دراما السيرة الذاتية: مسلسلات في وجه العاصفة!

حجم الخط
0

دراما السيرة الذاتية: مسلسلات في وجه العاصفة!

محمد منصوردراما السيرة الذاتية: مسلسلات في وجه العاصفة! مسلسلات السيرة الذاتية التي تصور حياة مشاهير الفن والأدب والتاريخ، والتي قدمتها الدراما العربية في موسم رمضان التلفزيوني المنصرم… واجهت العديد من المشكلات والمآزق، والاعتراضات والاحتجاجات التي وصل بعضها الي القضاء، وهو امر يتكرر دائما مع هذا النوع من المسلسلات التي تتخذ من سيرة شخصية عاشت في الواقع محورا لها، علي سبيل التأريخ الذاتي لتفاصيل حياة تلك الشخصية وظروف صعودها لتحتل موقعها الخاص في الوجدان العام، أو بغية قراءة المرحلة التاريخية والعصر الذي تفاعلت تلك الشخصية معه فصنعها وصنعته! ولعل أكثر الأمثلة حضورا في موسم رمضان هذا العام، كان مسلسل (العندليب) الذي كتبه د. مدحت العدل، وأخرجه جمال عبد الحميد، ولعب فيه دور عبد الحليم (شادي شامل) بطل مسابقة البحث عن العندليب التي أعدت لها قناة (ام.بي.سي) في وقت سابق برنامجا تلفزيونيا ضخما لهذا الغرض… ثم مسلسل (السندريللا) الذي يروي كما هو معروف حياة النجمة الراحلة سعاد حسني، والذي كتب قصته (ممدوح الليثي) واعد السيناريو والحوار له السيناريست عاطف بشاي، وأخرجه سمير سيف، ولعبت فيه النجمة الشابة مني زكي دور السندريللا.فعبد الحليم حافظ، ومثله سعاد حسني أيضاً شخصيتان معاصرتان، حاضرتان في أذهان رفاق الدرب وشهود المرحلة، وفي أذهان الجمهور العريض أيضا الذي واكب مراحل فنهما وتألقهما… وبالتالي فان هذه المعاصرة كانت عاملا حساسا ودقيقا من عوامل تقييم كلا المسلسلين، وتلمس مدي نجاحهما في مقاربة الشخصيتين المستلهمتين، بل والشخصيات الواقعية الأخري التي ظهرت معهما أو من حولهما… والواقع فلم يكن الحكم ـ في هذه الناحية ـ في مصلحة أي من العملين المذكورين.. فعدا عن الأخطاء التاريخية التفصيلية التي فندها المؤرخون والنقاد الفنيون… كان هناك تضارب مربك للمشاهد في تقديم الأحداث ذاتها التي تقاطعت في حياة عبد الحليم وسعاد حسني في آن معا، بحكم العلاقة التي ربطت بينهما في الواقع… ففي حين أكد مسلسل (السندريللا ) زواج سعاد حسني من عبد الحليم، فان مسلسل (العندليب) لم يؤكد ذلك… ناهيك عن تفاصيل أخري تساءل المشاهد معها: أين تكمن الحقيقة… وأي العملين كان أقرب اليها؟!لكن المشكلة الحقيقية التي واجهت كلا العملين، أن بطليهما لم ينجحا علي الاطلاق في الاقتراب من الشخصيتين المستلهمتين، وابراز ألقهما الروحي والفني علي الشاشة… ففي حين تحول عبد الحليم علي يد الشاب شادي شامل، الي شبه فيزيولوجي… أي الي صورة متشابهة تفتفر الي العمق، والي ألق الاحساس الذي مكن عبد الحليم رغم قدراته الصوتية المحدودة من أن يتربع علي عرش النجومية الطاغية لسنوات طويلة بعد رحيله… تحولت سعاد حسني علي يد النجمة الموهوبة مني زكي، الي مجرد نظرات حالمة يعتريها الكثير من القلق الانفعالي، الذي لم ينتج مع كل أسف ذلك الحضور الأخاذ لممثلة استثنائية في كل أدوارها، جسدت روح الفتاة الريفية بخفة وظرف، وعكست طموحات ابنة المدينة العصرية بانطلاقتها المتوثبة نحو الحياة، مثلما جسدت عذابات المرأة الناضجة بأبعاد نفسية مركبة، تفيض بقوة التعبير… لقد كانت مني زكي تائهة أمام أبعاد شخصية كهذه… وكانت سعاد حسني الأصل، تطل بقوة من الذاكرة، لتهزأ من اقتفاء الأثر في المكياج والملابس وتسريحة الشعر… وبعض الحركات الطفولية المستعارة من أدوار سعاد التمثيلية في بعض الأفلام! دعاوي مستعجلة والأمر نفسه انسحب علي الشخصيات المحيطة بهما، حيث سقط مدحت صالح سقوطا مريعا في تجسيد دور عبد الحليم أمام مني زكي في (السندريللا) وكان حضور الشاعر الكبير صلاح جاهين الدرامي مهلهلا وضعيفا، الأمر الذي دفع كاتب القصة ممدوح الليثي وكاتب السيناريو عاطف بشاي للتبرؤ من العمل، والزعم بأن هناك اضافات لا علاقة لهما بها… في حين رفعت المطربة نجاة الصغيرة، التي جسدت دورها المطربة (غادة رجب) دعوي مستعجلة للمطالبة بايقاف المسلسل، علي خلفية تصوير علاقتها بالشاعر كامل الشناوي التي كتب لها (أو عنها) أغنية (لا تكذبي) باعتبارها علاقة تتلاعب فيها بمشاعره.. وهو الأمر الذي اعتبرته نجاة اساءة لها، رغم أن صناع العمل أطلقوا عليها اسم (نجوي) كنوع من التمويه المفضوح!وفي كل الأحوال كنا أمام عملين لا يقدمان تصورا مقنعا أو مقبولا للشخصتين المستلهمتين… ليس بسبب اعتراضات المقربين وزملاء المسيرة الفنية، وليس بسبب التفاصيل الهامشية المختلف حول دقتها، وانما بسبب ضعف التصور الفني الذي لم يرق في وجدان جمهور المتلقي الي الصورة الأصل… وهو أمر ليس بالمستحيل، كما رأينا في مسلسل (أم كلثوم) الذي استطاع أن يقنعنا بإقترابه الفني من شخصية وعصر سيدة الغناء العربي. لكن الطريف في مسلسلات السيرة الذاتية، أن الاعتراض لم يطل فقط تلك التي تناولت شخصيات معاصرة، بل شمل كذلك المسلسلات التي تناولت شخصيات تاريخية عاشت قبل قرون، فها هي مجمـــــوعة من الشخصيات التي يمتد نسبها الي العباسيين، تصدر بيانا تهاجم فيه مسلسل (أبناء الرشيد الأمين والمأمون) الذي أخرجه شوقي الماجري، ولعبت بطولته مجموعة من الفنانين السوريين العرب، في مقدمتهم النجم رشــــيد عساف بدور هارون الرشيد… هاهو البيان، يعبر عن الاستياء البالغ مما وصفــــه بـ (الافتراء والأكاذيب التي احتواها المسلسل) وفي تشويه صـورة الخليفة العباسي الذي كان يغزو عاما، ويحج عاما… وفي تصوير صراع الأخوين علي السلطة بعد وفاة أبيهما… ناهيك عن اعتراض آخر واجهه المسلسل من أئمة الطائفـــــــة الشيعية، بسبب تجسيد شخصية الامام (علي بن موسي الرضا) التي اعتبر البيان الذي وجه لقناة (أم.بي.سي) التي انفردت بعرض المسلسل؛ أن هذه الشخصية: (من الشخصيات ذات الخصوصية والمكانة الخاصة لدي الشيعة الاثني عشرية في العالم الاسلامي، وان مجرد تمثيله بممثل في مسلسل يعتبر انتهاكا واضحا وصريحا لمشاعر الشيعة جميعا).اعتراضات تاريخية أما مسلسل (خالد بن الوليد) الذي كتبه السوري عبد الكريم ناصيف، وأخرجه محمد عزيزية، وجسد فيه دور سيف الله المسلول الممثل السوري باسم ياخور، فقد أثار اعتراض الأزهر الذي يري بعدم جواز تصوير صحابة رسول الله (ص) في الدراما، وخصوصا العشرة المبشرين بالجنة… فضلا عن أن بعض الممثلين ـ كما تري هيئة الأزهر ـ قد يكون هناك اعتراض علي سلوكياتهم خلال تاريخهم الفني، الأمر الذي لا يتفق مع ما يجسدونه من مواقف في سير هؤلاء العظماء، وما يمثلونه من مكانة دينية في نفوس المسلمين.وثمة الكثير مما يمكن أن يقال نقديا عن الرؤية المدرسية التي كتب بها العمل، وعن لغته الركيكة… لكن الاعتراضات لا تنطلق عموما من موقف نقدي دائما، فهي تمزج في الغالب بين الفني والشخصي في سيرة الممثل، والشخصية التي يجسدها علي الشاشة، وقد تطور هذا المزج او الخلط في السنوات الأخيرة، ليطال الانتماء الديني للممثلين، حيث أثير مؤخرا كون رشيد عساف وبسام ياخور اللذان جسدا هارون الرشيد وخالد بن الوليد، يدينان بالديانة المسيحية… وهو ما أثار حساسية بعض المتشددين… وجعل من تجسيد سير الشخصيات التاريخية، حقلا مملوءا بالألغام الدينية والمذهبية أيضا… وهو ما يبدو انعكاسا لحالة الاحتقان التي يعيشها العالم العربي اليوم في شتي المجالات.. والتي أخذت تلقي بظلالها علي عملية التلقي الفني. أخيرا فقد أضحت دراما السيرة الذاتية اليوم، من أكثر أنواع الدراما اثارة للحساسيات والاعتراضات التاريخية والمعاصرة… الشخصية والموضوعية… الفكرية والفنية… وفي ظل حالة الهرج الاعلامي والبحث عن الاثارة التي تعني مزيدا من فرص التسويق لدي شركات الانتاج والمحطات.. سوف يختلط الحق بالباطل، ويتساوي الاعتراض المحق الذي ينطوي علي تشويه وافتراء وجهل بالشخصية المستلهمة ومفردات عصرها، مع التعصب المتجني الذي يريد أن يرسم الخطوط الحمراء، كبديل لأي دراما لا تلتزم بالصورة المشرقة في رسم ملامح الفرد والعائلة والعصر! ناقد فني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية