لندن ـ «القدس العربي»: كشفت دراسة جديدة صادمة عن وجود ملايين الوفيات الإضافية من البشر سنوياً بسبب التلوث الذي يشهده العالم.
وحسب تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية واطلعت عليه «القدس العربي» فإن الدراسة بحثت في التأثير المميت لاستنشاق الانبعاثات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري الذي يتسبب في تجشؤ الكربون مثل الغاز والفحم.
ويقول العلماء إن استخدام الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة والنقل والعمليات الصناعية مثل صناعة الصلب تسبب في 5.13 مليون حالة وفاة إضافية سنويا في جميع أنحاء العالم.
وتبين أن معدلات الوفيات هي الأعلى في البلدان التي تخلفت عن الركب في إنهاء حرق الفحم لإنتاج الطاقة – وهي الصين والهند.
وتضيف هذه النتائج إحساساً بالحجم إلى ما نعرفه بالفعل عن الآثار القاتلة للهواء الملوث، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والربو وسرطان الرئة.
وقال العلماء إن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري لتشغيل الأنشطة البشرية لصالح مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن يقلل الملايين من الوفيات التي يمكن تجنبها.
وأجرى الدراسة الجديدة فريق دولي من الخبراء، بمن فيهم عالم الأوبئة البريطاني آندي هينز في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي.
ويقولون: «تظهر النتائج أن عبء الوفيات الذي يُعزى إلى تلوث الهواء الناجم عن استخدام الوقود الأحفوري أعلى من معظم التقديرات السابقة». وأضافوا: «يُعتبر التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بمثابة تدخل فعال لتحسين الصحة وإنقاذ الأرواح».
وتابع العلماء «إن الوفيات بسبب تلوث الهواء مرتفعة بشكل خاص في جنوب وشرق آسيا، بسبب ارتفاع مستويات التلوث والكثافة السكانية العالية».
ويقول الباحثون إن الملوثات القاتلة في الهواء الخارجي تشمل الأوزون الذي ينشأ عن التفاعلات بين أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة، وكلاهما ينبعث من المركبات والعمليات الصناعية وغيرها.
مشاكل في التنفس
وعلى مستوى الأرض، يسبب الأوزون ضباباً دخانياً يُرى عادةً في المدن ويمكن أن يسبب مشاكل في التنفس، خاصة للأشخاص الضعفاء الذين يعانون من أمراض الرئة مثل الربو.
وهناك ملوث سيئ آخر يُعرف باسم «PM2.5» وهو عبارة عن جزيئات صغيرة أو قطرات يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، وهي غير مرئية للعين المجردة ويمكن استنشاقها في الأوقات الطبيعية دون أن نشعر وحتى مع إدراكنا. ويُعتقد بالفعل أن استنشاق «PM2.5» يسبب الربو وأمراض الرئة والقلب وحتى أعراض الاكتئاب، ولكن لا يزال يتعين اكتشاف الكثير من آثاره الصحية.
وفي الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون النمذجة الحاسوبية لتقييم العلاقة بين التعرض لتلوث الهواء والنتائج الصحية في جميع أنحاء العالم.
وتضمنت مصادر البيانات الخاصة بالنموذج الأرقام السكانية، وصور الأقمار الصناعية لوكالة ناسا، ورؤى من دراسة العبء العالمي للمرض لعام 2019 والتي تحدد معدلات الوفيات الوطنية والإقليمية.
وأظهرت النتائج أنه في عام 2019 كانت 8.34 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم تعزى إلى الجسيمات الدقيقة « PM2.5» والأوزون «O3» في الهواء المحيط، منها 61 في المئة (5.13 مليون) مرتبطة بالوقود الأحفوري.
أما نسبة 39 في المئة المتبقية من تلوث الهواء غير الناجم عن الوقود الأحفوري، فهي تأتي من مصادر طبيعية لا يمكن تجنبها، مثل غبار الصحراء وحرائق الغابات، فضلا عن استخدام الطاقة السكنية، مثل حرق الوقود الحيوي الصلب لأغراض الطهي والتدفئة.
