الناصرة ‘القدس العربي’ من زهير أندراوس: رأت دراسة جديدة أعدها الباحث يورام شفايتسر، من مركز دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب (INSS) ان الذكرى العاشرة للهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة في الولايات المتحدة يمكن أن يكون عيدا للتنظيم ولشركائه من الجهاد العالمي، ومن غير المستبعد أن يلجأ التنظيم إلى حملة دعائية لتسويق انتصاره على أعظم دولة في العالم وللتبجح، بهدف التعبير عن النصر العظيم الذي حققوه، برأيهم، ضد أمريكا، القوة العالمية، التي تمثل تحالف الاحتلال بالنسبة لهم، التي تُحبط وتُهين كل مسلم في العالم.
بالمقابل، يقول الباحث الإسرائيلي، باتت تُسمع في الولايات المتحدة مؤخرا الكثير من الأصوات السياسية والإعلامية القائلة إن نهاية تنظيم القاعدة باتت قاب قوسين أو أدنى، معتمدين بذلك على النجاحات التي حققتها واشنطن في حربها على التنظيم، وتحديدا تصفية زعيمه أسامة بن لادن، والعديد من رموز التنظيم، كذلك فإن سلسلة الثورات التي تعم الوطن العربي في الفترة الأخيرة، بحسب الأمريكيين، تؤكد بشكل غير قابل للتأويل بأن الأمة العربية رفضت تبني طريق القاعدة، طريق القتل والإرهاب السلفي، لإنقاذ المسلمين من الضائقة في جميع أرجاء العالم.
وزاد المحلل شفايتسر قائلا إن ادعاء تنظيم القاعدة بأنه انتصر يعتمد على عدة عوامل: الأول أن الهجمات في نيويورك وواشنطن دفعت الولايات المتحدة إلى خوض حربين فاشلتين في العراق وأفغانستان، وهي ما زالت تغوص في الوحل في هاتين الدولتين، حيث فقدت هناك حوالي أربعة آلاف جندي، والعدد ما زال مرشحا للصعود، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف قتيل في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001 وأكثر من ثلاثين ألف جريح، هذا من دون الأخذ بعين الاعتبار عدد القتلى من جنود التحالف، إضافة إلى ذلك، قال الباحث، إن تنظيم القاعدة يتبجح في أنه سبب خسارة مالية لأمريكا، وصلت حسب التقديرات الأمريكية الرسمية إلى مبلغ يتراوح بين 3 و5 تريليون دولار، وكل هذه الخسائر لم تجد نفعا، ولم تتمكن أمريكا من حسم المعركة والقضاء على تنظيم القاعدة وشركائه. السبب الثاني، يقول المحلل الإسرائيلي، يكمن في أن تنظيم القاعدة تمكن من تحطيم صورة الولايات المتحدة التي كانت سائدة حتى الهجمات بأنها دولة لا تعرف الهزيمة، وأنها الدولة العظمى الوحيدة بدون منازع، وهذه الصورة النمطية، بحسب المحلل، مقبولة لدى أصدقاء واشنطن في العالم، وأيضا لدى من يكن لها العداء، وأيضا على الكثير من المسلمين، الذين ينظرون إليها على أنها تكرههم بسبب انتمائهم لدين الإسلام، أما السبب الثالث، برأي المحلل الإسرائيلي، فإنه على الرغم من الهجوم المكثف الذي تشنه الولايات المتحدة الأمريكية على تنظيم القاعدة بمساعدة من عدة دول على مدار عشرين عاما، تمكن تنظيم القاعدة من البقاء، من خلال المحافظة على قدرات هجومية وتنفيذ عمليات في جميع أصقاع المعمورة، بما في ذلك الغرب، بالتنسيق مع شركائه.
رابعا، أضاف شفايتسر، فقد تمكن تنظيم القاعدة من إقناع العالم برمته بأن تهديد العمليات الإرهابية كبير ومؤلم للغاية، وبالتالي أدخل العديد من سكان العالم في حالة من عدم الأمن والأمان، كما أنه تمكن بسبب العمليات من عرقلة الحياة العامة واليومية في الغرب، والتي برزت عن طريق تشديد الحراسة والتفتيش والتدقيق في المطارات، الأمر الذي أدى إلى ضجر المسافرين من هذه الإجراءات التدقيقية.
بموازاة ذلك، أو على النقيض، قال الباحث شفايتسر، إن إدعاء كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية بأن تنظيم القاعدة بات قريبا جدا من التفكك النهائي كتنظيم يُخرج العمليات الإرهابية إلى حيز التنفيذ يعتمد في ما يعتمد على تصفية العديد من زعمائه، وفي مقدمتهم أسامة بن لادن، كما أضاف أن سياسة الاغتيال الممركز للعديد من قادة التنظيم، وخصوصا في باكستان، أثبتت نفسها على أرض الواقع في السنوات الأخيرة كأداة ناجعة جدا في مكافحة هذا التنظيم الإرهابي، على حد قوله، وزاد قائلا إنه لو قامت الولايات المتحدة الأمريكية بانتهاج سياسة الاغتيال الممركز قبل ذلك بعدة سنوات، بنفس الوتيرة المكثفة، أيْ مباشرة بعد هجمات أيلول (سبتمبر) 2001، لكانت حققت نتائج عظيمة في حربها ضد التنظيم، ولكن الخطأ الذي ارتكبه صناع القرار في واشنطن، برأي شفايتسر، يكمن في أنهم صبوا جل اهتمامهم في الحرب على العراق.
علاوة على ذلك، أضاف الباحث الإسرائيلي، إن الربيع العربي وسلسلة الاحتجاجات السلمية في عدد من دول العالم العربي، والتي سارت بشكل يتناقض مع رؤية التنظيم الدموية، تعتبر بشكل أوْ بأخر، ضربة قاصمة، لا بل مميتة، للتنظيم وأفكاره والأيديولوجية التي حاول نشرها في العالمين العربي والإسلامي، على حد قوله.
كما أنه من الأهمية بمكان، جاء في الدراسة، التشديد على أن الأمريكيين وحلفاءهم الغربيين تمكنوا خلال أكثر من عقد من الزمن من منع القاعدة من تنفيذ عمليات إرهابية إستراتيجية على نمط هجمات ايلول (سبتمبر) 2001، كما أن التعاون في مجال المخابرات بين الدول الصديقة توثق جدا، حتى أن العلاقات بين الدول الغريمة توثق من أجل محاربة تنظيم القاعدة. واستطرد الباحث شفايتسر قائلا إنه مع بداية العقد الثاني من بعد هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 يستعد الطرفان، أمريكا والحلفاء من جهة والقاعدة من جهة لمواصلة المعركة بينهما، لافتا إلى أن التحدي الأكبر القائم اليوم أمام وريث بن لادن، د. أيمن الظاهري، هو المحافظة على بقاء التنظيم ومواصلة عمله وتوحيد صفوفه، وأنْ يحافظ على زعامته للتنظيم كما كان الوضع سائدا في عهد بن لادن، ولفت الباحث إلى أنه من غير المستبعد أنْ يحاول الظاهري تحقيق الأهداف التي وضعها نصب عينيه عن طريق تنفيذ أعمال إرهابية استعراضية ضد أهداف بارزة في الغرب، كما أنه سيحاول تسخير إنجازات الاحتجاجات العربية التي أدت إلى إسقاط أنظمة حكم عربية معادية مثل مصر وتونس وليبيا وعلى الأغلب اليمن أيضا، وذلك بهدف تثبيت قاعدته الشعبية في هذه الدول، لتكون بمثابة انطلاقة جديدة لرص الصفوف وتجنيد الجيل الجديد من أعضاء التنظيم، الذي سيُدرب من قبل القادة الذين ينتمون إلى الحرس القديم في التنظيم وأيضا من قبل القادة الجدد، على حد قوله.
وخلص شفايتسر إلى القول إنه على الرغم من الأصوات المتفائلة في الفترة الأخيرة الصادرة من واشنطن، يمكن القول الفصل إن الحرب ضد القاعدة لم تنته بعد، والشعور الذي رافق الأمريكيين بعد تصفية بن لادن بأن نهاية القاعدة باتت قريبة جدا، كان سابقا لأوانه وفي غير محله، مشيرا إلى أن الطريقة الصحيحة لمواصلة الحرب على القاعدة تمكن في تكثيف عمليات الاغتيال الممركز لقادة التنظيم، ولكن مع ذلك، رأى الباحث الإسرائيلي أن أنجع وسيلة لمحاربة القاعدة بهدف القضاء عليها هو إيجاد الرابط بين العمل المسلح ضد الأعضاء في التنظيم وطرح الأفكار البديلة للأفكار التي طرحها التنظيم، ومن الممكن أنْ تتم عملية القضاء على القاعدة عبر هذه الطريقة قبل نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، على حد قوله.