عبد الرزاق قيراطتزامنت طقوس انتخاب البابا الجديد للفاتيكان مع جلوس الحكومة التونسيّة تحت قبّة التأسيسيّ لنيل ثقة النواب. وامتدّ ذلك التزامن على يومين، الثلاثاء الذي تصاعد فيه الدخان الأسود، والأربعاء الذي انتخب فيه البابا كما فهمنا من الدخان الأبيض. وكنتُ وأنا أتابع الحدثين كأبي العلاء المعرّي رهين المحبسَيْن. فقد حبست نفسي أمام قناتين لا ثالث لهما: فرانس 24 التي كانت تبثّ مباشرة من مداخن الفاتيكان، والوطنيّة الأولى التي نقلت على الهواء الكلمات الملتهبة لنوّاب المجلس التأسيسيّ. ومشاهدة الوقائع الانتخابيّة في ذلك الإطار المتزامن تغرينا بتدبّر ما ظهر فيها من الآيات المتشابهات، ولكنّ الانتقال المستمرّ بين الفضائيّتين أحدث عندي تناسخا بين الأشخاص والأحداث حتّى خيّل لي في النهاية أنّ الدخان الأبيض تصاعد من قبّة المجلس التأسيسيّ بعد تزكية النوّاب لتشكيلة الحكومة التونسيّة الجديدة، وأنّ علي العريّض حصل على الثلثين من أصوات الكرادلة في عزلتهم الانتخابيّة بالفاتيكان وأطلّ من الشرفة ليخاطب المؤمنين قائلا: ‘صلّوا من أجلي وامنحوني بركتكم’، في حين كان البابا خورخي ماريا برغوليو واقفا أمام مصطفى بن جعفر الذي سأله السؤالين المُحْكَمين في العرف البابويّ: ‘هل تقبل أن تكون الحبر الأعظم لحكومة الترويكا؟ وما هو الاسم الذي تختاره؟’. ولقد قبل المهمّة واختار من الأسماء فرانسيس الأوّل. ولهذا الاسم المستعار أجراس موسيقيّة ألطف على الأسماع من خورخي برغوليو… وتواجه الكنيسة من جهة والبلاد التونسيّة من جهة أخرى أزمات وتحدّيات، وعلى الرجلين المختارين معالجتها بسرعة وحكمة… وفي زحمة التقارير التي تحدّثت عن أعباء هذا وذاك، بلغ التداخل ذروته خاصّة في مجال الفساد وملفّاته المتشعّبة. وتزاحمت صور الأحداث فلم أعد أميّز بين الكرادلة والوزراء أثناء تأديتهم للقسم… ويبدو أنّني غفوت أثناء تلك المواكب الخاشعة التي تجلب النعاس، ولم أفق إلاّ على رائحة شيء يحترق، ففزعت خوفا على الديمقراطيّة التي صار لها مدخنة. ولمّا فتحت عينيّ، وجدت دخانا أسود يلفّني في غرفة الجلوس، فعجبت من وصوله السريع إلى البيوت واستغربت سواده مع انتخاب البابا وتزكية الحكومة، قبل أن أدرك بفعل الروائح المصاحبة أنّ الشاي قد احترق. فهرولت إلى المطبخ لأطفئ النار ولسان حالي يقول: الحمد لله، فاحتراق الشاي أهون علينا من احتراق الديمقراطيّة. دخان من ‘ثقافة الحمير’في برنامج ‘بلا مجاملة’ الذي تبثّه قناة حنّبعل كلّ أحد، تحترق الثقافة بحمم السياسة، ويتصاعد الدخان الأسود في ذلك الموعد المبكّر من الليل بما يدلّ على فشل ما. لذلك نحثّ القناة وباعثها (من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على تأخير ذلك العرض إلى الهزيع الأخير من الليل. وننصح القائمين على ذلك البرنامج بمراجعة مادّتهم من حيث الشكل والمحتوى، والدعوة موجّهة إلى المكلّفة بالإعداد هالة الذوادي حتّى تجتهد لتغيير بعض الألوان بما في ذلك لون شعرها الأحمر. وعلى المقدّم وليد الزرّاع أن يقلّل من الاهتزاز والضحك لأتفه الأسباب، وأن يعالج عيوبه الأخرى، ومنها على سبيل المثال التكرار إلى حدّ الإزعاج، وقوله قبل الفواصل، ‘ابقوا معنا لا تغيّروا المحطّة’، فذلك القول أشبه بالشتيمة لمن يشاهد برنامجه على وجه الخطأ أو مارّا من قناة إلى قناة، فيستوقفه الفضول على المكوث قليلا في المحطّة المذكورة ليستمع إلى ضيف بعينه، كما هو شأني عندما أردت الإنصات إلى ضيفتهم نوال السعداوي، السيّدة المصريّة المشاكسة ذات الثقافة الواسعة والمواقف الجريئة… في تلك الحلقة التي خصّصت ليوم المرأة، حضرت المطربة علياء بلعيد، للغناء فقط، لا للحديث عن السياسة كما نبّهت قبل التصوير. وقد اعتبر المقدّم ذلك الموقف سابقة في تونس وزعم أنّ جميع الفنّانين من ضيوفه عادة ما