دبلوماسية خلط القمح بالرصاص وهذه الحرب التي ستطول

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بعد حرب أوكرانيا لم يعد القمح مجرد سلعة غذائية أساسية يجب تأمينها للمحتاجين، بعيدا عن شبح الصراعات السياسية والعسكرية، وقد أصبحت الحبوب والزيوت والسلع الغذائية، رصاصا في ترسانة الأسلحة المستخدمة في القتال. هدف الحرب، الدائرة منذ شباط/فبراير من العام الماضي هو كسر إرادة روسيا، وإعادتها قرونا إلى الوراء. هذه حرب تريد منها الولايات المتحدة تحقيق الحد الأقصى من الانتصار، طبقا لما كان عليه الحال في حروب القرون الوسطى. إنها حرب تخوضها أوكرانيا بالوكالة عن حلف الأطلنطي كله، وهي تحصل على الثمن. مليارات الدولارات تتدفق عليها كل أسبوع تقريبا في صورة أسلحة وذخائر ومساعدات اقتصادية وإنسانية. ما تتجاهله الولايات المتحدة هو أن روسيا دولة نووية رئيسية، تقف قوتها النووية على نفس العتبة تقريبا مع الولايات المتحدة، بل إنها تتفوق عليها في قوة ترسانتها من الأسلحة النووية التكتيكية، وقوتها الصاروخية الفرط صوتية. روسيا إذن ليست اليابان التي كانت في نهاية الحرب العالمية الثانية، يمكن الانتصار عليها بالضربة القاضية النووية.

ولن تستطيع الولايات المتحدة، سواء في حرب مباشرة أو حرب بالوكالة أن تحقق انتصارا على روسيا بالضربة القاضية النووية. ولذلك فإن تحقيق الانتصار يتطلب استنزافها لمدة زمنية طويلة، وإسقاطها من الداخل، وهو ما حققته الولايات المتحدة، باستنزاف روسيا في أفغانستان، وفي سباق التسلح، وعن طريق الغزو الإداري من الداخل حتى أسقطت الاتحاد السوفييتي في أواخر تسعينات القرن الماضي. لذلك فإن الحرب الأوكرانية من المرجح أن تطول، وستطول معها أزمة غذائية، نظرا لأن ما يقرب من ثلث الامدادات العالمية من الحبوب يأتي من روسيا وأوكرانيا. كما ستطول معها تقلبات مفاجئة في سوق الطاقة، نظرا لأن روسيا هي أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، وواحد من أكبر ثلاثة منتجين للنفط. وينبثق الآن نظام جديد لتجارة الحبوب، يعكس انقسام العالم إلى معسكرين، واحد تقوله روسيا، والثاني تقوده الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتشكل أوكرانيا أحد أضلاعه.

أزمة غذاء وارتفاع الأسعار

بدأت سوق الغذاء العالمية تفقد استقرارها الذي كانت قد تمتعت به لعدة أشهر، وما صاحبه من استقرار في أسعار الإمدادات الغذائية العالمية. وقد أصبحت أزمة الغذاء هي أكثر الأزمات سخونة في العالم منذ أعلنت روسيا تعليق مشاركتها في مبادرة البحر الأسود للحبوب في 17 من الشهر الحالي، فقفزت أسعار القمح في كل أسواق العالم خلال ساعات بنسبة تقرب من 10 في المئة في المتوسط. واستمرت في الارتفاع حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع بنسبة 15 في المئة، وهو تقدير منخفض جدا للزيادة المتوقعة على الأقل حتى نهاية الحالي، وحتى تتبلور ملامح النظام الجديد لتجارة القمح على مستوى العالم. ومع أن روسيا قالت صراحة إنها ستكون على استعداد لاستئناف مشاركتها في مبادرة البحر الأسود لتجارة الحبوب، إذا تم الوفاء بالنصف الثاني منها، المتعلق بالسماح بحرية تدفق صادرات الأسمدة الروسية، واستثناء صادرات الحبوب والزيوت والأغذية والأسمدة من إجراءات العقوبات المتعلقة بالخدمات المالية واللوجستية المرتبطة بها، ووضع ترتيبات لربط البنك الزراعي الروسي بنظام سويفت، لتسوية مدفوعات التجارة. هذا الشرط الذي وضعته روسيا لاستئناف عمليات التصدير عبر البحر الأسود، يمثل المفتاح الذي يمكن استخدامه لإعادة تفعيل الاتفاق، أو إغلاق الباب تماما عليه. وقد اختار حلف الأطلنطي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إغلاق الباب تماما على الاتفاق، بتجاهل المطالب الروسية، والشروع في البحث عن حلول بديلة تسمح لأوكرانيا بتصدير الحبوب والزيوت النباتية بعيدا عن التهديد الروسي، من خلال ما تم تسميته «ممرات التضامن» عن طريق النقل النهري، والبري، والسكك الحديد، إلى موانئ بحر البلطيق، أو موانئ البحر الأدرياتيكي، ومنها إلى العالم. ومع ذلك فإن أوكرانيا ما تزال تطمح بأن تستأنف تصدير منتجاتها عبر موانئ البحر الأسود
تحت حماية قوة من الاتحاد الأوروبي أو حلف الأطلنطي. كما تخطط لاستخدام طائرات إف-16 في حال الحصول عليها، لاستخدامها في حماية القوافل البحرية المحملة بالقمح والذرة والحبوب الزيتية والزيوت عبر البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط ومنها إلى موانئ دول العالم المختلفة، خصوصا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.

