تمثل سياسات مواجهة الصدمات الاقتصادية الطارئة وبناء القدرة على التحمل، همّا جديدا من هموم السياسة الاقتصادية، بسبب زيادة حدة وتيرة وتنوع مصادر هذه الصدمات في السنوات الأخيرة. وتختلف مصادر الصدمات الطارئة، لكنها تشترك معا في شدة تأثيرها على مستويات التشغيل ومعدلات التضخم. وهناك الصدمات الطارئة الناتجة عن حروب وتداعيات جيوسياسية، مثل حرب أوكرانيا وحرب غزة والحرب الباردة التي تشنها الولايات المتحدة على الصين. وهناك صدمات ناتجة عن تغيرات مفاجئة في أسعار الصرف وأسعار الغذاء والمواد الخام. كما أن هناك صدمات أخرى ناتجة عن عوامل بيئية مثل السيول والفيضانات والحرائق والجفاف. وقد لا حظنا في السنوات الأخيرة تأثير تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد في دول العالم المختلفة، التي لم تتمكن حتى الآن، باستثناء الولايات المتحدة، من العودة إلى مستويات الناتج المحلي قبل الجائحة. وقد أصدر البنك الدولي دراسة مهمة تتعلق بكيفية تحقيق التوازن في سوق العمل لمواجهة التداعيات التي تحدث بسبب تلك الأزمات الطارئة، حيث تم تقسيم هذه التداعيات إلى نوعين مختلفين، الأول هو التداعيات الإنكماشية، والثاني هو التداعيات التضخمية.
تفضيل العمل على البطالة
وطبقا للدراسة تختلف أسواق العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن مثيلاتها في الدول الصاعدة والدول النامية من حيث قدرتها على التكيف أثناء فترات الانكماش والتضخم. ففي حالات الصدمات الانكماشية يرتفع تأثير الانكماش على سوق العمل إلى ضعف المعدل في الأسواق الصاعدة والنامية. على سبيل المثال، كما تشير الدراسة فإن حجم سوق العمل خلال جائحة كورونا تقلص بحوالي 5.1 مليون شخص بسبب الإغلاق وهبوط النشاط الاقتصادي، ما يشكل تحديا كبيرا لسوق العمل في الأجل الطويل، وكذلك للسياسات اللازمة لمعالجة آثار الصدمات الكبيرة على سبل كسب الناس للعيش. أما في حال الصدمات التضخمية التي تهبط فيها قيمة الدخل الحقيقي للعمل (الأجور) فإن معدل استجابة سوق العمل يكون محدودا وأقل من المتوسط العالمي في الدول المتشابهة. ويعود ذلك إلى أن معدل التوظيف يظل مستقرا على الرغم من انخفاض القيمة الشرائية للنقد. وضربت الدراسة مثالا بتأثير الموجة التضخمية في مصر عام 2017 بعد تخفيض قيمة الجنيه للوفاء بشروط قرض من صندوق النقد الدولي في العام السابق. ومع أن تخفيض قيمة العملة بنسبة وصلت إلى 87 في المئة أسفر عن ارتفاع معدل التضخم في العام التالي إلى أكثر من 30 في المئة حسب الإحصاءات الرسمية، فإن معدل البطالة لم يرتفع، وذلك على الرغم من انخفاض الأجور الحقيقية بنسبة 20 في المئة في نهاية عام 2017.
وعلى الرغم مما يشوب الإحصاءات الرسمية من عيوب وتشوهات، من حيث الدقة وطرق جمع البيانات، فإن الاستنتاج الذي توصلت إليه دراسة منتدى البحوث الاقتصادية في البنك الدولي، يفيدنا بأنه في حال الصدمات التضخمية، تكون قدرة سوق العمل على التكيف أقل منها في حال الصدمات الانكماشية، ويكون معدل البطالة أقل استجابة. وربما يفسر هذا الاستنتاج حقيقة جوهرية في سوق العمل العربية، منطوقها أن الاستمرار في العمل بأجر حقيقي أقل هو خيار أفضل من الخروج منه أي البطالة. أما في حالات الصدمات الانكماشية فإن انخفاض الطلب على العمل، من جانب الحكومة وأصحاب الأعمال يؤدي إما إلى تسريح العمال أو تخفيض ساعات العمل. وتظهر المسوح الاقتصادية في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال جائحة كورونا، أن 29 في المئة من العاملين بأجر في المغرب وتونس أفادوا بأنهم تعرضوا للتسريح الدائم أو المؤقت، وأن 21 في المئة أفادوا بتخفيض ساعات العمل، لكن 15 في المئة فقط أفادوا بتخفيض الأجور.
ونظرا لأن أسعار النفط تمثل متغيرا جوهريا في تحديد السياسة الاقتصادية، حيث تتجه الدول المصدرة للنفط إلى سياسات توسعية في أوقات ارتفاع الأسعار، وإلى سياسات انكماشية في حال انخفاضها، فإن أسواق العمل في الدول العربية المصدرة للنفط، وكذلك المصدرة للعمل التي تمثل تحويلات العاملين في الخارج متغيرا مهما من متغيرات الدخل القومي، تتأثر تأثرا كبيرا. ففي حال انخفاض الأسعار واللجوء إلى سياسات انكماشية تتعرض سوق العمل لضغوط شديدة، وترتفع معدلات البطالة. وتشير دراسة البنك الدولي إلى أن معدل البطالة في إيران، الذي كان حوالي 5 في المئة في ربع السنة التالي لأزمة هبوط أسعار النفط عام 2014/2015 قد ارتفع إلى 15 في المئة خلال أقل من عام بعد ذلك. هذا الاستنتاج يؤكد أن علاقة الارتباط بين سوق العمل والنشاط الاقتصادي يتحكم فيها جانب جانب التشغيل والطلب على العمل بواسطة الدولة وأصحاب الأعمال، وأن عرض قوة العمل لا يتأثر كثيرا بمستوى الدخل الحقيقي للعمل أي الأجور.
منخفض اقتصادي صعب
يمر اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنخفض اقتصادي صعب في العام الحالي، حيث يهبط معدل النمو إلى أقل من ثلث ما كان عليه في العام الماضي. ويقسم البنك الدولي الدول العربية اقتصاديا إلى ثلاث مجموعات: الأولى هي دول مجلس التعاون الخليجي، والثانية هي الدول العربية النامية المصدرة للنفط مثل العراق والجزائر، والثالثة هي الدول العربية النامية المستوردة للنفط مثل المغرب والأردن. ومن المتوقع أن يسجل النمو بنهاية العام الحالي زيادة بنسبة 1.9 في المئة في المتوسط مقابل 6 في المئة في العام الماضي، مدفوعا بالمكاسب الكبيرة التي حققتها الدول المصدرة للنفط، طبقا لتقدير البنك الدولي. هذا «المنخفض الاقتصادي» الذي تمر به المنطقة يبدو أكثر حدة في دول مجلس التعاون الخليجي عن الدول العربية النامية المستوردة والمصدرة للنفط، حيث يبلغ معدل النمو المتوقع في المجموعة الأولى 1 في المئة فقط مقابل 7.3 في المئة في العام الماضي. بينما يبلغ معدل النمو المتوقع في مجموعة الدول النامية المصدرة للنفط 2.4 في المئة مقابل 4.3 في المئة. وفي مجموعة الدول النامية المستوردة للنفط سيتراجع معدل النمو إلى 3.6 في المئة مقابل 4.9 في المئة في عام 2022. ونتيجة لذلك فإن البنك الدولي يتوقع تقارب معدلات النمو بين المجموعات الثلاث في العام المقبل، مع تسارع وتيرة النمو وانخفاض الفارق بينهما، ليبلغ متوسط معدل النمو المتوقع للمنطقة ككل 3.5 في المئة.
تنشيط السوق والحماية الاجتماعية
ترتبط تحديات سياسات وإدارة سوق العمل بضرورة بناء القدرة على التحمل ومواجهة الصدمات، سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية أو بيئية، أو كانت صدمات مركبة تتألف منها جميعا، وهو ما نشهده في الوقت الراهن من حيث تداخل تداعيات صدمات جائحة كورونا وأسعار الفائدة وأسواق الصرف وحرب أوكرانيا وأزمة المناخ. وتعني هذه الصدمات المركبة أن تداعياتها المتضاربة، التضخمية أو الانكماشية، تحتاج إلى قدر كبير من المهارة في تصميم سياسات وأساليب إدارة سوق العمل لتحقيق التوازن الاقتصادي المنشود. ويحتاج واضعو السياسات خلال صدمات الاقتصاد الكلي إلى الموازنة بين مخاطر تراجع معدلات التشغيل (تأثير الانكماش) ومخاطر تراجع الأجور الحقيقية للعاملين (تأثير التضخم). وفي كل من الحالين، فإن التسريح من الوظائف يؤثر على توقعات فرص العمل المتاحة تأثيرا سالبا، كما يعني تدهور المستويات العامة لدخل العمل، وآفاق سوق العمل بشكل عام.