يرغبون في التحدّث عن الحكومة والمجلس التأسيسيّ. والجمهور يعرف أنّ الزرّاع يبالغ حتّى لا نقول غيرها. فهذا البرنامج الثقافيّ بالدرجة الأولى، انخرط في السياسة بعد الثورة حين ركبها الجميع دون سابق إلمام بفقهها… والمزعج في برنامج ثقافيّ، أنْ تُحوّل وجهة جميع الضيوف وجميع المناسبات وجميع الأسئلة لتخوض مع الخائضين في السياسة والسياسيين، وأنا هنا لا أدافع عن السياسيّين بقدر ما أدافع عن المثقّفين. فقد يسيء أحد الطرفين للآخر، والحوادث كثيرة سبق ذكر بعضها في هذه الزاوية… ومن الأمثلة الجديدة تعليقات هالة الذوادي إثر تقرير أنجزته عن فنان حوّل كهفا (بمدينة الدهماني) إلى متحفٍ تكريما لحمار أو أتان. فقالت إنّها لاحظت غياب الأمن في طريق عودتها إلى العاصمة، وعبّرت عن أسفها لعدم زيارة وزير الثقافة لذلك الكهف أو المتحف، وختمت بقول استفزازيّ موجّه:’نحن نريد أن نشجّع أهل الكهف وثقافة أهل الكهف وليس ثقافة البهائم’. وفي مثل تلك المواقف يضحك الزرّاع ويهتزّ طويلا…ولعلّه سيضحك أكثر حين يشاهد الإعادة، ويستمع إلى زميلته هالة التي قالت في تعليق جانبيّ:’ أتمنّى أن أتحوّل يوما إلى حمارة’! انفلات جنسيّ في تونسفي التقرير الذي تناول زيارة الدكتورة نوال السعداوي، مارست هالة الذوادي هوايتها في اغتصاب الأسئلة وتحويل بوصلتها نحو المواضيع التي تعبّر عن روحها العدائيّة للفئة التي تحكم البلاد. فسألت الضيفةَ عن غياب الحفاوة في استقبالها الذي لم يكن رسميّا… وهي بذلك تتجاهل تكريم رئيس الجمهوريّة منصف المرزوقي للسعداوي (مع ثلّة من النساء المناضلات). وفي ذلك تشريف يغني عن المراسم الأخرى. غير أنّ الذوادي دأبت بأسئلتها على تحقير الرؤساء والوزراء انطلاقا من ثقافتها السياسيّة ‘المستحمرة’… وإذا لم ترضها الأجوبة عن أسئلتها المستفزّة، تقدّم الإجابة التي تشفي غليلها، وهكذا فسّرت غياب الاستقبال الرسميّ للضيفة المصريّة قائلة بتهكّم : ‘فكر نوال السعداوي لا يتماشى مع الفكر المنغلق لحكّام تونس’. والجواب متحامل على الواقع الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه بلادنا. ويتعارض شكلا مع حضور سعاد عبد الرحيم (النائبة بالمجلس التأسيسيّ من كتلة النهضة) ضمن ضيوف البرنامج، وهي امرأة ‘حداثيّة’ سافرة (غير محجّبة)، وقد شارك ابنها في رقصة الهارلم شيك المشهودة بملابسه الداخليّة الفاضحة. وكلّ ذلك يدلّ على انفتاح عظيم بمنطق الحداثيّين الذين يرفضون الانغلاق ويخافون على الشعب من ظلامه ودخانه الأسود…أمّا بخصوص السعداوي، فقد بلغت من العمر عتيّا. ومع ذلك، تحدّثت بحماستها المعهودة عن الجنس وتعدّد الزوجات وزواج القاصرات المصريّات من شيوخ الخليج الأغنياء، ونبّهت إلى خطر الامبرياليّة العالميّة، وسلطان الدولار واليورو والأحزاب الدينيّة ودورها في فرض السياسات المعادية للنساء… وكلّ ذلك مألوف في فكرها المثير للجدل. ولكنّ العجائب جاءت في تعليقات نسائنا المثقّفات اللائي جلسن إلى مائدة السعداوي بأحد فنادق العاصمة. وقد أشبعن نهم الصحفيّة الذوادي وأسمعنها ما تحبّ من الأقوال المعادية، ومن المآثر التي قيلت: ‘إنّ الرجال يحبّون الإسلام رغبة في الجنس.. ونحن نعيش انفلاتا جنسيّا.. وتعدّد الزوجات يشجّع على الخيانة الزوجيّة…’ وكلّها أقوال (حكيمة) تمثّل عيّنة من الثقافة البهيميّة التي روّج لها برنامج ‘بلا مجاملة’، وبفضلها ربّما عبّرت هالة الذوادي عن أمنيتها الغريبة في التحوّل إلى ‘حمارة’. وهكذا يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه. ولكن ‘لكلّ حمار كبوة’، إذا صحّ المثل في زمن قلّت فيه الجياد وعزّت فنون الفروسيّة.للاطلاع على تفاصيل ما أشرت اليه في ‘بلا مجاملة’ انظر الرابط التالي على يوتيوب:https://www.youtube.com/watch’v=Xge91UMA0rkكاتب تونسي[email protected] qmaqpt