الناصرة ـ «القدس العربي»: تؤكد دراسة جديدة أنه لا خلاف حول أنّ «أهداف التعليم الرئيسية» في الأكاديميا الاسرائيلية مرسَّخة بعمق في العسكرية القومية اليهودية، وان العلاقات التي تَحْكم الإنتاج المعرفي في الجامعات الإسرائيليّة تُكرِّس علاقات القوّة بين المستعمِر والمستعمَر.
وتقول دراسة جديدة لمركز مدى الكرمل في حيفا داخل أراضي48 إنّ فهم جذور هذه المعرفة وتحوّلاتها متعلّق بالجسد السياسيّ الذي يُنتِج ويَدرس هذه المعرفة، وبالتالي فإنّ أثر هذه المعرفة على الفلسطينيّين مُغاير لأثرها على المستوطنين في فلسطين التاريخيّة. وترى الدراسة أنّ العلاقات التي تَحْكم الإنتاج المعرفيّ في الجامعات الإسرائيليّة تُكرِّس علاقات القوّة (الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة) بين المستعمِر والمستعمَر.
ويقول الباحث محمد قعدان في مقدمة دراسته «سأوضّح في هذا المقال بدايةَ تَشكُّل العلاقات العسكريّة ثمّ دَورها الأيديولوجيّ في الجامعات الإسرائيليّة، وأخصّ بذلك جامعة تل أبيب، لأبيّن من خلالها توائم المعرفة النقديّة مع العسكريّة عندَ المستوطن الأوروبيّ/ اليهوديّ في فلسطين، عبْرَ الوسيط الأيديولوجيّ المحاضر. ثمّ أنتقل لفهم أثرها علينا، ولأقترح الفعل المقاوم لما يقمعنا كجسد، وموقعنا الجغرافيّ السياسيّ في بنْية كولونياليّة، عسكريّة واستيطانيّة، ويُشكّل أفرادَنا لنصبح «العربيّ الإسرائيليّ».
وتنوه الدراسة ان الإشكاليّة المعرفيّة حيال الجامعة الإسرائيليّة التي تحاول طرحها لا تتعلّق فقط بالنصّ أو بديناميكيّة المعرفة وإنتاجها في الجامعة، بل تقع كذلك في التجربة والصيرورة العسكريّة التي يمرّ فيها جميع الإسرائيليّين المستوطنين، وهذه المرحلة هي التي تصوغ الذات الإسرائيليّة على نحوٍ أساسيّ. وترى ان القيم الساميَة التي يتمتّع بها الإسرائيليّ هي قيم العسكريّة وخدمة الجماعة الاستيطانيّة، وولاء الفرد للدولة، وهي تذكرة النجاح في المجتمع. ومن هنا تستنتج الدراسة أن درجة الوطنيّة تحدد بناء على المرتبة العسكريّة. وتتابع «هذه القيم التي تطمح إليها الجماعة الاستيطانيّة تتأسّس على وجودهم الاستيطانيّ في فلسطين التاريخيّة، والقيم العسكريّة كامنة في ممارستهم الاستيطانيّة وتتكرّس من خلالها. وتقول إن أوّل مجموعة عسكريّة صهيونيّة بدأت منذ بداية القرن العشرين في فترات الهجرة الصهيونيّة الثانية. كانت تلك هي عصابة «هاشومير»، التي تشكّلت من أجل حماية المستوطَنات من غضب الفلّاحين حيال نهب أراضيهم، في شمال فلسطين تحديدًا وفي الساحل. كما تستذكر أن العسكريّة الإسرائيليّة بدأت في شكلها التنظيميّ والأيديولوجيّ منذ الأزمة التي واجهتها تجاه الثورة الفلسطينيّة في عام 1936 التي كادت تحّطم المشروع الصهيونيّ، ولذا بدأت العسكريّة بتوريث الجيل الاستيطانيّ الجديد فكرةَ مركزيّة الحرب في حلّ «المشكلة القوميّة» أو التخلّص من الأصلي الفلسطينيّ.
وتضيف الدراسة «منذ ذلك الحين تتزايد قدرتهم العسكريّة مادّيًّا وتتكثّف أيديولوجيًّا، ومع قيام الدولة اليهوديّة الاستيطانيّة، كانت العسكريّة هي القاعدة التي تتأسّس عليها الطموحات الاستيطانيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وترتكز عليها الثقافة والأطر الاجتماعيّة والتنظيميّة والتربويّة.
وحسب الدراسة فقد جرى تخطيط أيديولوجيا المجتمع على القاعدة العسكريّة، من خلال تمازج العِرق والدين وإنتاج اليهوديّ الصهيونيّ الأوروبي/ الأبيض، وتُقصي مادّيًّا وسياسيًّا كلّ من هم ليسوا في داخل هذا التخطيط الأيديولوجيّ للمجتمع.
وتشير الى انه في فترةِ ما بعد النكبة، بقي فلسطينيّون داخل «إسرائيل» المستوطِنة /العسكريّة، ولذا وجب التحكّم بهم وإعادة إنتاجهم من خلال آليّات الحُكم العسكريّة، بحيث يجري إنتاج «العربيّ الإسرائيليّ» سياسيًّا بالتشابك مع التصنيفات الدينيّة /العرْقيّة.
