دراسة عن المرأة وسوق العمل في ليبيا واقع وتحديات

رشيد خشانة
حجم الخط
0

لم يصدر أي تشريع بعد 2011 يُحسِن أوضاع المرأة

قد يكون الوضع الاجتماعي للمرأة في ليبيا أكثر عُسرا وقسوة من وضع النساء في بلدان عربية أخرى. ربما يُعزى ذلك إلى الطابع المحافظ للمجتمع ورسوخ الثقافة البدوية، وسلطة القبيلة في مناطق عدة من البلد. هذا بعضٌ مما كشفت عنه دراسة اجتماعية، بعنوان “المرأة وسوق العمل في ليبيا: واقع وتحديات” أنجزها الباحث الليبي محمد تنتوش والباحثة هالة بوقعيقيص، وقد وضعت الأصبع على أسباب أخرى لتهميش المرأة. ومن بين تلك الأسباب، الانقسامات السياسية وغياب الأمن عن سوق العمل، وغياب المشاريع الاستثمارية، ما أدى إلى ارتفاع نسب البطالة، وأثر بصورة خاصة، في عمل المرأة.

واعتمد الباحثان في إعداد الدراسة على عدد من المقابلات مع صاحبات مشاريع وعاملات في القطاع الخاص، ومديرات في المصارف والجهات الحكومية والخاصة، بالإضافة لمقابلات معمقة شملت عضوا في البرلمان ووكيلة وزارة سابقة، لفهم المعوقات التي أدت إلى تراجع مشاركة المرأة بين القوى العاملة.

شح المعلومات وقلة البيانات

أتت الدراسة ثمرة للتعاون بين مركز “جسور” للدراسات والتنمية في مجال تعزيز المساواة بين الجنسين ومؤسسة “فريدريش ايبرت” الألمانية، وألقت الضوء على أهم الجوانب المتعلقة بالمرأة في سوق العمل، بالرغم من قلة المعلومات والبيانات، وخاصة منها المتعلقة بالقطاع الخاص.

وقال الباحثان إن الدراسة ترمي إلى فهم واقع المرأة في سوق العمل الليبية، واستعراض أهم التحديات التي تواجهها، بالإضافة إلى معرفة المعوقات التي تُعطل مساهمتها بشكل فعال في سوق العمل. وتتبعت الدراسة بشكل دقيق، العوامل التي تقف وراء تعرُض النساء للتمييز بأشكاله المختلفة “على الرغم من  خروجهن إلى سوق العمل بدوافع اقتصادية واجتماعية”. ويُقرُ مُحررا الدراسة بأن الدولة سنت تشريعات ووضعت سياسات لدعم المرأة بعد استقلال ليبيا، في منتصف القرن الماضي. غير أن تلك الجهود “لم تساهم في تحسين وضعها الفعلي كقوة عاملة”. أكثر من ذلك، لم يترجم التقدم الكبير، الذي أحرزته المرأة في المجالات التعليمية بتحسن مماثل في مكانتها في سوق العمل، إذ أن المرأة تغدو، في غالبية الأحيان، عاطلة عن العمل أو تضطر للقبول بوظائف إدارية وخدمية ذات طابع تنفيذي، دون مستواها، ولا تتلاءم مع مهارتها وتحصيلها العلمي.

شريكة الرجل

يؤكد الباحثان أن تأمين البيئة المشجعة والفرص الملائمة للنساء في العمل ليس من الكماليات، وإنما هو ضرورة لتحقيق الرخاء الاقتصادي والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق شددت الدراسة على أن تمكين المرأة اقتصادياً، “لا يقتصر على كونها نصف المجتمع أو عاملا يهدد ركودُ الاقتصاد في مجمله، وإنما هو استكمال طبيعي لدورها الأساسي عبر التاريخ، كشريكة للرجل في كل معاملاته. فالمرأة الليبية بحضورها البارز في جميع المجالات، من صناعات تقليدية ويدوية وزراعة، كافحت لتنتزع حقوقَها التي مارستها، مثلما مُنحت لها بالقانون”.

واستدل الباحثان على مكانة المرأة ببعض الأمثلة من مناطق مختلفة، من بينها الجبل الأخضر حيث شاع أن تُدعى المرأة والأم والزوجة، بالـ”نفّاقة” (بفتح النون وشد الفاء) من الإنفاق، وهي دلالة على دورها الأساسي في إدارة الشؤون المالية للمنزل. كما أنها لم تكتف بالأعمال المنزلية وصناعة المنسوجات وحسب، بل شاركت الرجل أعمال الزراعة، وعملت في الحقول والمراعي، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال عديد القصص المنسية في التراث الليبي، التي ترعى بطلاتُها الأغنام وتحارب الشر في الأرياف.

وفي غرب البلاد شاركت النساء، بالإضافة للعمل في الحقول والمزارع، بالعمل في النسيج. فقد أبرزت دراسة نشرت على موقع “تاوالت” حول صناعة النسيج في جبل نفوسة، أنها كانت تعتمد بشكل أساسي على النساء والفتيات. وتم تقدير عدد النساء العاملات في هذا القطاع في حقبة من الزمن بحوالي 30.000 عاملة. وعلى الرغم من أن صناعة النسيج لم تكن الأساسية لسكان المنطقة، إلا إن المرأة كانت تعتمد عليها، بوصفها مهنة ترتزق منها، في حالة وفاة رب الأسرة أو المُعيل. غير أن الباحثين غفلا عن عنصر اجتماعي مهم، يُفسر المكاسب التي تتمتع بها النساء في منطقة الجبل الغربي، وهو أن سكان غالبية القرى في الجبل هم من الأمازيغ، الذين يتسم نظامهم الاجتماعي بالانفتاح، ويمنح دورا محوريا للمرأة في الأسرة والمجتمع على السواء.

قفزة نوعية

مثلما ذكرت الدراسة، شكل سن الدستور في 1951 “قفزة نوعية في تاريخ المرأة الليبية، إذ فرض إلزامية التعليم الأساسي، ما منح الكثير من النساء فرصاَ أكثر للتحصيل العلمي، وأتاح لهن بالنتيجة، الانخراط في العمل في مجالاتٍ مختلفة. كما قدّم للمرأة أيضا المساواة في العمل، فتبعته نهضة نوعية في سوق العمل الليبي” على ما جاء في الدراسة.

من جهة أخرى دفعت الأزمات التي عصفت بالبلد في الماضي، إلى إشراك المرأة في الحياة الاقتصادية، فعلى سبيل المثال خلال الأزمة الاقتصادية التي مرت بها ليبيا في ثمانينات القرن الماضي، تزايد إقبال المرأة على التحصيل العلمي، مدعومة بحرص المجتمع على تعليمها، وعلى عملها في الوظائف المختلفة، للمساهمة في تخفيف الاعباء المالية عن رب الأسرة. وهكذا واكبت المرأة في ليبيا مراحل تطور البلد، وشاركت فيها من خلال التحصيل والبحث العلمي والعمل الثقافي والمدني، وكانت حاضرة في سوق العمل، جنبا إلى جنب مع الرجل، كموظفة ومنتجة وصاحبة مشاريع، على الرغم من كل الظروف والعوامل التي كانت تحد من مشاركتها الكاملة في عملية التنمية.

وعلى الرغم من ذلك التقدم اللافت، اعتبر الباحثان أن “مشاركة المرأة الليبية في سوق العمل كانت دون المستوى المنشود، فوفقا لتقرير البنك الدولي لعام 2006 حول ليبيا، كان عدد القوى العاملة في البلد 1.8 مليون يد عاملة فاعلة، إلا أن معدل البطالة كان يقدر بنحو 25 في المئة. وشكلت النساء وما زلن يشكلن تقريبا 50 في المئة من السكان، إلا أن متوسط مساهمتهن في المجهود التنموي لم يتجاوز 30 في المئة، حسب كتاب إحصاءات ليبيا في 2006 وهي الأحدث. وهناك قطاع وحيد تشكل فيه النساء غالبية القوة العاملة (أي ما يزيد عن 50 في المئة) وهو فرع المهن العلمية. أما في بقية القطاعات فتراوح نسبة تمثيل النساء فيها، بين 3.5 في المئة و21 في المئة، بما في ذلك الادارة والزراعة والخدمات والصناعة والتجارة.

غياب الرؤية

مع أن ليبيا مرت بمرحلة انتقالية هامة في أعقاب انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011 لم يُحدث ذلك أي تحسن في وضع المرأة العاملة في السنوات التي تلت الانتفاضة. وعزا الباحثان هذا الوضع إلى غياب أي استراتيجيا أو رؤية لتحسين وضع المرأة وتعزيز مكانتها في الاقتصاد. ومثلما أثرت الانقسامات السياسية وغياب الأمن في سوق العمل، أدت الأزمة الاقتصادية وتوابعها إلى غياب المشاريع الجديدة، وارتفاع نسب البطالة، وبذلك تم اجبارها، في أفضل الأحوال، على العمل في البيت، أو في شركات غير رسمية، من دون أي حماية أو ضمانات قانونية.

تطرقت الدراسة أيضا إلى حق المرأة في امتلاك الأصول من الأراضي وغيرها، وإدارتها والتحكم فيها، فأظهرت أن “التقاليد الاجتماعية تشكل في أغلب الأحيان عائقا أمام تمتُعها بهذا الحق”. ويقدر عدد النساء اللواتي يمتلكن الأرض 12 في المئة، وفقا لمؤشر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

في المقابل تتمتع النساء، نظريا، بالحق في الوصول إلى الخدمات المالية، بما في ذلك القروض المصرفية، كما أن لهن الحق في الدخول في أشكال مختلفة من العقود المالية. وعلى الرغم من هذا تصل نسبة النساء اللواتي يمتلكن مدخرات شخصية إلى 34 في المئة، مقابل 59 في المئة ممن لا يمتلكن مدخرات، حسب استبيان قامت به المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية عام 2013.

جهود المجتمع المدني

شكا الباحثان أيضا من عدم وجود البيانات الرسمية عن مشاركة المرأة في القوة العاملة، بعد عام 2015 ما يُشكل عائقا أساسيا أمام فهم العوامل التي تؤثر في وضعها في هذه الظروف الاستثنائية. وبفضل جهود بعض منظمات المجتمع المدني المحلية تم تسليط الضوء على إشكالية الاقتصاد الموازي ولا سيما في الأزمة الحالية. كما توجد بعض التقارير المتنوعة حول المرأة الليبية ومساهمتها في الاقتصاد غير الرسمي، من خلال تنظيم المشاريع وكذلك إقامة المؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم. ويؤمل أن يدعم هذا التقرير حراك النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات ذات العلاقة، للعمل على إنجاز دراسات معمقة وشاملة تساهم في تحسين أوضاع المرأة العاملة في ليبيا وتعزيز دورها في الحركة الاقتصادية والاجتماعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية