لندن ـ «القدس العربي»: أفادت دراسة صادمة بأن الأطفال الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية بانتظام أكثر عرضة بثلاث مرات للتدخين في مراحل لاحقة من حياتهم.
وأظهرت الأرقام كيف ارتفعت نسبة الأطفال الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية بشكل كبير في ظل تراجع التدخين التقليدي، حيث يستنشقها الآن أكثر من ثلث الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً بانتظام.
وحسب تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، فقد كان أقل من واحد من كل عشرة يفعلون ذلك قبل عقد من الزمن، أي قبل نحو عشر سنوات من الآن.
وتقول الصحيفة إنه بحسب الدراسة الجديدة فإن باحثين بريطانيين وجدوا بأن هذه الأجهزة (السجائر الإلكترونية) قد تُشكل تهديداً أسوأ للأطفال مما كان يُعتقد سابقاً.
وفي أكبر مراجعة عالمية حول التدخين الإلكتروني بين الشباب حتى الآن، وجد خبراء من جامعة يورك وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي «LSHTM»، أن مستخدمي السجائر الإلكترونية أكثر عرضة للتدخين بوتيرة وكثافة أكبر.
وقال العلماء إن الاستخدام المنتظم للسجائر الإلكترونية قد يزيد أيضاً من احتمالية الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وإدمان المخدرات.
ومع ذلك، حثّ خبراء آخرون على توخي الحذر بشأن النتائج، مشيرين إلى أن العديد من الدراسات التي خضعت للتقييم كانت رصدية فحسب، ولم تتمكن من إثبات أن التدخين الإلكتروني وحده يسبب مثل هذه المشاكل الصحية.
وفي هذا البحث الجديد، حلل العلماء 56 مراجعة لـ384 دراسة حول التدخين الإلكتروني بين الشباب. ومن بين هذه الدراسات، تناولت 21 دراسة استخدام السجائر الإلكترونية بين الشباب وتدخين السجائر لاحقاً.
وفي مقال نُشر في مجلة «مكافحة التبغ»، قال الباحثون إن البيانات المتاحة «أشارت باستمرار إلى وجود ارتباط كبير بين استخدام السجائر الإلكترونية وتدخين السجائر لاحقًا بين الشباب». وقالوا إنه من الصعب «استنتاج علاقة سببية» من مراجعتهم، لكن «الارتباطات القوية المتكررة في دراسات الأتراب المستقبلية تتفق مع وجود علاقة سببية».
وأضافوا أن التحليل أشار أيضاً إلى زيادة خطر الإصابة بالربو أو تفاقمه بين الشباب الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية.
ومن بين النتائج الضارة الأخرى المرتبطة بتدخين السجائر الإلكترونية بين الشباب، الالتهاب الرئوي، والتهاب الشعب الهوائية، وانخفاض إجمالي عدد الحيوانات المنوية، والدوار، والصداع، والصداع النصفي.
كما تم تحديد صلة بين الاكتئاب والأفكار الانتحارية بين الشباب الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية.
وقالت الدكتورة سو غولدر، الأستاذة المساعدة في علوم الصحة بجامعة يورك: «إن اتساق الأدلة مثير للإعجاب»، وتابعت: «في دراسات متعددة، يكون الشباب الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية أكثر عرضة للتدخين في المستقبل. تدعم هذه النتائج اتخاذ تدابير صحة عامة أقوى لحماية المراهقين من المخاطر المرتبطة بالتدخين الإلكتروني».
وقال الدكتور غريغ هارتويل، الأستاذ المساعد السريري في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: «لقد وجدنا أدلة متسقة حول التحول إلى التدخين، ما يفتح الباب أمام العديد من الأضرار التي تسببها السجائر التقليدية. وكما صرّح كبير المسؤولين الطبيين في الحكومة البريطانية، فإن تسويق السجائر الإلكترونية للأطفال أمر غير مقبول دائماً، وتُظهر مراجعتنا بالضبط سبب أهمية فرض المزيد من القيود على صناعة التبغ، التي تُسيطر على سوق التدخين الإلكتروني».
وأضافت الدكتورة ريبيكا غلوفر، المؤلفة الرئيسية للدراسة والأستاذة المساعدة في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: «للتدخين الإلكتروني تأثير ضار على صحة الشباب عالمياً، ويبدو أنه مدخل إلى مواد أخرى».
وتابعت: «تقدم الدراسة أقوى دليل حتى الآن على أن الشباب عالمياً يواجهون مجموعة خطيرة من الأضرار الجسدية والنفسية الناجمة عن التدخين الإلكتروني، وأنهم أكثر عرضة لخطر التحول إلى التدخين التقليدي».
لكن خبراء آخرين لم يشاركوا في البحث، وصفوا النتائج بأنها «مبالغة في التكهنات»، وحذروا من أن الدراسات التي تم تحليلها كانت رصدية أو منخفضة الجودة.
وقالت البروفيسورة آن ماكنيل، الخبيرة في إدمان التبغ في كلية كينغز لندن: «لقد تناول البحث 56 مراجعة منهجية، صُنفت 53 منها على أنها منخفضة الجودة أو منخفضة للغاية، مما يعني أنه ينبغي على المؤلفين توخي الحذر الشديد قبل التوصل إلى أي استنتاجات. وأشار المؤلفون إلى أن المراجعات وجدت باستمرار أن التدخين الإلكتروني مرتبط بالتدخين اللاحق، وهذا يُكرر نتائج العديد من المراجعات السابقة، بل والأبحاث التي شاركتُ فيها».
وأضافت: «مع ذلك، يُشير المؤلفون، بشكل غير صحيح، إلى أن هذا يدعم علاقة سببية». وتابعت: «بعبارة أخرى، يُسبب التدخين الإلكتروني التدخين، أي ما يُسمى بتأثير (البوابة)، ومن المُسلّم به أن الاتساق لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية».
وفي الوقت نفسه، قالت الدكتورة إيما بيرد، الأستاذة المُشاركة في الإحصاء والأساليب الكمية في كلية لندن الجامعية: «إن الاستنتاج بأن التدخين الإلكتروني يُمثل بوابة هو مُبالغة في التكهن، خاصةً عندما تُشير الدراسة إلى أن معدلات التدخين على مستوى السكان قد انخفضت عمومًا مع ارتفاع التدخين الإلكتروني».
وأضافت: «مع أن حماية الشباب أمرٌ حيوي، إلا أن هذه المراجعة تُظهر بوضوح أن قاعدة الأدلة الحالية حول هذا الموضوع بها بعض نقاط الضعف المهمة».
وتسمح السجائر الإلكترونية للناس باستنشاق النيكوتين في بخار، والذي يُنتج عن تسخين سائل، والذي يحتوي عادةً على البروبيلين جليكول والغلسرين والمنكهات ومواد كيميائية أخرى.
وبخلاف السجائر التقليدية، لا تحتوي هذه السجائر على التبغ، ولا تُنتج القطران أو الكربون، وهما من أخطر العناصر.
وتأثير النيكوتين على الدماغ معروف جيداً، ففي غضون 20 ثانية من استنشاقه، يُحفز إطلاق مواد كيميائية مثل الدوبامين، المرتبطة بالمكافأة والمتعة. لكنه أيضاً يزيد من معدل ضربات القلب وضغط الدم، ويُسبب انقباض الأوعية الدموية، ويرجع ذلك إلى أن النيكوتين يُحفز إطلاق هرمون الأدرينالين.
وعلى الرغم من إصرار مسؤولي الصحة في بريطانيا على أن التدخين الإلكتروني أكثر أماناً من التدخين التقليدي، إلا أن التدخين الإلكتروني ليس خالياً من المخاطر، وقد تحتوي السجائر الإلكترونية على سموم ضارة، ولا تزال آثارها طويلة المدى غامضة.
كما يخشى الخبراء من أن ارتفاع نسبة النيكوتين قد يزيد من ضغط الدم ويُسبب مشاكل قلبية أخرى.
وفي العام الماضي، وفي أول توجيه عالمي يُحدد التدخلات المُمكنة لمساعدة الناس على الإقلاع عن استخدام منتجات التبغ، وصفت منظمة الصحة العالمية الأدلة المتعلقة بالسجائر الإلكترونية بأنها «معقدة».
وقالت وكالة الأمم المتحدة إنه لا يمكن التوصية بالسجائر الإلكترونية كوسيلة للإقلاع عن التدخين، نظراً لقلة المعلومات المتوفرة عن أضرارها وفوائدها.