دراما اجتماعية سينمائية استفادت من الاجواء التلفزيونية باقتدار
الآباء الصغار جديد دريد لحام سعي الي البساطة ووقع في مطّب التبسيط احيانا:دراما اجتماعية سينمائية استفادت من الاجواء التلفزيونية باقتداردمشق ـ القدس العربي ـ من نادر اصفهاني: يقول دريد لحام: في فيلمي الآباء الصغار وكعادتي لجأت الي البساطة، والبساطة المطلقة، كوني لا أجيد ان اقدم ملاحم سينمائية، فأنا لم اسع لأقدم الحرب والسلم أو ذهب مع الريح. اذا كان التأرجح بين البساطة والتبسيط هي القاعدة الأساسية لأفلام دريد لحام، فأنه غالبا ماينجح عندما يحقق البساطة، ويتعثر عندما يلجأ الي التبسيط، فالفن السينمائي علي الاغلب لايحتمل التبسيط، اذ انه فن مركب، بل شديد التعقيد. هنا لايعتبر الفيلم عند دريد بديلا عن أعماله التلفزيونية أو المسرحية، لكنه في الأغلب قريب من الطريقة التي ينطلق منها في تقديم اعماله تلك، وملخص منطلق دريد هو سعيه كي يقدم اعمالا ذات اهداف أخلاقية تمس العائلة، وقد ترسخ منطلقه هذا خاصة في المرحلة الثانية من حياته السينمائية، عندما ابتعد عن التعاون مع مخرجين سينمائيين محترفين وقرر أن يوقع علي أخراج أفلامه بنفسه.الفيلم الكوميدي بالمطلق لايحتمل اي نسبة من الترهل، إذ لابد ان يستند الي قصة محبوكة، وشخصيات متطورة، وكل عبارة تجري علي لسان ممثليه يجب ان تكون ذات هدف، ومحققة لأهمية تخدم الحدث الرئيسي. هنا في (الآباء الصغار) لايستخدم دريد عبارة فيلم كوميدي، بل يعنون إعلانات الفيلم بعبارة (فيلم للعائلة)، واضح ان المقصود أن فيلم العائلة يواجه افلام ليست للعائلة، او مايعرف بأفلام هواة النوع، مثل افلام: الرعب، المغامرات، التشويق… الخ. هنا وتحت عنوان فيلم للعائلة يرسم، عملاً فنياً يستند الي شخصيات بسيطة، ذات عمق انساني، كلُ تصرفٍ تقوم به ذات دلالات أجتماعية وعاطفية في آن معا، الفيلم يحتوي حبكات بسيطة جداً، يكاد المشاهد لايشعر بها. منذ الدقائق الخمسة عشر الاولي، يعرف المشاهد كامل الحكاية، وبالتالي لايشغل رأسه في اكتشاف أي شيء جديد، الشخصيات الرئيسية تقدم نفسها منذ البداية، والشخصيات الثانوية لاتأثير لها، فلو حذفت لما تأثر الفيلم بأي شيء. لا أختزال في اللقطات السينمائية، كاميرا مفتوحة علي مشهد واحد، تصل اللقطات الي ان تكون فوتوغرافية في بعض الأحيان. افلام دريد لحام ليست موجهة بتاتا للذين يملكون معرفة سينمائية واعية، ليس موجهاً للمشاهدين الذين يمقتون المشاهد التي تفصح عن نفسها، ولاتترك لمشاهدها اي مساحة لكي يكتشف بنفسه دلالة ما. سينما دريد لحام و (الآباء الصغار) جزء منها، لاتلجأ إلي الأختزال ـ وهو أساسٌ في الفن السينمائي، إنها سينما تقدم نفسها بوضوحٍ مبالغ فيه، دون خلفيات أو عناصر موازية، الحدث هنا أحادي، يحكي عن اسرة مؤلفة من ام ـ سلمي المصري ـ (رضية) وأب ـ دريد لحام ـ (ودود ) وأربعة اولاد (جابر ومعن ونورا وغزل)، تموت الام نتيجة مرض عضال، وتواجه الأسرة مصاعب الاستمرار. تظهر في حياتهم (امل) حنان الترك الباحثة في الاثار و القادمة من القاهرة، تصل إليهم عبر رغبتها في استئجار غرفة، بعد أن تقرر الأسرة تأجير واحدة من غرف المنزل الثلاثة، بهدف الاستفادة من قيمة الأيجار في تحمل أعباء الحياة نتيجة انقطاع راتب الام المتوفاة. وسرعان ما تندمج امل مع الأسرة المنكوبة بوفاة ربتها، وتنشأ المفارقة اللفظية من التعارض بين اللهجتين الدمشقية والمصرية، ومن (الفلاش باك ) الذي يثبت في كل محطة له أن الاسرة تنفذ رغبات الام الراحلة. فيلم العائلة يقود الي الابتسامة في أغلب مواقفه!! فالمشاهد التي نراها أمامنا، وسيط بصري يصل في بعض الاحيان كي يحقق الشروط السينمائية، وفي احيان اخري يشعرك بأنك امام عمل تلفزيوني يعرض علي شاشة عريضة. العُقده الوحيدة في فيلم طوله زهاء ساعتين هو اعتقاد الاولاد الأربعة ان أباهم قد وقع في غرام الباحثة القادمة من القاهرة امل، لكن سرعان ما تنفك هذه العقده، بأعلان الاب ان لا احد يمكن ان يحل مكان الام الراحلة. المشاهد يقبل الشخصيات المعروضة أمامه منذ اللحظة الاولي، لا اتذكر اثناء مشاهدة (الاباء الصغار) اني قلت (لا) لأي شخصية من الشخصيات، بأستثناء موت الام، فكل شيء يعرض أمامنا سهلٌ. الشوارع لازحام فيها، الميكرو باص يقف امام ركابه ويصعدون بمنتهي البساطة، مخفر الشرطة مكان مناسب كي يدرس ودود ويتخرج من كلية الحقوق، عمل الاولاد بفرط البازلاء والفول يكفيهم متطلبات الحياة، النظافة تعم كل الامكنة التي عرضت امامنا، لا مشاكل هناك ولا منغصات، المنغص الوحيد موت الأم، والسرور والراحة تحصلان بحصول الاب علي شهادة الحقوق. كل مايقدم عبر الشريط السينمائي (الآباء الصغار) إنساني بأمتياز، شخصيات تقدم نفسها مباشرة دون اي تأسيس، وبالتالي لاحبكة هناك، اراد دريد لحام ان يقدم عملا لانقاط سلبية فيه، عمل اخلاقي، أحادي، سهل، بسيط، يجلب الابتسامة دون ان يكون كوميديا، ويقود الدمعة الي العين دون ان يكون هناك مواقف تراجيديه. دريد لحام في ندوة أقيمت الشهر الماضي في نقابة الصحافيين بالقاهرة حيث اطلق عرض الفيلم في القاهرة قال: أحلموا، لا يوجد شيء أسمه المستحيل، علينا أن نتسلح بالإرادة حتي نحقق أحلامنا. ويضيف متحدثا عن فيلم (الأباء الصغار): هذا الفيلم كان حلمي الأكبر، وفاجأني المنتج يوسف الديب عندما تحمس لأنتاجه!! وأردت من خلال الفيلم أن أقول أن العائلة المتماسكة المتفهمة هي التي تصنع وطناً متماسكاً ومتفاهماً. من خلال (الآباء الصغار) أدعو الجميع للأهتمام بالاطفال، فكثيرون يسألونني: لماذا لا نري الاطفال في الأعمال الفنية وهم نصف المجتمع؟ هذه البراعم الصغيرة لابد من تأهيلها بشكل صحيح حتي نضمن مستقبلاً أفضل لوطننا، ويجب أن تكون تنشئة الاطفال سليمة من خلال عائلة سليمة. شارك دريد في كتابة السيناريو المخضرم رفيق الصبان، لكن هذه المشاركة لم تلعب دوراً هاماً، فبقيت هناك تفاصيل لا مبرر لها، أدت الي تطويل، أضافة الي محدودية مواقع التصوير، وإبتعاد السيناريو عن المشاهد الحركية، أضافة الي أغراق السيناريو في الحوار الزائد، واحيانا المكرر، فالمفارقة التي قادت الابتسامة الي شفاه المشاهدين عند ابراز التعارض بين اللهجتين الدمشقية والمصرية، تكررت الي درجة ان بعض المشاهد اصبحت إذاعية. الفكرة البسيطه جدا للفيلم، قادت دريد في إخراجه الي نقل اجواء فنية حميمة جدا، صادقة، ووصل صدقها الي جمهور المشاهدين، لكنه لم يعبر بالشخصيات الي أبراز مابداخلها، وبقيت الملامسة انسانية خارجية. السينما ما تشاهده لا ما تسمعه، هنا المشاهدة توازت مع السماع، وكان لهما نفس الأثر. فيلم (الآباء الصغار) سعي لتقديم قفشات كوميدية ذكية، واستفاد من قدرة المخرج علي الامساك بعفوية الاطفال الأربعة الذين حركهم بأقتدار يحسب له، خبرة دريد لحام ممثلاً، تجعله يوما بعد يوم يخبر عن حرفية عالية، وقدرة علي ادهاش مشاهديه بالاداء السهل الممتنع. في الفلم تلعب حنان الترك دوراً رئيساً، خبرتها كممثلة محترفة، انقذت الفيلم من الوقوع في مطبّ التبسيط، وساعدت دريد في نفس الوقت علي حمل جزء رئيسي من المشاهد، خبرة حنان الترك ونضجها جعلت المشاهد التي تجمعها بالآخرين مليئة بالمواقف الكوميدية التي ساعدت علي ايصال الرسالة الاجتماعية الحميمة التي سعي لها دريد. امور عديدة تسجل للشريط السينمائي (الآباء الصغار) اولها عودة الانتاج السوري ـ المصري المشترك، والثاني تعزيز الاشرطة السينمائية التي يمكن ان تعيد افراد الاسرة الي ارتياد الصالات السينمائية، وثالثها انها بث روح في انتاج القطاع الخاص السوري. وابرزها ان دريد لحام رغم كل العقبات التي تواجه صناعة السينما، مازال قادرا علي ان يقف وراء انتاجات سينمائية جماهيرية، قادرة ان تعيدنا الي الدراما الاجتماعية النظيفة. 2