وتؤكد الدراسة أنّ هذه المرحلة العسكريّة التي يمرّ بها إجباريًّا الإسرائيليّ تخترق المجتمع المستوطن وتُشكلّه وتبني بناءه الفوقيّ: الثقافة والتربية والقانون، وكذلك بناءه التحتيّ، والاقتصاد. هي فوق كلّ الطبقات وبذلك تكون المرحلة المؤسِّسة للمشروع بأكمله وتُحدّد درجات تطوُّره في كلّ المجالات. منوهة ان الذوات الاستيطانيّة تشكل معرفيًّا من خلال مرحلة الجامعة، وتُسخّر المعرفة والعلوم النقديّة من أجل تثبيت العلاقات العسكريّة التي تأخذ شكل خدمة الأمّة، دون السؤال حول ماهيّة المشروع بأكمله، والنقاش يكون حول تطوير آليّات جديدة لضمان ديمومة المشروع والمجتمع الاستيطانيّ.
كما تؤكد الدراسة الفلسطينية هذه ان الجامعة تتأسّس على العسكريّة فتتحوّل الجامعة لتصبح مكانًا لتدعيم العسكريّة الإسرائيليّة من خلال العلاقات المتشابكة في البرامج والدعم الماليّ، وتفتح الإمكانيّة والمسار لتطوير تعليمك ومعرفتك من خلال جهاز العسكريّة (تقنيًّا وأداتيًّا، وفلسفيًّا وسلوكيًّا)، عبْر برامج مشتركة بين الجامعة والجيش، ومن خلال المِنَح والامتيازات. والجامعة الإسرائيليّة في جميع مستوياتها التقنيّة (التسجيل والتصنيف وآليّات الحصول على المنح) تتبنّى المصطلحات الصهيونيّة، وكذلك في المساحات العامّة، والنصُب التذكاريّة لجنود الاستعمار الصهيونيّ.
وبموجب الدراسة تتمكّن الجامعة هكذا من الحفاظ على ديمومة العسكريّة بأشكال مدنيّة، وديمومة العسكريّة في العلوم النقديّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، من خلال ديناميكيّة التعليم الخفيّ التي تخصّ الأسئلة التي تُطرَح ويواجهها الطلبة، سواء في ذلك المستوطنون أو الفلسطينيّون. وتعتبر ان ديناميكيّة التعليم الخفيّ هي عمليّة ضبط للأسئلة والنقد يقوم بها المحاضر كوسيط أيديولوجيّ، وتتحوّل من خلاله المضامين النقديّة إلى مضامين استشراقيّة، من خلال الهيمنة والسيطرة على إمكانيّات هذه المعرفة في تحدّي المشروع الصهيونيّ ونقده – نظريًّا على الأقلّ ـ وممارَسةً تبعًا لذلك. كما ان علم الاجتماع يتكوّن من ثلاثة مساقات رئيسيّة: المقدّمة والنظريّات الكلاسيكيّة والنظريّات الحديثة.
وتضيف «نمرّ في هذه المساقات على العديد من المفكّرين النقديّين وأفكارهم، مثل ماركس وماركوزه ودو بويس وغرامشي وآلتوسير، ولكن مع ذلك تجد ضبطًا شديدًا في التفكير والتعليم، فجميعُ الأسئلة لا تُطرح من فوق المشروع الصهيونيّ، بل من داخله ضمن مجالات محدّدة، ووَفقَ مصطلحات وأيديولوجيا صهيونيّة.
ومن ذلك على سبيل المثال، السؤال: كيف تُحلّل الإشكاليّات التي حصلت بين اليهود المتديّنين والبدو على أمّ الحيران وَفقَ ما تعلّمته عند ماركس؟ أو سؤال في النظريّات الاجتماعيّة الحديثة عن تطوّر اللامساواة بين «عرب إسرائيل» واليهود.
وتقول إن الأسئلة توظَّف ضمن مجالات محدّدة لِما يُصطلَح على أنّه ضمن المشروع الصهيونيّ، ولا يُهدِّد ولا يتحدّى نظريًّا. وتضيف «لا نجدُ ثمّة الأسئلة التي تخترق المنظومة الإسرائيليّة وتُسائِل سيرورة الهجرة والعسكريّة والمنظّمة الصهيونيّة والتمويل العالميّ وعلاقة ذلك بالإمبراطوريّات الاستعماريّة، ولا تؤسّس لجدل حول الـمُجْرَيات والتطهير العرقيّ في عام 1948».
وتستذكر انه عندما بدأ خلال مساق دراسيّ حول مناهج الكتابة التاريخيّة، بقراءة «المؤرّخين الجدد» وكتاباتهم النقديّة في ما يخصّ التطهير العرقي في عام 1948، لم يجرِ نقاش، لأنّ المحاضر، الوسيط الأيديولوجيّ للمنظومة الصهيونيّة، ذكر أنّ «المؤرّخين الجدد» يفتقرون إلى السياق في نقدهم؛ سياق الهولوكوست لليهود في أوروبا.
ويضيف معد الدراسة «استطعتُ في هذه اللحظة، وكنتُ الفلسطينيّ الوحيد في غرفة التعليم، أن أرى المحاضر والطلبة المستوطنين يخلقون سياقًا أخلاقيًّا، ورواية قوميّة، ومنظومة صهيونيّة تظهر جليًّا في كلامهم. فلذلك تبدو النقاشات حول الكتابات التاريخيّة النقديّة «غير مؤهّلة» كونها لا تأخذ سياق الهولوكوست بعين الاعتبار لِما جرى في فلسطين التاريخيّة، وهكذا تتشكّل العسكريّة في الجامعة والتعليم والمساقات».