الناصرة ـ «القدس العربي»: تقلل دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب من أهمية اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة. وتعتبر أن ذلك لن يمنع حكومة مستقبلية فيها من التفاوض مع سوريا حولها. ولا تستبعد الدراسة أن تبادر إدارة أمريكية بعد مرحلة ترامب لتغيير القرار بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السورية المحتلة. كما لا تستبعد أن يؤدي هذا الاعتراف الأمريكي لتصعيد سوري أكثر من التوتر القائم، محذرة من تبعات أمنية خاصة تترتب على ذلك.
وتتوقع أيضا أن يزيد الاعتراف بسيادة الاحتلال في الجولان من المصاعب على الإدارة الأمريكية في دفع «صفقة القرن» والتعاون مع دول المنطقة. منوهة إلى عدم اعتراف أي دولة بقرار «ضم الجولان»، الذي اتخذته حكومة مناحيم بيغن، في كانون الأول/ديسمبر عام 1981، كما أن «المنظومة الدولية حافظت بحرص شديد على المبدأ الذي استهلّ قرار مجلس الأمن الدولي 242، بأنه لا موافقة على اقتناء منطقة بواسطة الحرب».
وتذكّر الدراسة بأن مجلس الأمن اتخذ قرار 497، الذي أكد أنه لا توجد لقرار «الضم» أهمية من الناحية الدولية. وفي أهم استنتاجاتها ترى الدراسة الإسرائيلية أن خطوة ترامب ونتنياهو نابعة من احتياجات سياسية داخلية، وتؤكد أن «كليهما بحاجة إلى هذه الخطوة من أجل إرضاء قواعدهما السياسية وزيادة نقاطهما الانتخابية». وتنبه إلى أن نتنياهو حاليا في ذروة حملة انتخابية، وقبل أسبوعين من موعد الانتخابات، وهدفه منع ذهاب ناخبين إلى خصمه الأساسي، حزب «أزرق- أبيض» ومنافسيه في معسكر اليمين. أما ترامب فموجود، عمليا، في حملة انتخابية منذ انتخابه، وبدأ نشاطا مكثفا من أجل ضمان انتخابه لولاية ثانية في العام المقبل.
وتضيف الدراسة «رغم أن خطوة الرئيس تعكس رغبته في المساعدة في إعادة انتخاب نتنياهو في الانتخابات القريبة، لكن هذه ليست حالة أولى لتدخل إدارة أمريكية في الانتخابات في إسرائيل، في محاولة لمساعدة المرشح المفضل على الرئيس الأمريكي». وتعتقد الدراسة أنه لم يكن لقرار إسرائيل «ضم» الجولان، في عام 1981، «تبعات أمنية فورية، وعندما كانت سوريا في وضع عسكري مختلف تماما مقابل إسرائيل، وعلى الأرجح أن سوريا ستمتنع هذه المرة أيضا عن مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل».
لكنها في المقابل تحذر أنه «من الجائز أن دافعية سوريا لمحاولة المس بإسرائيل، التي أصبحت موجودة بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي السورية في السنوات الأخيرة، ستزداد وستؤيد بشكل أكبر جهود حزب الله وميليشيات شيعية أخرى لبناء قواعد لتنفيذ عمليات في هضبة الجولان، يتم تنفيذها لدى الحاجة». وترى أن إيران والميليشيات الموالية لها تخوض مواجهة عسكرية محدودة مع إسرائيل في الأراضي السورية، ولا يبدو أنه سيكون لخطوة الرئيس ترامب تأثير على ميزان دافعيتها وشهيتها للعمل ضد إسرائيل، وتقول إنه هكذا هو الحال بالنسبة للحلبة الفلسطينية أيضا».
وعلى مستوى النتائج السياسية للمبادرة الأمريكية التي اعتبرها مراقبون كثر وعد من لا يملك لمن لا يستحق كما في الاعتراف بسيادة الاحتلال في القدس، تقول الدراسة إن المنظومة الدولية عبرت عن رفضها للخطوة الأمريكية، والتأكيد على أن هذه الخطوة تتناقض مع قرارات الأمم المتحدة ومواقف الدول الكبرى، روسيا وفرنسا وألمانيا وغيرها. وتشير أيضا الى أن دول الشرق الأوسط، الصديقة لإسرائيل والمعادية لها، عبرت عن مواقف مشابهة، ونددت بالقرار الأمريكي، وطالبت بانسحابها من الجولان المحتل.
وترجح أن المجتمع الدولي برمته سيستمر بالتعامل مع الخطوة الأمريكية «مثلما تعامل مع القرار الأمريكي بشأن نقل السفارة إلى القدس. وتتوقع استمرار عدم الاعتراف بسيادة إسرائيل في هضبة الجولان. ولا تستبعد أن تكون ترجمة معارضة القرار الأمريكي بخطوات فعلية كمحاولة العالم العربي وتركيا تمرير قرارات في هيئات الأمم المتحدة، تعبر عن معارضة لهذه الخطوة وتعيد إقرار القرار 497.
وتتوقع أن تقابل مبادرات كهذه بـاستخدام واشنطن حق النقض «الفيتو» خلال التصويت في مجلس الأمن، رغم أنها تتوقع أن يتم قبول تصريح بهذه الروح في الجمعية العامة. ولا تتوقع الدراسة الإسرائيلية خطوات فعلية ملموسة في الحلبة الدولية، وتتوقع أن ينتج هذا الاعتراف صعوبات أكثر أمام التعاون العلني للعالم العربي مع إسرائيل، سواء تلك الموقعة على اتفاقيات سلام أو الدول التي تقيم علاقات غير رسمية، مثل دول الخليج. وتنبه أن المعارضة والعداء من جهة دول عربية لنظام الأسد سيترجم إلى موافقة على الخطوة الأمريكية، لا يأخذ بالحسبان الفصل الذي تمارسه هذه الدول بين النظام والدولة السورية السيادية. وتقول إن التكهنات التي سادت عند نشوب ثورات «الربيع العربي» التي بموجبها انتهى ما كانت تسمى «حدود سايكس – بيكو «، ولذلك يتوقع حدوث تغييرات في حدود الدول العربية، جرى تفنيدها في هذه الأثناء.
وترى أن الدول تحافظ على نطاقها السياسي وحدودها، حتى لو سادت فوضى فيها، وجرى الحفاظ على مبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة منذ عام 1991، بعد أن أدى احتلال صدام حسين للكويت إلى اتحاد العالم العربي كله ضده، ومثلما حدث عام 2018، عندما قمعت الحكومة العراقية بتأييد العالم العربي محاولة تحويل حكم ذاتي للأكراد في العراق إلى دولة مستقلة. وتعتقد أن العالم العربي لن يكون مستعدا للموافقة على أن تمس إسرائيل بسيادة دولة عربية. بالعكس، ترى الدراسة الإسرائيلية أنه لا يبدو أن الخطوة الأمريكية ستمس بإمكانية استئناف المفاوضات مع سوريا على اتفاق سلام، إذا نشأت الظروف وتشكلت حكومة في إسرائيل في المستقبل، غير القريب، تكون معنية باستئناف المفاوضات. وتتابع «إذا كانت سوريا أبدت استعدادها عدة مرات للدخول في مفاوضات كهذه مع إسرائيل بعد فرض القانون الإسرائيلية على هضبة الجولان (في عام 1981)، فلماذا ستغير الخطوة الأمريكية السلوك السوري. وبالإمكان الادعاء طبعا أنه سيكون من الصعب على أي حكومة إسرائيلية أن تتخذ قرارا بهذا الخصوص، لأن المعارضين سيدعون أنه لا يوجد أي سبب يدفع إسرائيل إلى الدخول في مفاوضات كهذه، تكون مقرونة بالضرورة بمناقشة إمكانية التنازل عن مناطق في هضبة الجولان، فيما الدول العظمى والحليفة الأساسية لإسرائيل تؤيد السيادة على هضبة الجولان». وتدعو الدراسة للأخذ بالحسبان أن إدارة أمريكية أخرى يمكن أن تغير موقف الولايات المتحدة في المستقبل حيال هذا الموضوع، بسبب اعتبارات سياسية داخلية أو تغير الظروف. وتنبه الدراسة أن هذا الاعتراف بدوافعه السياسية الداخلية سيمس مستقبلا بأي محاولة لضم الضفة الغربية ويجعلها خطوة أصعب وأقل شرعية.