وتشير دراسات سوق العمل بشكل عام إلى أن خسائر الدخل في حال البطالة تستمر لمدة سنوات بعد ترك العمل حتى في الدول الصناعية المتقدمة. وتقدم إحدى دراسات سوق العمل شواهد من مصر تشير إلى أن العمال الذين تم تسريحهم قسرا، بسبب إنهاء الوظيفة بواسطة صاحب العمل، أو توقف المشروع أو إغلاق الشركة تماما، يكون الاحتمال الأكبر بالنسبة لهم هو أن يعملوا في القطاع غير الرسمي، أو أن يصبحوا عاطلين عن العمل حتى بعد عشر سنوات من فقدان وظائفهم الأصلية.
أما في حال الضغوط التضخمية، وتآكل قيمة الأجور الحقيقية على المدى القصير بسبب ارتفاع التضخم، فإنه يثير في سوق العمل مجموعة من التحديات المختلفة تتعلق بمستوى المعيشة للعاملين بأجر، من حيث إنهم يفضلون البقاء في وظائفهم مع انخفاض الدخل الحقيقي على البطالة. ويبين تقرير عن أحدث المستجدات الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن الأسر الأشد فقرا تعاني عادة من تأثير التضخم أكثر من الأسر الأكثر ثراء. فالتضخم لا يصيب كل الأسر بنفس المعدل، وإنما يترك تأثيرا أكثر حدة على الأسر الفقيرة، لأنه في العادة يعكس نسبا متفاوتة في زيادة الأسعار على بنود الإنفاق المختلفة، تتركز عادة في أسعار الغذاء والوقود والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية للمواطنين، وهي الاحتياجات التي تستهلك النسبة الأعظم من دخل العمل في حال الأسر الفقيرة. ويوضح خبراء البنك الدولي أن هناك نوعين من السياسات يمكن الاعتماد عليهما في إدارة سوق العمل من أجل إضفاء قدر أكبر من المرونة على استجابة السوق للصدمات، منها ما يطلق عليه «سياسات سوق العمل النشطة» التي تهدف إلى الحد من تخفيض آثار الانكماش ونقص الطلب على العمل، في حال الصدمات الانكماشية، وذلك بتوسيع الاقتصاد وزيادة فرص العمل من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي. وسياسات «الحماية الاجتماعية» بتوفير شبكات الأمان الاجتماعي، والحفاظ على مرونة الأجور الحقيقية، في حال الصدمات التضخمية.
وطبقا لدراسات البنك الدولي بشأن متابعة «سياسات سوق العمل النشطة» فقد تباينت نتائج هذه السياسات، لكنها أثبتت بشكل عام عدم فاعليتها على المدى القصير. ومن ثم فإنها قد تكون أكثر صلاحية لمواجهة تحديات الاختلالات الهيكلية الطويلة الأجل في سوق العمل، أكثر من صلاحيتها في مواجهة التحديات التي تنتج عن الأزمات والصدمات الطارئة. وعلى النقيض من ذلك فإن سياسات الحماية الاجتماعية وإضفاء مرونة أكبر على المستوى العام للأجور، بما يوفر حماية من تأثير التضخم، ربما تكون السياسات الأكثر ملاءمة لمواجهة صدمات التضخم. لكن الجانب السلبي لهذه السياسة، خصوصا مع ربط الأجور بالأسعار، تؤدي إلى آثار ضارة على المدى الطويل وتشويه سوق العمل. وتقترح دراسة البنك الدولي تطبيق سياسة تمزج بين توفير الحماية الاجتماعية للعمال الأكثر احتياجا خلال الصدمات من خلال التحويلات النقدية (الدخول التعويضية أو العلاوات وغيرها) مع السماح في الوقت نفسه بتعديل الأجور الحقيقية بما يحمي القوة الشرائية لدخل العمل. كما تقترح الدراسة توفير مقومات أفضل لنجاح سياسات سوق العمل النشطة، من خلال استخدام جزء من الفوائض والوفورات في مراحل التوسع الاقتصادي في إنشاء صناديق طارئة لتمويل هذه السياسات في أوقات الانكماش الاقتصادي.
ونوصي صناع سياسات العمل في الدول العربية والباحثين في هذا الشأن بقراءة الدراسة كاملة، بعد أن أصدرها البنك الدولي قبل أيام. وهي متاحة بعدة لغات منها اللغة العربية. الدراسة بعنوان «تحقيق التوازن بين الوظائف والأجور عند وقوع الأزمات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (البنك الدولي)». وقد شارك في إعدادها فريق من الباحثين يضم: روبرتا غاتي، دانييل ليدرمان، نيللي الملاخ، جيسيكا توريس، جوانا سيلفا، إلياس سوفانوف.