احمد عمرفيلم ‘الفرح’ فيلم مصري يجلو الجروح التي أثخنت الروح المصرية والتحولات التي طرأت عليها، كأنه يحاول الإجابة على سؤال ‘ماذا حدث للمصريين’؟ او يعيد طرح السؤال، وهو عنوان كتاب سوسيولوجي شهير لجلال أمين. الفرح فيلم من تأليف أحمد عبد الله وإخراج سامح عبد العزيز مخرج فيلم ‘كباريه’. انه فيلم مؤثر حقا، لولا النهاية المزدوجة التي تجعل كل ذلك الجهد أشبه بالمزاح؟ انه فيلم يجمع المتناقضات على حلبة واحدة، في مصارعة مستمرة طول مدة الفيلم الساخن بين الأسود والأبيض، في بؤرة واحدة، في لحظة واحدة، في مكان واحد. الفيلم يذكر بالمثل القائل شرّ البلية ما يضحك. لكن الفيلم يذكر أكثر، والمقارنة واحدة من طرق المعرفة؛ بفيلم ‘ Monsoon Wedding’ من إخراج ‘ميرا ناي’ وهو فيلم اشتركت في إنتاجه شركات من أمريكا والهند والمانيا وايطاليا وفرنسا، وفاز بالأسد الذهبي. تنكشف في ‘عرس مونسون’ فضائح عائلة هندية بنجابية في دراما عرس يزوج فيها رب أسرة بنجابي ابنته لصديقه في عرس تقليدي يجمع فيها أفراد العائلة المنتشرين في الشرق والغرب. العرس يتفرع بحبكته إلى حبكات وقصص متفرعة كما في هذا الفيلم المتقن المدهش. مكان فيلم الفرح حي شعبي في منطقة عشوائية أو فقيرة، تلتهب حبكة الفيلم عندما يعيب أهل الحارة على والد العريس مشككين في عذرية جميلة كنتهم المستقبلية (جومانا مراد) فيطلب أبو جميلة (سعيد طرابيك) من صهره عبد الله (ياسر جلال) الذي تغرّب في السبع دول وداخ السبع دوخات في سبيل تأمين مهر العروسة. استمرت فيها خطبة الشاب سبع سنوات، والجنس ينهش في لحمه ولحمها (كما يقول المنولوج الداخلي للعريس) وقد ولغ في الإناء، ففقدت البنت عذريتها، وحتى لا ينفضح أمام أهل الحارة، سيقوم بعملية رتق بكارتها في ليلة الدخلة قبل الدخول بالعروس، ببكارة كاذبة صناعية حتى يبرّ بوعده لوالد الصبية ولأهل الحارة! إنها أولى المفارقات السوداء؟ العرس سيكون مختبرا للجميع، حيث تلتقي فيه المصالح والمفاسد، ويغدو لحظة غفران وكفران، ففيها سيكون العريس (ياسر جلال) الذي يطلع بدراما الواجب والشهامة مشغولا إلى شحمة إذنيه، ومذهولا عن ليلة فرحه بالاتصال بصديق له للاتفاق مع طبيب في عيادة سوداء لترميم بكارة العروس، فيما ينشغل شقيق العروس زينهم (خالد الصاوي)، الذي يجسد صراع الطمع والقناعة بأسماء المدعوين ورئاسة المهرجان (في دلالة دولية لفظية احتفالية) لجمع النقطة (الهدايا المالية) وتأمين سعر المكرو باص الموعود.
ونجد دراما الجمال والقبح في شخص عريف العرس، النباطشي العسلي (ماجد الكدواني) الذي شوّه أبوه جبينه في طفولته عقابا على طيش، والمفارقة في أنّ الأب يجري وراء ابنه من عرس إلى عرس، مخافرا على أبواب الحفلات لاحقا بابنه كي يغفر له ضربته تلك التي شوهت وجهه، من غير أن تجدي توسلاته أو تشفعات الأم ووساطتها له بتليين قلب الابن على ابيه، ولعلها أهم ذرى الفيلم الدرامية، فالأب هو الذي يطلب الصفح من ابنه، تليها وتسبقها اللحظة الدرامية الأهم التي تجمع الأم (كريمة مختار) التي تمثل الأم المصرية حق تمثيل، والساخطة على ابنها زينهم الذي أبى الامتثال لها وجمع في العرس المفاسد كلها (راقصة، بيرة، حشيش..) ونجد الشباب والشيخوخة في قصة الزوجين شوقي (حسن حسني) الشيخ العجوز الذي يتعاطى العقاقير لاستجلاب القوة والباه كي يليق بفتنة زوجته الشابة نسرين (مي كساب)، وسيجمع الفيلم العفاف مع الفجور في قصة سميرة (دنيا سمير غانم) التي تتحصن بزي شاب ناكرة انوثتها من جهة، وقائمة بأود عائلتها من جهة ثانية والتي ستتعرض إلى محاولة اغتصاب من قبل حسن الحشاش (باسم سمرة) الأمر الذي يدفعها إلى الدفاع عن شرفها بقتله.
سيجمع صانع الفيلم الأول احمد عبد الله، الضلال والهدى، والدين والدنيا، والهوى والطاعة أيضا في تلك اللحظة، فالراقصة نوجة (سوسن بدر) ستهتدي على يد الأم تائبة عن الرقص، في ليلة العرس قبل أن تموت وسترفض الراقصة أداء نمرتها في العرس إلى أن يجبرها زينهم على أداء نمرتها بالقوة، لكن اللحظة الدرامية العليا هي التي تموت فيها الأم (دراما الموت والحياة في لحظة العرس المبشرة بالولادة كما يفترض) فينقلب العرس إلى مأتم، فيبكي الابن على أمه التي ماتت وهي ساخطة عليه، لكن الطمع يدفعهم إلى إقناع زينهم بالسكوت على موتها، ومن بينهم العريس الذي يعيش سباق ستر الفضيحة، والمنولوجست صلاح ادم الذي يريد فرصة لإثبات موهبته الآفلة في رواية النكات، أمام نفسه وأمام ابنه، وأمين الجمعية حبشي (محمود الجندي) الذي يريد استعادة خسائره.. ينجحون أخيرا في إقناع زينهم والرقص والعربدة على جثة الام، لحين جمع النقطة. فينقلب المأتم إلى عرس مزيف. الفرح والترح بينهما حرف واحد، وشعرة واحدة هي الأمانة التي خانها الجميع باستثناء الزوجة صفية (روجينا) التي تترك شقة زوجها زينهم وهي تقول مودعة: انا صرت أخاف منك.. اللي يخون أمه يخون مراته.
يبقى أن نشير إلى ان صناع الفيلم، غفلوا عن مشهد يجمعون فيه العروس في بيت أخيها، وزفها منه، ووقعوا – بحسن نية، ما وقع فيه شخصيات الفيلم جميعا – بالاحتيال على النهاية التراجيدية، وهي النهاية التي تختتم بسرقة مال النقطة في لحظة غفلة عن الحارسين، وضياع المال والأخلاق، وهي نتيجة طبيعية للكذب على الحق والموت، فحبل الكذب قصير، إلى ابتداع نهاية أخرى، سعيدة للفيلم.
وهو احتيال لا يمكن مقارنته بنهايات بأفلام أجنبية ضمت نهايتين للفيلم مثل فيلم ‘محامي الشيطان’ The Devil’s Advocate لمخرجه تايلر هاكفورد، فهو فيلم فانتازي. النهاية المزدوجة يمكن أن تقبل في أفلام كوميدية أيضا. ‘ كاتب من سورية[email protected]