ووجد الباحثون أن الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء بالوقود الأحفوري كانت الأعلى في جنوب وشرق آسيا، خاصة في الصين حيث بلغت 2.44 مليون سنويا، تليها الهند بـ 2.18 مليون سنويا.
وكان ما يزيد قليلا عن نصف إجمالي الوفيات (52 في المئة) مرتبطا بأمراض القلب والأوعية الدموية، وخاصة أمراض القلب التاجية (30 في المئة).
وفي الوقت نفسه، فإن السكتة الدماغية ومرض الانسداد الرئوي المزمن، ومجموعة حالات الرئة التي تسبب مشاكل في التنفس، تمثل 16 في المئة. ونحو 20 في المئة منها كانت «غير محددة» ولكن من المحتمل أن تكون مرتبطة جزئيا بارتفاع ضغط الدم والاضطرابات العصبية مثل مرض الزهايمر ومرض باركنسون.
أربعة سيناريوهات
وكجزء من الدراسة، نظر الباحثون أيضاً في أربعة سيناريوهات مختلفة لتقييم الفوائد الصحية المحتملة من السياسات التي تحل محل الوقود الأحفوري بمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة.
ووجد الفريق أن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري سيؤدي إلى أكبر انخفاض في الوفيات في جنوب وجنوب شرق وشرق آسيا، يصل إلى حوالي 3.85 مليون سنوياً. وهذا يعادل ما بين 80 في المئة و85 في المئة من الوفيات التي يمكن الوقاية منها والناجمة عن جميع المصادر البشرية لتلوث الهواء المحيط في هذه المناطق.
وجزء كبير من المشكلة هو أنه على الرغم من استبدال الوقود الأحفوري بمصادر متجددة لتوليد الطاقة في دول مثل بريطانيا، إلا أن الأنشطة الأخرى مثل صناعة الأسمنت والصلب لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
وفي بريطانيا هناك محطة واحدة فقط متبقية لتوليد الطاقة تعمل بالفحم ولكنها ستغلق في أيلول/سبتمبر 2024 حسب «دايلي ميل». وقد أوقفت شركتان أخريان توليد الكهرباء باستخدام الفحم في وقت سابق من هذا العام.
وعلى الرغم من التخلص التدريجي من الفحم، وافقت الحكومة البريطانية العام الماضي على إنشاء منجم فحم بريطاني جديد في وايتهيفن، كومبريا. وسيستخرج منجم الفحم فحم الكوك، الذي يستخدم في صناعة الصلب بدلا من توليد الكهرباء، لكنه لا يزال مسؤولا عن انبعاثات الكربون.
ومع بدء قمة المناخ «COP28» يحث الباحثون القادة على الالتزام بالتخلص التدريجي المتسارع من الوقود الأحفوري في جميع الأنشطة، ويقولون إن البلدان ذات الدخل المرتفع يجب أن تقود الطريق.
وخلص الباحثون في ورقتهم إلى أنه «يجب الاعتراف بفوائد التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري على الصحة العالمية، بالإضافة إلى المناخ، ولعب دور رئيسي في تشكيل المناقشات في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين».
ويقولون إن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري من شأنه أن ينقذ ملايين الأرواح، كما يتفق الباحثون من فنلندا والنرويج في افتتاحية مصاحبة، لكنهم يضيفون أن الوفيات ليست سوى «جزء من المشكلة».
ويقولون: «إن تحسين جودة الهواء من شأنه أن يقلل من عبء العديد من الأمراض الرئيسية مما يؤدي إلى حياة أكثر صحة وأطول، وعدد أقل من المرضى الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى وعلاجات أخرى، ويقلل العبء على النظم الصحية في جميع أنحاء العالم». ويتابعون: «هناك حاجة لمصادر الطاقة المتجددة النظيفة لتحل محل الوقود الأحفوري».