حقيقة مبادرة البحر الأسود

في تموز/يوليو 2022 تم توقيع اتفاقيتين بشأن إطلاق تجارة الحبوب والسلع الغذائية وتأمينها عبر البحر الأسود. الاتفاقية الأولى، هي مذكرة تفاهم بين الأمم المتحدة وروسيا، لتسهيل تصدير الغذاء والأسمدة إلى الأسواق العالمية. أما الاتفاقية الثانية فكانت بين تركيا وروسيا وأوكرانيا، في حضور الأمم المتحدة، للسماح بممر آمن لتصدير الحبوب والأسمدة والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود إلى بقية أنحاء العالم. وطبقا لـ «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» فإن هاتين الاتفاقيتين أسهمتا في تخفيض تكلفة الغذاء، وتحقيق توازن في أسواق الغذاء العالمية، وإبقاء هذه الأسواق مفتوحة، وهو ما ساعد على عدم تدهور مستوى الأمن الغذائي العالمي، نظرا لأن القمح والذرة فقط كانا يشكلان حوالي 77 في المئة من الشحنات المنقولة بحرا.

الموقف الغربي

تقود الولايات المتحدة التحالف الغربي سياسيا واقتصاديا وعسكريا في حرب شاملة ضد روسيا. وطبقا للتصريحات الصادرة عن وزير الخارجية أنطوني بلينكن، ومندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن، ومفوضي الزراعة والتجارة في الاتحاد الأوروبي، يمكن القول بأن هناك اتفاقا بينها جميعا على إغلاق ملف مبادرة البحر الأسود للحبوب، والشروع فورا في استخدام ترتيبات بديلة لتصدير الحبوب والزيوت النباتية والسلع الغذائية الأوكرانية إلى البلدان الأوروبية المجاورة، عبر ما أطلق عليه الاتحاد الأوروبي اسم «ممرات التضامن» ومنها إلى الموانئ القريبة، حيث يتم حمل الشحنات إلى الخارج. ومن الواضح أن التفكير في هذه الترتيبات البديلة قد ترافق مع صعوبات تجديد اتفاق مبادرة البحر الأسود في الأشهر الأخيرة.
وقد بدأ استخدام «ممرات التضامن» في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ويقدر المسؤولون الأوروبيون في المفوضية الزراعية والمفوضية التجارية أن الطاقة المثلى للنقل عبر هذه الممرات التي تتكون من ثلاثة أفرع، هي النقل النهري، والنقل بالطرق، والنقل بالسكك الحديد تبلغ 4 ملايين طن شهريا، أي ما يمكن أن يصل إلى 50 مليون طن سنويا. ومن المتوقع أن يتم توسيع هذه الشبكة الثلاثية خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك فإن هذه الممرات البديلة تمثل تكلفة إضافية ترفع أسعار المنتجات الأوكرانية عن مثيلتها الروسية، وهو ما يقلل قدرتها التنافسية في أسواق العالم.
ويبدو أن روسيا تسعى ردا على ذلك إلى توجيه رسالة مبكرة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، تفيد بأنها لن تسكت على حرمانها من التصدير عبر البحر الأسود، ولن تقف مكتوفة الأيدي بينما أعداؤها يتحالفون لفتح مسارات بديلة للصادرات الأوكرانية. وطبقا لما ذكرته السفيرة الأمريكية ليندا توماس غرينفيلد في بيان أمام مجلس الأمن الدولي، فإن الجيش الروسي وجه ضربات إلى «أوديسا» ومدن ساحلية أخرى على مدار الأسبوع الماضي، ودمر هجوم واحد منها 60 ألف طن من الحبوب، وهي كمية تكفي لإطعام أكثر من 270 ألف شخص لمدة عام بحسب برنامج الأغذية العالمي. وقالت إن روسيا في يومي 23 و24 من الشهر الحالي ضربت موانئ أوكرانية على نهر الدانوب، ودمرت البنية التحتية الخاصة بتخزين الحبوب في ميناء «ريني» المواجه لرومانيا على الضفة الأخرى من النهر. كما أوقعت هجمات روسيا على ميناء تشورنومورسك الذي يسهل مرور حوالي 70 في المئة من صادرات الحبوب الأوكرانية إلى الدول النامية أضرارا تحتاج إلى ما لا يقل عن عام لإصلاحها.

