دراسة لـ «مدى الكرمل»: أسباب تحوّل طلاب من فلسطينيي الداخل للدراسة خارج الجامعات الإسرائيلية

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: تقول دراسة صادرة عن مركز «مدى الكرمل» في حيفا داخل أراضي 48 إنه طرأ في العَقد الأخير ارتفاع في عدد الطلاب العرب في الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة بنسبة ثلاثة أضعاف وفي الوقت نفسه تزداد نسبة المتوجهين للدراسة خارجها. وتنوه أنه في 2007 بلغ عدد الطلاب العرب في مؤسّسات التعليم العالي الإسرائيليّة 14,000، وارتفع عددهم عام 2017 إلى 46,855 طالبًا.
ولكن رغم هذا الارتفاع في عدد الطلاب العرب في مؤسّسات التعليم العالي في إسرائيل، فإنّ جزءًا لا يُستهان به من الطلاب، أو ما يقارب 30% (24,000 طالب)، يتوجّهون لتَلقّي الدراسة في جامعات خارج البلاد. وتظهر الدراسة أن الوجهة الأساسيّة لهؤلاء هي الجامعات الفلسطينيّة خاصّة الجامعة الأمريكيّة في جنين داخل الضفة الغربية التي تفوّقت على جامعة حيفا، والجامعات الأردنيّة من حيث عدد الطلاب الذين يدرسون فيها. وتشير الى أنّ ما يقارب 6,000 طالب عربيّ مواطن في إسرائيل يشكّلون ما يقارب 55% من مجموع الطلاب في الجامعة درس في الجامعة الأمريكيّة عام 2018.
في المقابل، وحسب معطيات أوردها الباحثان خالد عرار وقصي حاج يحيى درس في جامعة حيفا في السنة نفسها 5,444 طالبًا. وشكّل الطلاب العرب سنة 2012 ما يقارب نسبة 20% من مجموع الطلاب الذين قصدوا الأردن للدراسة أمّا اليوم فهناك تراجع في عدد الطلاب الدارسين في الجامعات الأردنيّة.
وعن أسباب التحاق الطلاب العرب بمؤسّسات التعليم العالي خارج إسرائيل ترى الدراسة أن هناك أسبابا عديدة تفسّر التحاق الطلاب العرب بالجامعات خارج إسرائيل أهمّها التمييز الصارخ والمجحف الذي عانى وما زال يعاني منه جهاز التعليم العربيّ في إسرائيل مقارنة بجهاز التعليم اليهوديّ، الأمر الذي يؤدّي إلى تدنّي التحصيل.
كما ترى الدراسة أن التفاوت بين الجهازين العربيّ والعبريّ يبرز في الميزانيّات المخصّصة للطالب العربيّ من مراحل الدراسة المبكرة. ويحدث ذلك رغم سياسة التصحيح المفضِّل المنتهجة من قبل وزارة التعليم الإسرائيلية لسدّ الفجوات بين التعليم العربيّ والتعليم العبريّ عام 2013، ومع ذلك ما زالت الميزانيّات التي تُستثمَر في الطالب العربيّ أقلّ بنسبة كبيرة من الميزانيّات المخصّصة للطالب اليهوديّ. و كشف تقرير لجنة متابعة قضايا التعليم العربيّ في أراضي 48 أنّ نسبة استحقاق شهادة التوجيهيّ في المدارس العربيّة 64%، وفي المقابل بلغت نظيرتها لدى الطلاب اليهود 70.8%.

عوامل جذب

علاوة على ذلك، صنّف حاجّ يحيى وعرار الأسباب التي أدّت إلى توجُّه الطلاب العرب للدراسة في الأردن إلى عوامل جذب وعوامل طرد يمكن تعميمها على سائر الطلاب الدارسين خارج مؤسّسات التعليم العالي الإسرائيليّة، وتتعلّق عوامل الجذب هذه بالأمور التالية: إعفاء الطلاب من التقدّم إلى امتحان دخول أو تصنيف للجامعات، سهولة القبول في مواضيع تَضْمن للطالب مهنة رفيعة في المستقبل (كالطبّ ومواضيع الطبّ المساعد). كذلك قرْب الجامعات الفلسطينيّة الجغرافيّ خاصّة الجامعة الأمريكيّة في جنين، حيث فسح ذاك المجالَ أمام الطالبات العربيّات لإكمال دراستهنّ الجامعيّة في بيئة اجتماعيّة مريحة لهنّ.

عوامل الطرد

كما تشير الدراسة الى «عوامل الطرد» ومنها تقييدات السنّ التي يواجهها الطلاب العرب عند الالتحاق بالجامعات الإسرائيليّة لدراسة بعض المواضيع (كالطبّ والخدمة الاجتماعيّة). يضاف لها امتحان السيكومتريّ الذي يشكّل العقبة الأساسيّة التي تعترض قبول الطلاب العرب للدراسة في الجامعات الإسرائيليّة؛ فوَفق المعطيات التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزيّة، ما زال تحصيل الطلاب العرب متدنّيًا في هذا الامتحان مقارنة بالطلاب اليهود. ورغم الارتفاع الطفيف الذي حصل على معدّل العلامات لدى الطلاب العرب في العَقد الأخير، ما زالت الفجوة كبيرة واستقرّت على 80 علامة على الأقلّ في عام 2017. وتؤكد الدراسة أنه لفارق التحصيل والفجوة الكبيرة بين الطلاب العرب واليهود في امتحان السيكومتري وعلامات التوجيهيّة مردودان سلبيّان على عدد الطلاب العرب الذين يُقبَلون للدراسة في الجامعات الإسرائيليّة.
وحسب معطيات رسمية فإن 23% فقط من الطلاب العرب الذين تسجّلوا للدراسة في كلّيّات الطبّ قُبلوا في الجامعات الإسرائيليّة المختلفة سنة 2017، مقابل 35% من الطلاب اليهود. وفي مواضيع الطبّ المساعد، قُبل 60% من الطلاب اليهود، مقابل 36% من الطلاب العرب. أمّا في المواضيع الأخرى، فقد جرى قبول 71% من الطلاب اليهود، مقابل 58% من الطلاب العرب.
ممّا ذُكر سالفًا، تستنتج الدراسة أنّ نسبة عالية من الطلاب العرب يلتحقون بالجامعات خارج إسرائيل ابتغاء مواصلة الدراسة العالية بسبب عدم قبولهم في الجامعات الإسرائيليّة في المواضيع التي اختاروها، وهي على الأغلب مقاعدها محدودة وتتطلّب معدلات عالية في شهادة التوجيهي وامتحان السيكومتريّ. وتنقل الدراسة عن أمثال هؤلاء الطلاب قولهم إن التحاقهم بمؤسّسات تعليم عالٍ خارج إسرائيل ناتج عن عدم حصولهم على نتائج ملائمة في السيكومتريّ تمكّنهم من دراسة المواضيع التي تساعدهم على الاندماج في سوق العمل بيُسْر، التي تضمن لهم مكانة اجتماعيّة ومستوى معيشة مرتفعًا (كالطبّ والصيدلة -على حدّ زعمهم).

مواضيع طبية

وتوضح الدراسة أن معظم الطلاب العرب الذين درسوا خارج إسرائيل، أو ما زالوا يدرسون هناك، يتوجّهون لدراسة الطبّ أو مواضيع الطبّ المساعد، نحو: العلاج بالنطق؛ العلاج الوظيفيّ، التمريض. كما تشير أن معظم الطلاب الذين يدرسون خارج البلاد هم من العائلات المقتدرة، حيث تفوق تكاليف الدراسة الباهظة في الجامعات خارج إسرائيل قدرة العائلات المحدودة الدخل. لذا، يقتصر تَلقّي الدراسة في هذه الجامعات على الطلاب الذين يتحدّرون من عائلات ميسورة الحال، خاصّة أنّ تكاليف الدراسة لا تقتصر على قسط التعليم والمسكن، وإنّما تشمل أمورًا أخرى يقوم الطلاب بدفعها وتُعطى مجّانًا للطلّاب المحلّيّين. ومع ذلك، ينتمي الطلاب العرب الذين يدرسون خارج إسرائيل إلى مجموعات سكّانيّة غير متجانسة من النواحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينيّة.
وتقول الدراسة إنه فضلًا عن كلّ هذا، تشير إلى أن تَلَقّي الدراسة خارج إسرائيل لم يعد مقتصرًا على الذكور فقط كما كان متّبَعًا، بل ثمّة توجُّه لدى الإناث كذلك أيضًا لتَلَقّي الدراسة في الجامعات الفلسطينيّة، والأوروبية رغم الصعوبات والتحدّيات التي تواجه الطالبات في بلاد الاغتراب كما سنبيّن لاحقًا.
اعتمادًا على المقابلات التي أجرتها الدراسة مع طلّاب وأشخاص درسوا خارج إسرائيل، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيّات، تشير الدراسة إلى عدة تحدّيات تواجههم منها التأقلم مع ثقافة جديدة. وعن ذلك تقول إن الطلاب العرب الذين يدرسون في الجامعات الأوروبيّة أجمعوا على أنّ التأقلم والتكيّف مع ثقافة جديدة مختلفة كلّ الاختلاف عن ثقافتهم العربيّة هو من أصعب التحدّيات التي يمرّ بها الطالب العربيّ في الدول الأجنبيّة، خاصّة في السنوات الأولى من مشواره الدراسيّ. منوهة أن مصاعب التأقلم والتكيّف تخفّ حدّتها في الجامعات الفلسطينيّة والأردنيّة.
كما تشير إلى التخوّف من اجتياز امتحان الدولة والانخراط في سوق العمل الإسرائيليّ: أبدى قسم من الطلاب الذين درسوا المواضيع الطبّيّة مخاوفَهم من ألّا يتمكّنوا من اجتياز امتحان الدولة بسبب إجراء امتحان الدولة باللغة العبريّة، وعبّروا عن قناعتهم بأنّ السلطات الإسرائيلية تفرض إجراء هذا الامتحان بغية وضع العراقيل أمامهم وتفضيل الطلاب الذين يدرسون في الجامعات الإسرائيليّة عليهم. وهذا برأيها ينطبق أيضًا على إيجاد أماكن عمل مناسبة بادّعاء أنّ الدولة تعطي حقّ الأولويّة لمن هم من خرّيجي الجامعات الإسرائيليّة.
كذلك تشير للكراهية والاستغلال: يجابَه الطلاب العرب خارج إسرائيل بموجة من الكراهية والاستغلال من قِبل جزء من السكّان المحلّيّين، سواء أكان ذلك في الدول الأجنبيّة أَم في الأردن. الاعتقاد السائد لدى السكّان المحليّين أنّ الطلاب العرب يتشاركون معهم في موارد الدولة التي هي من حقّهم فقط. وتشير أيضا إلى الحنين إلى الأهل (لدى الطلاب الذين يدرسون في دول أوروبيّة): الغربة والبعد عن الوطن ليسا بالأمر اليسير.
وحسب الدراسة يعاني الطلاب العرب في بداية مشوارهم التعليميّ حالة نفسيّة صعبة بفعل البعد عن الأهل، ولا سيّما أنّه تقع على عاتقهم مسؤوليّات عديدة كتدبُّر أمورهم الحياتيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، من مسكن ومواصلات وما شابه، وهو ما لم يعتادوا عليه قَبلًا. وفي سبيل التغلّب على هذه المصاعب وتخطّي هذه العقبات، يعيش الطلاب العرب حياة مشتركة، ويقومون بمساعدة ومساندة بعضهم البعض في الأمور الدراسيّة والحياتيّة والاجتماعيّة، على الرغم من الاختلاف في ما بينهم كما ذكرنا آنفًا.
وتخلص الدراسة للقول إن معظم مَن يتوجّهون لتلقّي الدراسة في هذه الجامعات هم طلّاب لم يُقْبَلوا لدراسة المواضيع التي رغبوا فيها داخل إسرائيل. وتعتقد أن معظمهم يدرسون الطبّ ومواضيع الطبّ المساعد، وينتمون إلى مجموعات سكّانيّة ميسورة الحال، لكن مختلفة من النواحي الاقتصاديّة والدينيّة والاجتماعيّة، من ذكور وإناث.
كما توضح أن هؤلاء الطلابَ يصطدمون بتحدّياتٌ عديدة في مراحل الدراسة، أهمُّها الثقافة الجديدة المختلفة، والتكلفة العالية للدراسة، والبعد عن الأهل والحنين إلى البلد، إضافة الى التحدّيات التي يواجهونها بعد إنهاء دراستهم الجامعيّة، وبالأخصّ الاندماج في سوق العمل الإسرائيليّ واجتياز امتحان الدولة.
ورغم كل ذلك، يؤكّد قسم من هؤلاء الطلاب أنّ الدراسة خارج إسرائيل ضروريّة جدًّا، ولا سيّما أنّها توفّر الإمكانيّة للطلّاب العرب لتعلُّم مواضيع تضمن لهم في المدى البعيد، على الرغم من التحدّيات، الاندماجَ في سوق العمل الإسرائيليّ.
يشار الى ًأن أجهزة الأمن الإسرائيلية حذرت قبل سنوات من الظاهرة خاصة أن الطلاب العرب في جامعات عربية وفلسطينية وأجنبية ينكشفون لمضامين معادية لإسرائيل ولاحتمالات تجنيد بعضهم لتنظيمات سرية، كما حصل عدة مرات في الماضي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية