دراما العنف في الفيديو كليب او ثقافة الاستلاب الناعم

حجم الخط
0

محمد حلمي عبد الوهاب

في الوقت الذي تعيب فيه الرؤي التنويرية اختزال المرأة في الجسد ثم اختزال الجسد في اطار الوظيفة الجنسية، يقدم الخطاب الكليبي اشد عناصر هذا الاختزال عنفاً وضراوةً، وذلك بتاكيده جانبا احاديا من الرؤية الغنائية وهو الجانب الجنسي. والذي ياخذ ابعادا عنفوية بما ان الصورة، كما هو متعارف، اقوي من الكلمة. ذلك ان الكلمة المجردة، ورغم بالغ تاثيرها، الا انها تُوجد مسافةً ما بينها وبين المتلقي، الامر الذي يسمح له ان يتأمل معناها ويحلل مضمونها ويقف علي مغزاها، اما الصورة فهي بمثابة حرب شرسة اشبه ما تكون بالـ فيروس الذي يغزو اشد المناطق ضعفا واقلها مناعة في الوقت ذاته!!. وفي هذا الاطار تقع مشاهد الفيديو كليب الساخنة ذات الايحاءات الحسية المباشرة والتي لا تترك مجالا للعقل ان يتامل، او للجهاز العصبي ان يستريح، بل تقتحم المرء اقتحاما لا راد له، اللهم الا غلق العين والاذن وجهاز التلفاز!!. هذا ان كنت قابعا في بيتك، لكن ماذا يفيد غض البصر وغلق الآذان فيما انت مار بالشارع تحاصرك شاشات الاعلانات الضخمة وبوسترات النجمات العاريات، واخيرا المطربون العراة!! (بوستر عمرو دياب الاخير علي سبيل المثال)!!. وتصم آذانك اصوات الكاسيت والـ DVD في المحلات والسيارات؟!!. يؤكد الدكتور/ عبد الوهاب المسيري ان من العوامل المساعدة التي تسهل للفيديو كليب ان يقتحمنا، ما اطلق عليه الرقص الافقي، والذي تنام فيه الراقصة/المغنية علي الارض، فيما هي نصف او ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية او محايدة لاسباب لا تغيب عن ذهن المشاهد/المتلقي. والنتيجة الطبيعية لمثل هذا النوع من الرقص/الغناء هو ما يمكن ان نطلق عليه الاستلاب الناعم ومن ثمة لا يكون بمقدورنا الا ان نستسلم لاغواء الصورة ونرفع الرايات البيض دون ان يكون حتي باستطاعتنا ولو الانسحاب من ساحة الوغي/الرقص مفضلين الاسر علي الجهاد!! وبالرغم من تفشي حالة العري هذه في الفيديو كليب، الا ان الدوائر الحقوقية التي تدافع عن المراة لم تستنكر مثل هذه الصورة المهينة والتي تنم، علي العكس مما يروج البعض، عن نظرة دونية لا تختلف في اطارها وسياقاتها العامة عن نظرة اصحاب الخطابات الدينية المتشددة!!. بيد ان ما احاول التركيز عليه هنا هو ان مسألة العنف في الخطاب الكليبي قد انتقلت في المرحلة الاخيرة وتطورت من العنف الجسدي/الايحائي الي العنف القصدي/الطبيعي. . فاغلب المشاهد الكلبية تحتوي بالفعل قدرا هائلا من الـ ACTIONS والتي تتسم بدورها بطابع عنيف ان في الرؤية الفنية او المعالجة، او حتي في مضمون الرسالة والاهم من ذلك في تشكيل وعي المتلقي. هنا يبدو التساؤل حول الاسباب التي تدفع بانتقال العنف من سطوة الجسد الغريزي الي قسوة الجسد العنيف، مشروعا. خاصة، وان المناخ العام تشوبه لغة الحرب ان لم تكن بالفعل قائمة هنا او هناك في هذا البلد او ذاك من الاقليم العربي. الم تشكل الحرب الاسرائيلية ـ اللبنانية الاخيرة عاملا في الدفع بانشاء قناة ام بي سي آكشن التي ضمت مؤخرا لباقة قنوات ام بي سي؟!! الا تساهم مشاهد القتل والعنف والدمار التي تدور في كل من فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال التي تطالعنا بها نشرات الاخبار علي راس كل ساعة في قابلية المتلقي لاستضافة جرعة جديدة من العنف الخيالي يقوم بديلا عن عنف الواقع او هروبا منه؟!!. ان اهتمام الفضائيات العربية بمواد العنف، يبدو وكانه بمثابة صب الزيت علي النار، ففي الوقت الذي تثير فيه اطراف عدة في الداخل والخارج اسئلة عن العنف والتطرف في المنطقة، ولا يجد البعض حرجا من ارجاع جذور العنف الي الدين الاسلامي والقرآن والمناهج الدراسية!! ، لا يلتفت احد الي هذه النوعية من البرامج التي اكدت الدراسات واثبت الواقع في امريكا نفسها انها تغذي العنف والتطرف في اوساط المستهلكين. ان انتقال العنف من دائرة الافلام الي الفيديو كليب امر يساهم في توسيع قاعدته وخاصة بالنظر الي طبيعة المستهدفين والمتلقين للفيديو كليب واغلبهم من الشباب والمراهقين. اذ لا يقتصر العنف في الفيديو كليب علي نوعية الاغاني او بلد دون آخر، فاغنيات المطربة المصرية مي كساب تنتهي عادة، وفي مشهدها الاخير، بحملها هي وحبيبها علي ناقلة اسعاف!! كاغنيتها الشهيرة شيل ده من ده واغنيتها الاخيرة لو احنا فينا من كده اذ لا يكاد يخلو مشهد منها من انماط العنف تقريبا، والذي لم يقتصر عليها بمفردها وانما شمل حبيبها الذي راح، في مقابل تكسيرها للاجهزة الكهربائية كالتلفزيون وغيره، يكسر هو الآخر مستخدما الكرسي تارة والعصا تارة اخري زجاج الشقة ومناضدها!!. ويغلب العنف في المقابل علي نوعية الاغنيات الشعبية، فمثلا اغنية حوا السورية للمطرب ربيع الاسمر تحكي قصة الدنجوان العاشق المخدوع الذي اكتشف لتوه ان زوجته خانته مع شريكه الاجنبي، ومن ثمة يستعين بشلة بلطجية مأجورين لضرب الزوجة وعشيقها، ذلك الذي يسقط مضرجاً بدمائه، ليسحق راسه حذاء الزوج المفجوع!!. اما حواء الخائنة فقد كان جزاؤها القتل خنقاً بعدما باغتها الزوج في الحانة تراقص بعضا من اولاد الليل ان صح التعبير!! ولا عجب، والحالة هذه، ان بعض ما ينشر في الصحافة عن جرائم القتل والسرقة تشبه، والي حد بعيد، قصص الكليبات المصورة، كما لو كان القائمون بهذه الجرائم يستوحون تفاصيلها من الفيديو كليب!! والاعجب من ذلك ان ثمة كليبات تروج لضرب من العنف السادي، كاغنية المطرب اللبناني عزيز عبدو ولعت النار وفيها تتوعده حبيبته بالانتقام منه وتعذيبه وحاشا ان تحنث بوعيدها ومن ثمة تعذبه بالفعل مستخدمة في ذلك ادوات جلد وكي، كما لو انها موظفة باحد معتقلات التعذيب السياسي!!! ، فيما هو مشدود الي الكرسي، قبل ان تمن عليه بقبلة حانية علي جبينه المهشم وقد لطخ بالدماء!! شيء ما يذكرنا بالجزء الاول من Basic Instinct غريزة اساسية لممثلة الاغراء الامريكية شارون ستون.

والملاحظ ان بعض هذه الكليبات تاخذ طابعا حركيا في رؤيتها لطابع العنف، فاغنية المطرب المصري مصطفي قمر خبيني، ورغم طابعها الرومانسي الجميل، الا ان المعالجة التصويرية للفيديو كليب الخاص بها لم تستطع ان تفوت علي المشاهد رؤية دراما العنف الحركي في الفيديو الخاص بها ولا ان تحرمه من صوت دوي الرصاص الذي يخترق مقاطع الموسيقي الحالمة!!. وكأن الاثارة هي الهدف والوسيلة والغاية معا!! وكأن العنف قد اصبح خيارا استراتيجيا كالسلام العربي!!! وعلي الرغم من ذلك لا زلنا نتساءل بدهشة بالغة: ما هذا الكم الرهيب من العنف الذي بات يشكل ويتدخل في اعمق تفاصيل حياتنا؟8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية