دراسة إسرائيلية تحذر  من تبعات خطيرة لاحتجاجات لبنان على إسرائيل

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: تتابع وسائل الإعلام العبرية ما يشهده لبنان باهتمام كبير، وتلتزم إسرائيل الصمت، فيما يرى معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل ابيب أن هذه الاحتجاجات ستضر حزب الله في المنظور القريب، لكنها ستنعكس سلبا على إسرائيل بالمنظور البعيد. وتقول الباحثة في المعهد أورنا مزراحي إن المحفز المباشر للاحتجاجات الشاملة لكل طبقات وطوائف المجتمع اللبناني ينبع من القرار بفرض ضريبة على استخدام تطبيق واتس أب على خلفية حالة اقتصادية صعبة وحكومة وحدة تستصعب توفير حلول لها، معتبرة أن هذه الاحتجاجات «تعبير عن يأس واشمئزاز من القيادة الفاسدة».
وتشير في دراستها بعنوان «بماذا تبشر المظاهرات المليونية في لبنان» إلى أن كل القيادة اللبنانية بما فيها حزب الله غير معنية بتغيير نظام الحكم السائد في لبنان، ولذا فقد أيدت «خطة إشفاء» طرحتها الحكومة وتقضي بإلقاء عبء الضرائب بالأساس على الطبقات الغنية. وتستبعد الباحثة الإسرائيلية تطبيق هذه الخطة، وتقول إنه من الصعب التقدير هل ستخبو الاحتجاجات سريعا، أو أنها ستقود لاستقالة الحكومة أو ربما لحالة فوضى. مرجحة أن ينجو لبنان فقط بحالة تلقيه مساعدات خارجية سخية. وتقول إنه من المفضل أن تكون هذه المساعدات من دول غرب أوروبا ودول الخليج، وذلك لمنع حزب الله من استكمال هو وسيدته إيران سيطرتهما على لبنان.
الباحثة الإسرائيلية أيضا تعتبر أن ضريبة الواتس أب كانت مجرد القشة الي قصمت ظهر الجمل، منوهة لنية الحكومة باتخاذ إجراءات وضرائب جديدة كانت ستفرض ضمن موازنة 2020 في إطار مساعيها للاستجابة لمطالب المجتمع الدولي بالإصلاح كشرط للحصول على قروض بقيمة 11 مليار دولار تمهيدا لاستثمارها في مشاريع داخل لبنان، كما جاء في مؤتمر شهدته باريس في أبريل/ نيسان 2018 ولم تخرج لحيز التنفيذ.

العوامل العميقة

وتقول مزراحي إن ما يجري في لبنان اليوم يكتسي طابع احتجاجات عفوية فوق الانتماءات الطائفية والطبقية، تطالب بإسقاط النظام والحكومة ومواجهة كل قيادات لبنان دون استثناء. وترى أن هذه الاحتجاجات تأتي نتيجة غضب على الحالة الاقتصادية القاسية وتدني جودة المعيشة ومن فساد الطبقة والنخب الحاكمة ونتيجة يأس من قدرة الحكومة الحالية على توفير حلول وتحسين هذه الحالة.
وتتنبه لاتساع الاحتجاجات وشموليتها وبقائها تحت الراية اللبنانية وتحولها لعرض وطني ضخم ينشد الحياة بشروط أفضل.
وتتوقف الباحثة الإسرائيلية عند العوامل العميقة خلف هذه الاحتجاجات التي تعتبرها بعض الأوساط ثورة لبنانية، وتقول إن اللبنانيين يكابدون في العقد الأخير تدهورا في مستوى المعيشة جراء أوضاع اقتصادية متفاقمة تتجلى ببلوغ نسبة البطالة لدى الشباب 36% وبديون فلكية تبلغ نحو 85 مليار دولار، منوهة للبنى التحتية المزرية وللنقص الحاد بالماء والكهرباء.
كما تشير إلى أن النظامين الأمني والقضائي مصابان بالفساد المزمن، وأن لبنان بشكل عام يعاني من انعكاسات الحرب الأهلية في سوريا خاصة وجود نحو 1.5 مليون سوري لاجئ على الأرض اللبنانية يشكلون مع اللاجئين الفلسطينيين حوالي ربع سكان لبنان. في المقابل فإن المؤسسة السلطوية لا تؤدي وظائفها رغم أن الحريري تمكن في مطلع العام الحالي من تشكيل حكومة وحدة وطنية عقب أزمة سياسية طويلة وعميقة. وتتابع «تستصعب حكومة الحريري رعاية ودفع قرارات نتيجة تركيبتها ووجود كتلة مانعة مكون من قوى المعارضة له (حزب الله وأمل وكتلة عون) وتتهم حزب الله كأوساط إسرائيلية إعلامية، بأنه أحد أسباب تأزم المشكلة اللبنانية على خلفية تصاعد قوته السياسية وتأثيره على صنع القرار وفقا لمصالحه هو.
وتشير مزراحي أن الى هناك تبعات اقتصادية لاندماج حزب الله في النظام السلطوي الحاكم في لبنان: من جهة يتيح له هذا الاندماج التأثير على ميزانيات الوزارات بما يخدم مصالحه على حساب بقية اللبنانيين، ومن جهة أخرى فإن العقوبات التي اتخذت ضده وتم تعميقها خلال العام الحالي تتغلغل في الاقتصاد اللبناني وتؤثر عليه سلبا. وتقول إنه مع ذلك فإن المتظاهرين يحاذرون في توجيه إصبع اتهام ضد حزب الله كونه صاحب القوة العسكرية الضاربة الأقوى في لبنان.

نصر الله

وحول رد الفعل على الاحتجاجات توضح مزراحي أن الانفجار العفوي للاحتجاجات دفع القيادة اللبنانية التي بدت مرتعبة من تبعاتها المحتملة، لتقديم رد سريع.
وتستنتج الباحثة الإسرائيلية من مواقف أولية للقيادات اللبنانية أن كافة رؤساء الأحزاب معنيون ببقاء النظام الحالي، وذلك حفاظا على أملاكهم ومصالحهم. وتقول إن سعد الحريري رئيس حكومة لبنان كأن أول من رد عليها حينما دعا في اليوم التالي شركاءه لتمكينه من إصلاح الوضع، ملمحا لإمكانية استقالته خلال 72 ساعة في حال لم يتعاونوا معه. وتستذكر خطاب نصر الله يوم 19 من الشهر الحالي الذي حاول فيه التعبير عن مواقف وطنية رسمية وهو يدعو المتظاهرين للتصرف بمسؤولية، محذرا من أن سقوط الحكومة لن يحل مشاكل لبنان، داعيا لإصلاح الأحوال الاقتصادية.
وتشير الى قول الوزير جبران باسيل إن النظام الحالي يعبر عن إجماع سياسي لبناني، محذرا من أن تغييره سيفضي الى حالة فوضى.
وتعتبر أن لقاء المصالح بين كل أقطاب النظام اللبناني ساعد الحريري في 20 تشرين الأول / أكتوبر الحالي على صياغة سريعة لـ «خطة إشفاء» تستجيب لمطالب المتظاهرين وفي صلبها نقل عبء الضرائب من الطبقات الضعيفة لتلك القوية ورعاية خطوات لتحسين أحوال الرفاه للبنانيين، وتشمل خصم 50% من رواتب الوزراء والسؤولين الكبار في السلطة وفرض ضريبة بنسبة 25% على أرباح المصارف وشركات التأمين وتحويل ثلاثة مليارات من البنوك لتمويل مشاريع جماهيرية وإلغاء بعض الوزارات الزائدة وغيرها من البنود.
وتقول إن الحريري اعتبر خطة الإشفاء « ثورة اقتصادية « وهي من جهتها تؤكد أن هذه الخطة طموحة جدا، لكن حكومة لبنان ستواجه صعوبات كبيرة في تطبيقها.
وعن سؤال المستقبل ترى الباحثة الإسرائيلية أنه في ظل استمرار الاحتجاجات من الصعب التقدير هل فعلا تؤدي الوعود بالإصلاحات العميقة لخبوها أم أن خطة الإشفاء عرض قليل ومتأخر، مما يعني استقالة الحكومة مع استمرارها؟

الانعكاسات على إسرائيل

وترجح أن استقالة الحكومة في لبنان لاحقا لن تبشر بتغيير عميق، إنما ستقود مجددا لحالة جمود وعدم استقرار في الحلبة السياسية، وتقول إن هناك من يقدر بأن من شأن تفاقم هذه الاحتجاجات أن يفضي للفوضى. ومن هنا تستنتج بأن مصل هذا السيناريو سيجعل حزب الله المعني الأكبر بالمحافظة على الوضع الراهن كي يبقى متمركزا بقيادة المقاومة ضد إسرائيل كمشروع إيراني للوقوف أمام معضلة: هل يستخدم القوة للجم المظاهرات أم لا؟
وتقول الباحثة الإسرائيلية إن مثل هذا الموقف من شأنه أن يورطه داخل الحلبة اللبنانية، مرجحة أيضا أنه يسعى لتحاشي ذلك.
وتخلص للقول إن الخلاص في لبنان بكل الأحوال سيأتي من الخارج، ولا تخفي رغبتها بأن تقدم دول الغرب والخليج العربي مساعدات لتمنع إيران من استكمال السيطرة على لبنان.
وتضيف «من ناحية إسرائيل فإن حزب الله بالمنظور القريب سينشغل في قضايا لبنانية داخلية وبالتالي الانصراف عن التعامل معها، ولكن على المدى البعيد فإن تزعزع الاستقرار الداخلي في لبنان سينتج مخاطر لإسرائيل، خاصة في حال ازدادت قوة حزب الله وتأثيره في البلد المجاور».
يشار الى أن أوساطا واسعة في إسرائيل خاصة إعلامية ودعائية غردت في سرب واحد بهذا السياق وقالت بطبيعة الحال وكما هو متوقع إن هيمنة إيران في لبنان هي أهم أسباب أزمته وخلفية انفجار الاحتجاجات الشعبية فيه، فيما تترقب جهات كثيرة تبعاتها على حزب الله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية