحوثيين في اليمن، والبدء في فتح مسارات لوضع ترتيبات تتعلق بكيفية إدارة غزة بعد الحرب.
للدبلوماسية الثنائية أو المتعددة الأطراف أكثر من وجه، وهذه واحدة من القواعد المسلم بها في السياسة الدولية. ففي الدبلوماسية ما يمكن أن يقوله المسؤول وما لا يجب أن يقوله، ما يؤكده وما ينفيه، وما يرفض التعليق عليه. ولا شك أن دبلوماسية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا تجد وصفا يليق بها غير أنها “دبلوماسية النفاق”. فهي تؤيد قتل الفلسطينيين، لولا أن ضغوط الضمير العالمي أجبرتها على إصدار تصريحات تستجيب لهذه الضغوط. وهي لا تؤيد إقامة دولة فلسطينية، وتشجع الاستيطان في الضفة والقدس الشرقية، وتخصص جزءا من مساعداتها لإسرائيل لتمويل أنشطة الاستيطان الجديد وتنمية المستوطنات القائمة، وهي تصوت دائما، إلا في مرة واحدة استثنائية في كانون الأول/ديسمبر عام 2016 ضد أي مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي أو يطالب بوقفه. وهي تعرف أن لا دولة دون أرض، فإذا سيطر المستوطنون على الأرض أصبحت مسألة المطالبة بإقامة دولة للفلسطينيين بمثابة مزحة مثيرة للسخرية.
على المستوى التكتيكي فإن المتغير الجديد الذي طرأ على الموقف الأمريكي هو انكشاف الغطاء عن خلاف يتعلق بقواعد إدارة حرب غزة. والحقيقة أن هذا الخلاف قد تأسس على أرضية تقنية عسكرية بحتة، طبقا لتصريحات علنية أدلى بها وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، ورئيس الأركان الجديد تشارلز براون. وطبقا للتاريخ العسكري لكل من الرجلين، فقد خدم كل منهما في القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولهما خبرة طويلة في العمليات العسكرية في المنطقة، حيث خدم لويد أوستن قائدا للقيادة المركزية خلال فترة الحرب على داعش في العراق وسوريا، كما خدم رئيس الأركان الجديد قائدا لسلاح الجو الأمريكي في المنطقة أيضا. وطبقا لتصريحات أدلى بها كل منهما علنا، فإن إسرائيل ترتكب خطأ جسيما بتطبيق قواعد حروب الجيوش النظامية على حرب غزة. واتفق كل منهما على القول بأن أحد أسباب كسب الحرب ضد داعش تمثل في التعاطف مع السكان المدنيين، وتجنب حدوث خسائر بينهم بسبب القتال مع داعش، وتوفير أماكن بديلة آمنة يلجأون إليها قبل اتخاذ قرار بتصفية العناصر المسلحة. وبناء على هذه الملاحظات فإن البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية والمخابرات المركزية اتفقوا جميعا على أن إسرائيل يجب أن تغير تكتيكها العسكري في حرب غزة بهدف تقليل الخسائر بين المدنيين، وتركيز الضربات العسكرية على أشخاص ومواقع خاصة بحماس والجهاد الإسلامي وكل من يبدأ بالمقاومة. ومن أجل ألا تظن إسرائيل أن هناك تراجعا في التأييد الأمريكي، قرر الرئيس بايدن الإسراع بإرسال أسلحة طلبتها إسرائيل معظمها قنابل وصواريخ وقذائف لضرب الفلسطينيين دون المرور عبر الكونغرس، من خلال الالتفاف على القانون شكلا، بتجزئة صفقة كبرى كانت مقترحة إلى عدد من الصفقات، بقيمة أقل لا تتطلب العرض على الكونغرس. كما اهتم المسؤولون بإعادة التأكيد على الالتزام الكامل بأمن إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها أمام جميع من يهمهم الأمر، سواء في تل أبيب أو في كل العواصم العربية التي زاروها.
أمن الملاحة في البحر الأحمر
تعتبر الولايات المتحدة أن أمن الملاحة في البحر الأحمر هو أحد أهم مسؤولياتها ومبررات وجودها العسكري في الشرق الأوسط. ومع أن أمن البحر الأحمر يتشابك مع مصالح الأمن القومي الإسرائيلي، فإن الولايات المتحدة أصبحت لا تنظر إلى دورها الإقليمي من نافذة إسرائيلية فقط، وإنما من نافذة سعودية أيضا، وذلك على ضوء مبدأ وحدة الحلفاء ومستوى الاندماج الذي تريده فيه من منظور ثلاثي أمريكي- إسرائيلي- سعودي. ومن هنا فإن واشنطن حريصة على استمرار التهدئة في اليمن، لأن ذلك يلبي مصلحة سعودية. وهي تريد أن يصبح ذلك أيضا مصلحة إسرائيلية من خلال تنشيط مسار التطبيع السعودي – الإسرائيلي، الذي تعتبره هي بمثابة “الجزرة” التي تقدمها لإسرائيل، في مقابل التزامها بدرجة كبيرة من “الصبر الاستراتيجي” على مواقف الحوثيين. وأظن أن أهم مقاربات جيك سوليفان تجاه السعودية تتمثل في الحصول على التزام سعودي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مقابل صبر على الحوثيين، مشروطا بتحييد دورهم في تهديد إيلات والملاحة في البحر الأحمر. المعضلة التي ستواجهها واشنطن هي: كيف يمكنها تحييد دور الحوثيين دون إرباك معادلة بناء السلام في اليمن؟
وربما يكون ما نراه حتى الآن من إسقاط طائرات يمنية مسيرة فوق البحر، أو تدمير صواريخ يطلقها الحوثيون في اتجاه أهداف في البحر أو إسرائيل، دون ضرب قواعد الإطلاق في اليمن، هو نظام قواعد الاشتباك الذي يفضله الأمريكيون، والذي قد يستمر كمبدأ رئيسي لسياسة تحييد النشاط العسكري الحوثي، بما يحقق في وقت واحد ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وضمان أمن إسرائيل. وتتجه الولايات المتحدة إلى تحديد ممر بحري آمن في المياه الدولية عبر باب المندب والبحر الأحمر تراقبه وتحميه القوة الدولية البحرية المشتركة، يكون بمثابة الطريق الذي تسلكه السفن العابرة. لكن واشنطن لم تناقش الأمر حتى الآن مع شركات النقل البحري العالمية. أما في القضايا الأخرى التي تمت مناقشتها خلال الهجوم الدبلوماسي الأمريكي الأخير، فإنه لم يتم التوصل إلى اتفاقات نهائية، بما في ذلك كيفية إدارة غزة، والموقف على الجبهة الشمالية، ومعايير إصلاح السلطة الفلسطينية. وينصب التركيز الآن على كيفية تقليل خسائر الجيش الإسرائيلي، وليس تقليل الخسائر بين المدنيين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
ثورة الرأي العام
على السياسة الأمريكية في التعامل مع حرب غزة تهديد لفرص بايدن في الفوز