روسيا أيضا تسعى لترتيبات بديلة

من غير المتصور أن نرى روسيا تقف مكتوفة اليدين إزاء ما تتعرض له. المسألة هنا ليست لها علاقة بالموقف من حكم الرئيس فلاديمير بوتين، لكنها تتعلق بروسيا، الدولة والثقافة ومخزون القوة التاريخية والتراث الحضاري، والقوة الجيوسياسية، ومصالح البشر الذين يمثلون وجهها أمام العالم. وفي هذا السياق فإن روسيا قد استعدت لمواجهة العقوبات الاقتصادية وتداعياتها، كما استعدت أيضا لاحتمالات استمرار الحرب سنوات وسنوات. روسيا أيضا ليست وحدها، وإنما تقف معها دول أخرى، معظمها لأنها تقف في الخندق نفسه مثل روسيا، تتعرض للتحرشات والعقوبات والمطاردة الدبلوماسية، من بيلاروسيا إلى إيران وكوريا الشمالية والصين إلى كوبا وفنزويلا.
وتعمل روسيا على الإفلات من مصيدة البحر الأسود إلى تصدير القمح عن طريق ممرات أخرى أكثر أمانا، منها ممر محور الشمال البحري، الذي يصل بين روسيا والصين بمسافة زمنية تقل عن نصف مسافة الرحلة عبر البحر الأسود وقناة السويس. ونظرا لأن الصين أصبحت في السنوات الأخيرة أهم شريك تجاري لروسيا، فإن تطوير محور الشمال البحري، من روسيا إلى الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا، يمثل أولوية قصوى لتطوير التجارة الخارجية. وهذا المحور البحري ما يزال في حاجة إلى مزيد من كاسحات الجليد، وتطوير طاقة محطات الشحن والتفريغ في الموانئ الشمالية. وإلى جانب «محور الشمال» يوجد أيضا «محور الشمال – الجنوب» الذي يصل بين روسيا وإيران، ومن هناك إلى بحر العرب والمحيط الهندي، ومياه المحيطات المفتوحة التي تطل عليها قارات العالم المختلفة. أما الطريق الثالث فهو عبر تركيا والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، حيث توجد في مصر مرافق للتخزين، تخدم صادرات الحبوب الروسية إلى قارة أفريقيا.
وتبلغ حصة روسيا من الصادرات العالمية للقمح حوالي 22 في المئة، ويعتبر القمح هو المحصول الزراعي التصديري الرئيسي لروسيا، إذ يستحوذ وحده على 68 في المئة من صادرات الحبوب. وخلال القمة الروسية – الأفريقية تعهد الرئيس الروسي بتقديم مساعدات مجانية من القمح إلى ست دول أفريقية أشد احتياجا هي بوركينا فاسو، وأفريقيا الوسطى، وإريتريا، وزيمبابوي، ومالي، والصومال، تتراوح بين 25 إلى 50 ألف طن. وتمر صادرات القمح الروسي لأفريقيا غالبا عن طريق مصر، حيث يتم طحن القمح، وإرسال الدقيق إلى الدول المعنية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية